Friday, September 18, 2015

غزاة باسم الإنسانيّة



سيف بن عدي المسكري
جريدة الزمن
10/9/2015 
عنوان مستفز للحواس الذهنية ذلك الذي اختاره الدكتور عبد الله بن إبراهيم التركي حين قرر نشر اطروحته العلمية التي قدمها الى جامعة ام القرى بمكة المكرمة حول “تجارة الرقيق في سلطنة عمان وموقف بريطانيا تجاهها” وفيها يحكي قصة السياسة البريطانية تجاه هذا الفعل في حيز مكاني يضم شرق إفريقيا وعمان، وحيز زماني يمتد بين عامي 1822 و 1905م. فكرة الكتاب تدور حول ان مكافحة الرقيق هي ذريعة تذرعت بها بريطانيا للهيمنة على منطقة الخليج العربي عامة، وعمان وشرف إفريقيا خاصة. وعام 1822 تم فيه عقد أول معاهدة لمنع تجارة الرقيق بين السيد سعيد بن سلطان وبريطانيا، في حين صدر في عام 1905م حكم محكمة لاهاي في النزاع البريطاني الفرنسي حول سماح الفرنسيين لبعض السفن العمانية برفع أعلامها، حيث يرى الكاتب أن هذا الحكم ترتب عليه انحسار النفوذ الفرنسي في المنطقة لحساب النفوذ البريطاني، الأمر الذي اضعف تجارة الرقيق. إن هذا الفعل الذي مارسه البشر منذ القدم دارت حوله وما تزال نقاشات عديدة على مستويات عدة فلسفية ودينية واقتصادية واجتماعية، وهو غير مرتبط ببيئة دون أخرى أو بحضارة معينة. وهذه الدراسة تقدم نظرة علمية قائمة على الوثائق والمصادر مفندة النظرة التي قدمها بعض الباحثين الغربيين في ربطهم هذه الممارسة بتلك البقعة من العالم بالعرب والمسلمين، وملقين التهم بأنهم وحدهم المسؤولون عن هذه التجارة. تصنف الدراسة بأنها ذات بعد اقتصادي اجتماعي يستشف منه أو يفسر البعد السياسي، وهو أمر نفتقده كثيرا في البحث التاريخي للمنطقة. خلال ابحاره في لجة هذه القصة الشائكة يتطرق التركي لجوانب عديدة ومتشعبة من قبيل موقف الإسلام من الرق، وتجارة الرقيق بين شرق إفريقيا وعمان، واصفا الأوضاع السياسية والاجتماعية في كلا المنطقتين، ومحللا مصادر الرقيق ومراكزه. بالإضافة الى التدخل البريطاني في تجارة الرقيق وردود الفعل المحلية والأجنبية على هذه السياسة. إن العوامل الانسانية التي اعلنت كدوافع لمحاربة الرقيق كان ورائها اهداف اخرى مختفية ذات بعد سياسي واقتصادي واستراتيجي، على المستويين العالمي والإقليمي، ومن ذلك حرمان الولايات المتحدة الامريكية التي اعلنت استقلالها عن بريطانيا من اليد العاملة الرخيصة. ووضع العراقيل والعقبات التي تؤدي الى اضعاف القوى الاوروبية الأخرى التي تعتمد على الرقيق للعمل في مستعمراتها. والهدف الأخطر اقليميا هو التغلغل الاستعماري في القارة الإفريقية وإضعاف النفوذ العربي في شرق إفريقيا بالتظاهر بالدفاع عن الأرقاء. في الجانب الاقتصادي كان للثورة الصناعية بما تعنيه من تحول الى الآلة بدل الإنسان دور في هذا الأمر، حيث صارت بريطانيا أحوج ما تكون الى الرقيق في أرضه لتمتص نتاج جهده، وتصرف فائض مصانعها في اسواقه. وبعد المعاهدات التي ابرمتها مع حكام عمان حول تجارة الرقيق اطلقت بريطانيا العنان لقوتها البحرية لتفتيش سفن الملاحة التجارية العمانية، عاملة بذلك على اضعاف عمان اقتصاديا، ومحققة للبعد الاستراتيجي الأهم بسط السيطرة على المحيط الهندي وتجارته. ومهما كان الموقف من هذا الطرح اختلافا أم اتفاقا فلا يسع المتصفح لهذا الكتاب سوى الإعجاب والتقدير لحجم الجهد الكبير الذي بذله هذا الباحث، منغمسا في الكم الكبير من المخطوطات والوثائق العربية منها والأجنبية، ومتنقلا بين وثائق أرشيف زنجبار، والوثائق البريطانية المختلفة، والوثائق الفرنسية، ووثائق الأرشيف الوطني الأمريكي. - See more at: http://www.azamn.com/?p=274452#sthash.UGUUq6I7.dpuf

Thursday, September 17, 2015

زنجبار .. فيلم وثائقي

قناة صفا الفضائية

زنجبار... أحد عشر سلطاناً


الجزيرة الوثائقية
مدته: اثنتان وخمسون دقيقة
* تاريخ إنتاجه: 2006
* إنتاج: الجزيرة الوثائقية   
* المخرج: طريف السيد حسن 
* الموضوع: يحكي الفيلم قصة زنجبار أو "أرض الهنود" وهي مرفأ تجاري  قصده خليط من الفرس والعرب والهنود والأوروبيين والصينيين وما نتج عن ذلك من اختلاط ثقافي ثم تمازج, حيث نشأت اللغة السواحلية والثقافة والعمارة والحياة الاجتماعية والدينية التي نراها من خلال عين د. عزيز الزنجباري الذي تركها وعاش في عُمان.

Sunday, September 6, 2015

الوثيقة السريّة التي تحكي تفاصيل انهيار الامبراطورية العمانية

مجلة أثير الالكترونية
6/9/2015

بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان مؤسس الإمبراطورية العمانية التي امتدت أجزاؤها في الجناح الآسيوي، وعاصمتها مسقط، والجناح الأفريقي، وعاصمتها زنجبار، دبّ، وللأسف الصراع بين أبنائه على حكم الإمبراطورية، وتحديدا بين السيد ثويني سلطان مسقط، والسيد ماجد سلطان زنجبار، ليتم بعدها إحالة موضوع التحكيم، وحل هذا النزاع بين الأخوين للحكومة البريطانية التي كانت أصلا تهيمن على المنطقة، وتربطها علاقات مميزة، واتفاقيات تجارية مع الإمبراطورية العمانية منذ أيام السيد أحمد بن سعيد، وأبنائه الذين تعاقبوا على حكم عمان.

 


ولذلك، وبرضى من الأخوين المتنازعين شكلت الحكومة البريطانية لجنة لتقصي الحقائق في مسقط وزنجبار قبل الوصول إلى تسوية نهائية ترغم جميع الأطراف بالموافقة عليها تمهيدا لتقسيم الإمبراطورية العمانية، وللأبد، لينفصل الجناح الآسيوي عن الأفريقي، وبكل حزن بعدما كانت بوحدتها من أقوى الإمبراطوريات في المنطقة.

 


من المهم هنا أن نعلم تفاصيل حكاية ذلك التقسيم، وهذا النزاع من أصحاب الشأن أنفسهم ونعني هنا السيد ماجد، وشقيقه السيد ثويني من خلال بعض الوثائق السرية التي كانت تحكي تفاصيل هذا النزاع للجنة تقصي الحقائق التابعة للحكومة البريطانية مثلما أسلفنا.

 


وهنا نورد لكم النص الأصلي لرسالة السيد ماجد بن سعيد بن سلطان التي قدّمها للعميد كوغلان الذي كان المسؤول عن تقصي الحقائق في زنجبار، وهي كالآتي:



" نخبر سعادة والي ولاة الهند بكيفية حالنا، ونشكو إليه ما فعله الأخ ثويني فينا ، وسنورد كلا في محله إن شاء الله ، فلا يخفى على جنابكم أنه بعد وفاة الأخ خالد أقامني الوالد المرحوم سعيد بن سلطان مكانه حاكما في زنجبار، وبر الأفركة، والجزائر، وأمراء العسكر، وأمرتهم أن يكونوا الجميع في طوعي وتحت أمري ، وأخبر بذلك أيضا جميع كوانسل القرانات الذين هم في زنجبار حتى إن خطوط رجالكم العالي الجاه الكرنل همرتن في ذلك موجودة لما عرفه الوالد عن ذلك ، أجاب الكرنل همرتن قد رفعت علم هذا إلى حضرة سعادة السركال الأفخم وأنه رضى بذلك أن أكون حاكما في بر الأفركة والجزائر التي فيه، كما أوصى بذلك سابقا الأخ خالد .. الحاصل أن جميع كوانسل القرانات واجهوني بلباس الامارة، واستبشرت أكابر الديار هذه بتوليتي عليهم، وبحمد الله أطاعتني البلاد، والعباد، فبقيت على ذلك سنين، ثم سافر الوالد المرحوم سعيد بن سلطان من عمان قاصدا إلى زنجبار فتوفاه الله في البحر، فلما وصلني علم وفاته دعوت الناس من إخواني، وعشيرتي، وكل من في هذه الأطراف من حد التنج إلى مرباط لبيعتي، فأجابوني إلى ذلك، وبايعوني أن أكون حاكما عليهم ومتوليا أمرهم، فبعد ما تمت لي البيعة أخبرت جميع كوانسل القرانات الذين هم في زنجبار بذلك فجاؤوا لمواجهتي بلباس الامارة، وحيوني بتحية الملوك، وكانت جميع سلاطين اليرب أعني المملكة المعظمة كوين فكتوريا، ووزير الخارجية، وسلطان الفرانسا، والمريكان، فأجابوني بالتهنئة في ذلك وأرسلوا كوانسلهم إلى زنجبار، فلو علموا أن حاكما غير على بر الافركة لأرسلوهم أولا إليه.



الخاتمة بعدما تمت لي البيعة زجرت فرقدا من فراقدنا يسمى التاج، ووجهته إلى مسكت وكتبت فيه مكتوبا للأخ ثويني بن سعيد أخبره بالواقع في وفاة الوالد، واستقامة الأمر لي وذكرت له في ذلك الكتاب أن يكون على حذر من خصمانا الذين هم في عمان، وأن يطيب خاطره، ويحسن بي الظن كما كان الوالد سعيد بن سلطان يساعده .. وذكرت له أيضا إن داهمه حادث مهم، فأنا معه بالحال، والمال، والرجال، وأمرت قبطان ذلك الفرقد أن ينزل ذلك المكتوب إلىّ في بندر من بنادر عمان يسمى الحدّ، وكتبت لشيخ ذلك البندر أن يحمل الخط هذا إلى الأخ ثويني، والفرقد يتوجه من الحد إلى بمبي، وكتبت إلى جورنر بمبي كتابا بالواقع فعلت ذلك احتذارا للأخ ثويني بقلة مسير المركب إلى مسكت خوفا أن يندهش بوصول علم وفاة الوالد وبكون على غير حذر فيطمعوا فيه وفي ملك عمان الخصماء والأعداء ريت الأولى يصله مكتوبي خفية فيقرأه ويحتذر من الخصيم ثم يظهر علم وفاة الوالد بعد الاحتذار الحاصل وصل الكتاب ورجع إلى الجواب وذاكر كدر خاطري وفاة الوالد وسرني استقامتك بعده في ذلك والأخ حمد بن سالم ومحمد بن سعيد ليصلا إليك عن قريب محمد بن سالم زجر نفسه هو ومحمد بن سعيد ووصلا في كيرللين لأن محمد بن سالم كان شريكي في الوصية لأن الوالد المرحوم أولا جعل وصيه بعد موته ومحمد بن سالم وأهل بيته بنت سيف فلما توفي خالد بدل الوصية وجعلني أنا وصيه بعد موته ومحمد بن سالم وأنا كتبت له أن يقبضها كونسل السركار الذي في جدة حتى يرسلها إلى عدن، ومن عدن لتصل إلى يومبي إن شاء الله رجعنا إلى ما نحن فيه، فالأخ محمد بن سالم وصل، وبيده كتاب من الأخ ثويني مذكورا فيه أنه الواصل الأخ محمد بن سالم، فهو مني وما يذكره لك فعنّي، وقد فوضته في كل ما يمضيه ويقطعه علي فأنا به قابل فلما قرأت الكتاب هذا قلت للأخ محمد بن سالم ما عندك من الرأي فقال الرأي الأولي والأحسن نقسم جميع ما خلفه الوالد المرحوم على أولاده ما خلا البلدان والمملكة فذلك معلوم ومعروف أن عمان وما يليها للأخ ثويني بن سعيد، وزنجبار وما يليها وبر الأفركة لك، فاجتمع الرأي أن نقسم المذكور ما خلا البلدان والمملكة، فقسمنا الجميع من جليل وقليل حتى المراكب والخيل والبساتين والأثاث كافة والدراهم وأخذ كل حقه وأخذت أنا حقي كواحد منهم، فمع سفر الأخ محمد بن سالم ذكر لي يا ماجد أنت تعلم بحال أخيك وقلة ما في يده من الدراهم وكثرة ما عليه من الخرج وتعرف أن مدخول عمان لا يكفي مخروجها وخوفي إن لم تسعد أخاك بدراهم في كل عام يذهب ملك عمان من أيديكم ويطمع من كان في قلبه مرض من خصايمكم، فهل تجعل لأخيك ثويني شيئا من المساعدة والمعونة من عندك ليسدد به أحواله وأحوال عمان، فأجبته يا محمد أنا قد أخبرت الأخ ثويني كما كان يعطيه الوالد المرحوم سعيد من المساعدة لأساعده بها كما تقدم وإن أدهه حادث أو مهم فأنا عنده بالحال والمال والرجال، فقال لي طيب إلا أن عمان الآن بخلاف السابق بعد وفاة الوالد سعيد اضطربت وتحركت العربان وكل خصيم لهذه الدولة فتح عينيه وفك حلقه فيحتاج تسكين ذلك ومن رأي ونظري ومحبتي فيكم يا أولاد سعيد أن تجعلوا حالكم واحد وملككم واحد وتسعد أخاك كل عام بأربعين ألف ريال ليستعين بها على تصليح ما فسد من أحوال عمان، قلنا له يا محمد أنت محل الوالد ولا نخرج الجميع من رأيك فالذي تراه صلاحا فهو الصلاح بل أن كنت تريد من في كل عام أربعين ألف ريال مساعدة للأخ ثويني للشرط الذي نريده ، قال اشرط الذي تريده وأنا في المقابل والضامن لك على قبول ثويني للشروط التي تشرطها أما عرفك في خطه كل ما أمضيه عليه ماض وكل ما أنطق به فعن لسانه قلت له بلى ، قال اشرط ما تريد ، قلنا له نشرط عليه أولا أن أكون أنا الخليفة مكان أبي ويقر بذلك ، قال قبل ذلك ، قلت له واشرط أن لا يحرك ساكنا على تركي ولا يتعدى عليه وإن صدر منه تقصير يخبرني لأنه يحتسب علي لكني لا أدري بكيفية حاله إنه مستقل بذاته أو مندرج تحت حكم راعي مسكت أنا الذي أعرفه أن الوالد المرحوم جعل عمانوما يليها للأخ ثويني، كما جعل زنجبار وما يليها للأخ خالد وبعد وفاته جعلها لي ، قال قبلت ذلك ، قلت له فإن ثبت الأخ ثويني على هذين الشرطين فله مني مساعدة ومعونة في كل عام أربعين ألف ريال وإن لم يثبت على ذلك فلا له عندي قرش ، قال رضينا وقبلنا ذلك وكان حاضرا في الكلام هذا الوالد سليمان ابن حمد والكاتب أحمد بن نعمان والأخ محمد بن سعيد ومستأجر الفرضة لداه ثم قال أنا وصلت إلى مسكت الأخ ثويني لا ليصدقني إذا قلت له إني طلبت لك من أخيكم ماجد مساعدة في كل عام أربعين ألف ريال غير إذا كتبت لي في ذلك يا ماجد ورقة فأمرته أن يكتب هو هذه الصورة أنا محمد بن سالم أردت من الأخ ماجد بن سعيد إلى أخيه ثويني بن سعيد في كل عام أربعين ألف ريال وبعد ختمها كتبت فيها أنا صحيح ذلك وكتبه الحقير ماجد بيده، الحاصل أن محمد بن سالم سافر إلى مسكت وأخذ حقوق الأخوة الذين في عمان وبعد سفره أرسلنا لهم الدراهم المذكورة أربعين ألف في مركب المريكان 112ألف ريال ، فلما وصل الأخ محمد بن سالم إلى مسكت وجد الأخ ثويني قائما بالحرب على تركي فقال له كيف تفعل ذلك وان هذا الذي أمضيته بينكم وإن علم ماجد بفعلك لا يرضى يسلم لك المساعدة التي أردتها منه لك ، فلما سمع الأخ ثويني كلامه صالح تركي ورجع إلى مسكت وقبض حقه من الارث الذي بيد محمد بن سالم وقبض الدراهم الواصلة إليهم في مركب المريكان من طرف المسعدة وأرسل لي مكتوب مع رجاله ناصر بن علي بن طالب يذكر فيه أن الدراهم التي تفضلت بها وصلت وأحسنت وحالك جميل والمكتوب هذا موجود إلى الآن وبصحبة هذا الذي هو ناصر بن علي كتاب لي من محمد بن سالم وكاتب لي الواصل رجال الأخ ثويني ، ناصر بن علي لقبض ما بقى من الدراهم والله الله يا أخي في اثبات الكلام الذي صار ودوام الحال الذي فعلته بينكم والخط هذا أيضا موجود وبصحبة هذا الذي هو ناصر بن علي كتاب محمد بن سالم إلى لداه وكيل فرضة زنجبار وكاتب له الواصل ناصر بن علي رجال الأخ ثويني لقبض ما بقي من الدراهم التي طلبناها من الأخ ماجد مساعدة الأخ ثويني والمكتوب هذا أيضا باقي وموجود الحاصل أن ناصر بن علي قبض الدراهم الباقيات ودخل في الرعية يفسدهم باطنا ويمينهم بأحوال من الأخ ثويني وعلى ما بلغنا قلنا لهم هذا برغش عن ثويني وكل ما يريده منكم تفعلوه فافعلوه وهو محسوب على ثويني وسافر إلى مسكت فلما وصل مسكت ناصر بن علي قام الأخ ثويني وحارب تركي ثانية فلما رأى منه الأخ محمد بن سالم هذا الحال وعدم اثباته على الكلام هاجر من مسكت إلى مكه خجلا منه ومنا ونحن لا نعلم بما كان هناك بل اننا في ترتيب دراهم الحول قاصدين نرسلها له في فرقدنا ارتيميز إذ أتانا علم حرب لتركي فتعجبنا غاية العجب من ذلك فبعد أيام قلال وصلنا علم أن ثويني يجهز لحربكم معتمد على نقض ما صار من الكلام بواسطة محمد بن سالم فبقينا بين الشط واليقين لحسن ظننا به ولعمري لو لم يحاربنا لما كان قصدنا نقطع عليه المساعدة ولا نحرم رعايا عمان المنفعة لأنهم في كل سنة يأتون ونعطيهم منفعة مقدارها ألف ريال أنعام ، الحاصل بعد أيام قلال وصلنا العلم الحقيقي أنه مقبل لحربنا وخراب بلدنا بجيوشه وعسكره فاعتدينا لقتاله ودفعه من فضل الله بجميع الآلة من زانة الحرب والرجال وبقينا في فراقدنا نرجوه لنقاتله مع حسن ظننا بالله إنا منصورون عليه لنقضه العهد وتعديه علينا مع كمال علمنا أن البغي صراع فكفانا الله شره وجعل سلامته بتوسط سعادة حضرة السركار الافهم فبعد رجوعه إلى مسكت أخبر السركار أني لأرسل حمد بن سالم لرد عساكرنا المتقدمة إلى زنجبار فأذن له السركار في ذلك فأرسل حمد بن سالم في كيرللين وبصحبته ناصر بن علي ومكتوب منه يقتضي الواصل الأخ حمد بن سالم وكل ما يمضيه أنا راضي به وكل ما يذكره لكم فهو عني ومني فسألت حمد بن سالم بمحضر الوالد سليمان بن حمد فيما أنت واصل قال في مادة المصالحة بينك والأخ ثويني فتعجبت من هذا أعظم من عجبي بحربه لنا كيف يرسل حمد بن سالم في أمر المصالحة وقد توسط فيما بيننا السركار الأفخم مع انه لم يذكر للسركار اني لأرسل حمد بن سالم في مادة المصالحة بل ذكر لهم لأرسله يرد العساكر المتقدمة حاصل الأمر قلت له من كانت هذه أحواله فلا يخاطب ولك لك ولا لصاحبك عندي جواب ولا خطاب إلا ما يمضيه السركار فهو ماض على الجميع.


حمد بن سالم لما سمع مني هذا الجواب في مدة إقامته في زنجبار اجتهد كثيرا في بكل نوع قدر عليه في اتلافي ونزوع الملك عني فلم يوقفه الله لذلك وما سمع فعله ما بلغني كثيرا فمن جملته رشى بعض أجزاء العساكر بدراهم على قتلي ومناهم الحال الجميل من ثويني فلتصديق التهمة هذه عليه باتت لي أحوال قبيحة من واحد من الأجراء في هذا القبيل فعاقبته فبقي يكلمني في اطلاقه زمان تارة بمكاتبات وتاره باللسان فلم ألتفت إلى قوله فلما رأى مني دخل في الأخ برغش وفسده وقال له اجتهد في اتلاف ماجد وأنا الضامن لك أن ثويني يتركك الحاكم في زنجبار ولا يسألك عن أحكامها ولا عن شيئ من خراجها ودخل في الفرقة المسماة بالحرث لأنهم كانوا أكبر فرق زنجبار وقال لهم كونوا مع برغش على ماجد ولكم ما يسدكم من ثويني وأنا الضامن لكم إذا قدرتم على هلاك ماجد أن تكونوا أنتم ولاة زنجبار وبرغش الحاكم وكل الذي تريدوه في زنجبار في ذلك الوقت لتخرجوه منها وليكون الاسم والشهرة لكم وعلي ما بلغني أعطاهم لأجل ذلك جملة دراهم رسلها الأخ ثويني معه قريب الأربعين الألف قرش والله أعلم، الحاصل لما بلغني العلم هذا تعجب أكثر من تعجبي السابق أنه كيف فرقة من فرق زنجبار تقدر على نزع مملكة مني إن هذا لشيء عجاب فالفرقة المذكورة التي غواها حمد بن سالم أخذها الغرور والتيه لما سمعت كلام حمد بن سالم وبقيت تسعى في أمور الفساد وبرغش معها في ذلك، فلما بانت لي هذه الأحوال منهم مسكت بعذ أكابر هذه الفرقة ومنهم عبدالله بن سالم وقيدتهم، واجتمعت أوباش هذه الفرقة وسفاؤها وبرغش على أن يحملوا على بيتي ويخرجوا المقاييد فأمرت العساكر أن يضربوا كل من يصل منهم فانكفوا وانكف برغش معهم فلتصديق هذا الكلام على حمد بن سالم بعد الذي جرى هذا كله بقي مرارا يكلمني أن أطلق هؤلاء المقاييد وكاثرني في ذلك غاية المكاثرة فلم أصغي لقوله بل أجبته أن هؤلاء قد سعوا في فساد البلد وإتلافي فاستوجبوا مني العقوبة فعاقبتهم و إن كنت مرسولا كما زعم الأخ ثويني للسركار لترد عسكره فما في زنجبار الآن أحد من عساكره وإن كنت مرسولا كما تزعم أنت في أمر المصالحة فأنا لا أجاوبك أنت ولا صاحبك في ذلك لأجاوب ولأخاطب سعادة السركار الذي منعوا ثويني وردوه عن زنجبار وأنت قم وسافر ، الحاصل أن حمد بن سالم سافر واسترحنا منه فبعد سفره قام برغش يفسد في البلاد ويسعى في الخراب بقتلي ونزع الملك مني بكل نوع قدر عليه وبانت لي أحواله الردية في مرة في ثانية في ثالثة فأمرت عليه بالسفر من زنجبار فلم يمتثل فأمرت واحد من الأجراء يحصره بعساكر في داره إلى أن يتملل ويسافر فحصره يوم واحد لا زيادة فطلب الأمان لنفيه وانه ليسافر من زنجبار وانه يريد منا معونة للسفر فأعطيته عشرة آلاف قرش وزجرت له فرقدا من فراقدنا يحمله إلى حيث يشاء فقبض الدراهم وقال لا أحب أركب في مركب أود أن أركب في بغلة محمد بن مبارك فحمل بعض أسبابه فيها فلم نشعر إلا إذا أتانا علم أن برغش خرج بالليل من داره وانه هرب إلى البساتين وتمنع في بيت أولاد الأخ خالد الذي بناه الأخ خالد في بستانه واجتمعت معه أوباش فرقة الحرث وسفاؤها وجهالهم مع عبيدهم فلما بلغنا ذلك أرسلنا عليه كيف صار من أمرك هكذا وانت أوعدتنا لتسافر من زنجبار فأجاب أنه بعده عازم على السفر بل خجل يركب من البلاد أحب أن يركب من البساتين فأمهلناه ثلاثة أيام فلم يسافر فأرسلنا عليه وأمرناه بالسفر فأجابنا اني لا أسافر ولا أخرج من زنجبار فلما سمعنا منه ذلك عزمنا على القيام عليه فجهزنا عساكرنا وأتتنا الرعايا قصدهم القيام عليه جميعها ما خلا هذه الفرقة والتي معه وهم الحرث وليس كلهم وإنما أوباشهم وسفلتهم، والحاصل أرسلنا عليه ثانية ننصحه ونأمره بالسفر فلم يمتثل ، ثم أرسلنا حمود ابن سيف بن مسلم وسيف بن خلفان وحسين بن محمد شايب الحرث وهاشل ابن سويلم الحارثي وسيف بن محمد الوالي ومحمد بن مبارك يناصحوه يترك ما هو فيه ويناصحوا الذين هم عنده ويحذروهم بطشنا فلم يلتفتوا إلى ما ذكروه لهم غير كان من مختصر جوابهم إننا لا نبرح عن برغش ومن مختصر جواب برغش أن لا أسافر ولا أخرج من زنجبار أبدا وإن لم يأتني ماجد لآتيه أنا بمن معي إلى البلاد ولأجربه هناك وأقتل كل من كان عنده ، ثم وجدنا منه مكتوب إلى كونسل الفرانسا كوشي وكاتب له ما نظرك إذا وصلنا إلى البلاد لمحاربة ماجد وجدنا في الطريق انجريز وباقي النصارى نقتلهم أم لا نرجو الجواب منكم في ذلك وعلى ما بلغنا والله أعلم أن كونسل الفرانسا هذه بقي يمادد برغش وهو في البستان بآلات الحرب وبارود ورصاص وغير ذلك، وحاصل الأمر لما أن رأينا أن الشيء بلغ حده وكان حاضر مركب السركار آساي فلم يسمح أخليه من الرأي ولا أخلي هذه الدولة في جميع أحوالي ناظرت الكرنل المكرم ركبي وكان القبطان المحتشم آدم حاضر وقلت له هذا ما انتهى من أمر برغش وفي قصدنا إن شاء الله نمشي عليه إلا انه متحصن في بيت قوي بناه الأخ خالد في بستانه ويلزم نحمل معنا مدافع لهشمه وليس معنا مديفعية فلا قصر أرسل معنا تسعة أنفار مديفعية وساروا بصحبتنا ونزلنا بعساكرنا ومن معنا في موضع يسمى بيت الرأس وبيتنا هناك لأنه البستان الذي نزل فيه برغش مقدار ثلاثة اعات فلما أصبحنا مشت العساكر ونزلنا في مكان يسمى مويره وارتحلنا منه إلى أن وصلنا البستان الذي فيه برغش ومن معه قريب العصر وكان يوم مطر عظيم فأمرنا القوم بالحملة عليهم فهر من كان من قوم برغش خارج وبقى الباقون وبرغش معهم في البيت متحصنين فطلبوا منا الأمان لسلامة أرواحهم ولم يكن عندنا في تلك الساعة مدافع كبار لهشم البيت الحاصل أن الوقت قارب على الغروب والمطر عظيم فأمرنا العساكر بالرجوع لنصبحهم الصبح بمدافع أكبر من التي معنا لأن السيف والتفق لا يبقى يعمل فيهم وهم متحصنون في البيت ورأينا الأولى أن نرجع عليهم بالمدافع الكبار بكره فرجعنا وبتنا وبعد انقضاء 3 ساعات من الليل اتانا علم أن برغش ومن معه بعد رجوعكم عنهم هربوا فأرسلنا واحدا من الأجراء ومعه كم نفر من العسكر فقبضوا البيت الذي كان فيه برغش فلما أصبحنا أتانا عساكر الانجريز المنصورة يتقدمهم الأكرم والأحشم القبطان باكيل فقصصنا عليه أمر برغش وهروبه بعد رجوعنا عنه وانه في بستان إلى حسين بن محمد قال في رأينا أن نهدم البيت الذي كانوا فيه فأرسلنا واحدا من أجراء العساكر مع أحد من عساكر الانجريز فساروا إليه وهدموا وهذا ما كان ، وأما ما كان من أمر برغش فإنه قصد البلاد وركب داره بالليل فأتانا العلم أن برغش في داره فأرسلنا الولد سعود ليعلم صحة ذلك ويناظر الجناب الأفخم الكرنل ركبي في ذلك لأنه مع خروجي من البلد قد أوصيته أن يكون نظره على البلد إلى وقت رجوعي إن شاء الله فلما وصل الولد سعود واجتمع بالكرنل وأخبره الخبر آل في رأيهم يتركوا عساكر من الفرقد مع عساكرنا حوالي بيت برغش إلى أن يصبح الصباح خوفا أن يهرب فبقيت العساكر المنصورة حوالي البيت إلى الصبح فأرادوا الكرنل والولد سعود أن يكسروا باب بيته ويخرجوه ومن معه من ربعه الذي هم كانوا عنده فأتاهم الأخ حمود بن أحمد بن سيف وقال لهم لا يحتاج تكسروا الباب علي أخرجه من بيته فناداه من الدريشة وقال له افتح الباب ولا عليك باس ففتح وخرج من البيت وجابوه إلى بيتي وهذا ما كان من أمره وأمرهم ، أما ما كان من أمرنا فلما أصبحنا أمرنا العساكر بالرجوع فلما وصلنا البلاد اتانا الكرنل ركبي والولد سعود وأخبرونا بالذي صار في أمر برغش وقلنا له ما حملك على ما فعلت، قال ما في الفايت من لوم غير اني استعفك لسلامة روحي ، فقلنا له ما عليك باس نحن لا مطلبنا منك إلا أن تخرج من زنجبار وهذا مركب السركار الأفخم آساي لتركب فيه فقال سمعا وطاعة بل أريد منكم مهلة ثلاثة أيام أقوض نفسي فقلنا له لا باس ثم أنه كتب على نفسه كتابا بحضرة المذكورين أنه ليسافر من زنجبار ولا يرجع إلا برضاي وأودعوا فيه الحاضرين شهادتهم وبعد 3 أيام سافر إلى مسكت في المركب آساي فلهذه الأشياء قطعت عنه المشاهرة التي كنت أعطيه إياها هذا ما كان من أمر برغش ، وأما ما كان من أمر الحرث فبعد ما أوقعه الله فيهم من الذل تلوموا على فعلتهم وأتونا مقرون بتقصيرهم ويستعفوننا في أنفسهم وأموالهم فعفونا عنهم فيما جرى منهم ثم انهم عاهدونا انهم في طاعتنا على كل ما نأمرهم بحربه والآن فيما يظهر لنا أنه في كمال الطاعة والله أعلم بما في قلوبهم وهذا ما كان من أمر برغش والحرث على التفصيل، وبعد سفر آساي كمدور الفرانسا وأراد مني أخبره بالواقع فأمرت الوالد سليمان بن حمد يخبره بذلك فأمر الوالد سليمان على الكاتب أحمد بن نعمان أن ينقله إليه في قرطاس ويحمله إليه ، أما ما بيني أنا وإياه فلا صار خطاب ولا كلام ، وأما الأخ ثويني فنشكو لسعادة السركال الأفخم أن كل ما صار علينا فالسبب فيه هو لأنه نقض العهد وأبطل ما فعله الأخ محمد ابن سالم فحارب تركي ثم جهز لحربنا وأرسل حمد بن سالم وفعل كل الذي فعله عن أمره كما تقدم ذكره وأعان الأخ برغش على مضاددتنا وأمد الحرث لمخالفتنا وفساد بلدنا حتى أذهبنا ما أذهبناه من الدراهم بسببه حتى صار علينا لوكيل الفرضة ثلاثة مائة ألف ريال وسبعة وعشرين ألف ريال وللأيتام سبعمائة ألف ريال ولولاه ما صار علينا هذا الطلب بل لما قام بالحرب أولا علينا وأمدد وأعان ثانيا لأن من بذل هذه الدراهم كما لا يخفى على جنابكم العالي فهذه أحوال ثويني ثم إنا نشكو إلى سعادة السركال أنه لم يقاسمنا فيما خلفه الوالد المرحوم بعمان كما قاسمناه نحن الذي في زنجبار ، فلم يقاسمنا في الأموال ولا في الدراهم ولا الخيل ولا البساتين ولا آلة ولا المراكب ولم يكف حتى قبض دراهمنا قيمة مركبنا الناصري الذي بعناه في مسكت بأحد عشر ألف ريال ، ونخبر جناب السركار الأفخم أنه حصل بحث بيننا وبين المرسلين من طرفكم في تقصير الحد الذي هو مرخصين فيه جلب العبيد أو المنع أصلا من جلبهم وان هذا الأمر يحتاج مسعدة فأجبناهم نحن لا نخرج عن رأي السركار بل جنابكم مطلعين لابأحوال هذه الأطراف كافة ولا يخفى عليكم حال رعية هذه البلدان ومكاسبهم من الحرث والزراعة ولا يستقيم إلا بالعبيد ونظركم أعلى " .

 


"حرر في ربيع الأول سنة 1277هـ، صحح ذلك الحقير ماجد"

 

 


المرجع: تقسيم الإمبراطورية العمانية 1856 – 1862م، الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، منشورات القاسمي 2015م الشارقة ، الطبعة السادسة 2015م.

 

عبدالله بن صالح الفارسي ونشر الإسلام في شرق أفريقيا

د. صالح عبداللطيف محروس
أشرعة ، جريدة الوطن


من هو الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي؟ هو عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح الفارسي بن قاسم بن منصور بن حيدر بن أحمد بن محمد الفارسي القطاني. ولد في زنجبار(التابعة لتنزانيا حالياً والتى حكمها العمانيون أكثر من ثلاثة قرون ) بتاريخ 12/2/ 1912م والدته هي الفاضلة فاطمة بنت جابر بن صالح بن قاسم الفارسية . لقد هاجر بن منصور من موطنه في ولاية صحار إلى زنجبار في زمن السلطان برغش بن سعيد ( 1870- 1888 ). لقد دخل الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي المدرسة الابتدائية المركزية في زنجبار عام 1924م بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، وكان من التلاميذ النُجباء ونتيجة لتعليمه المزدوج استطاع -رحمه الله- أن ينهل من المصادر الإسلامية والغربية التي أهلته أن يحتل موقعاً فريداً ومُتميزاً مقارنة مع العلماء الآخرين في عصره، وأصبح أستاذاً في التفسير والفقه واللغة العربية من نحو وصرف وأدب وبلاغة وعروض ومنطق بل الفلك. وقضى كل وقته في قراءة كتب السلف وترجمتها إلى اللغة السواحيلية ، كما حاول تصحيح كثير من المغالطات العقدية وحارب البدع بجميع أشكالها، وهذه كانت أكبر العوائق التي واجهته في نشر الدعوة إلى الله تعالى؛ حيث لاقى مواجهة عنيفة من معارضيه.
ولقد تتلمذ الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي على يد العديد من العلماء في شرق إفريقيا منهم الشيخ أحمد محمد ملمري من أصول جزر القمر أخذ منه التفسير والحديث والتوحيد والزهد والنحو والصرف، وتُقدر الكتب التي قرأها عليه خمسة وعشرين كتابا، إلا أنه أصبح من أبرز طلابه وكان الشيخ يرجع إليه في بعض المسائل المعضلة. كذلك الشيخ أبو بكر عبد الله باكثير: أخذ منه علم التفسير إلى أن أصبح من أشهر المفسرين في زنجبار بعد شيخه ملمري وحصل منه على إجازة الإمامة والخطابة والتفسير.وتعلم أيضاً على يد الشيخ محمد بن عبد الرحمن المخزومي، أخذ منه علم الفقه الشافعي وأصول الفقه والقواعد الفقهية. وممن تعلم على يديه القاضي الشيخ السميط: وهو أحمد بن السميط ولد في جزر القمر عام 1861م درس العلوم الإسلامية على يد والده ثم الشيخ عبد المحسن أحمد بن جمل الليل – من سادات حضرموت من كبار علماء لامو. وكذلك الشيخ محسن بن علي البرواني، والشيخة فاطمة بنت حماد بن سعيد، من أصول جزر القمر، علمته القراءة والكتابة ثم حفظ القرآن ونقل ذلك عن تلميذه سعيد موسى.والشيخ عبد الباري بن العجزي الأزهري المصري، انتدب من قبل الأزهر الشريف للمعهد الإسلامي، وأخذ منه التجويد والخط واللغة العربية لمدة خمس سنوات 1924 1929م.
ولقد تحلى الشيخ عبد الله الفارسي بمكارم الأخلاق فكان -رحمه الله -يحب الهدوء والمطالعة منذ صغره، فقد أحب أخلاقه القريب والبعيد، وحتى خصومه من أهل البدع الذين أساءوا إليه ويحسن إليهم، ويشتمونه فيمدحهم بالشعر مع قليل من السخرية بلغة راقية الدلالات والعبارة لا يفهم مرامي ألفاظها إلا المتمكنون من أهل اللغة والبيان، ويمكن إجمال أخلاقه في ثلاث نقاط:
الأولى حلمه: كان يضرب به بالمثل بالحلم والتحمل، فكان لا يرد سائلا مهما كثر طلبه، فذكر الشيخ محمد حسن أحد تلامذته أن سائلا كان يأتي إلى الشيخ في مسجده ممباسا يطلب منه نقودا ويعطيه وقد واظب السائل على عمله هذا وكان لا يرده خاسئا، ويروى حكايات كثيرة عن الشيخ رحمه الله.
الثانية: كرمه: فيروى لنا تلميذه في ممباسا أنه كان يكافئ طلابه الذين يجيدون الدرس أو الواجبات، بل ذكر لي أن الشيخ عندما يأخذ راتبه الشهري -عندما كان قاضيا في ممباسا- فإنه يصرفه ويوزعه قبل أن يصل إلى البيت، وقبل أذان صلاة الفجر يعد له الشاي والخبز ، فمجرد أن يأتي من صلاة الصبح يقف أمام بيته فيرحب كل من يمر أمام بيته سواء عرف أم لم يعرف.
الثالثة تواضعه: رغم مكانته العالية علميا ومنصبا؛ حيث كان رئيسا للقضاة في كينيا وهو منصب مرموق (chif khadi) ومع هذا كله كان يحترم الكبير والصغير والغني ولو كان دونه في العلم والوجاهة والعمر.
كان الشيخ عبد الله قد انهي دراسته في معهد المعلمين بزنجبار عام 1932 م وحصل على المركز الأول على جميع زملائه . ثم عمل الشيخ عبد الله بن صالح مدرسا في مدرسة حكومية منذ عام 1933 م واستمر في مهنة التدريس حتى عام 1974 م حيث تم ترقيته إلى درجة مفتش العلوم الإسلامية واستمر حتى عام 1952 م عندما عين مديرا لمدرسة الأكاديمية الإسلامية في حي الجمارك في مدينة زنجبار واستمر في المنصب حتى 1954 ثم مدرسا للمعلمين عام 1955 و1956 م ثم قاضى زنجبار 1960 واستمر حتى عام 1967 م ( )قدم استقالته عن هذا المنصب الرفيع لأجل الأوضاع السياسية الصعبة؛ حيث فرت أسرته إلى مسقط، ثم هاجر إلى ممباسا كينيا 1967 حيث عين قاضي القضاة بتاريخ 17/8/1968م إلى 1981م. مكث ثمانية عشر عاما في ممباسا وكان له جولات وصولات في ممباسا داعيا ومدرسا ومحاضراً في مساجدها إضافة إلى عمله في القضاء إلى أن قدم استقالته عن هذا المنصب ثم سافر إلى مسقط 1982 م مودٍعاً طلابه وأحبابه وأصحابه وداع فراق بعد أن تقدم سنه وضعفت صحته. وفى الثامن من نوفمبر 1982 م فقدت الأمة الإسلامية علما جليلا عاش طيلة عمره لخدمة الإسلام هو الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي في مسقط بسلطنة عمان، وتناولت وسائل الإعلام لا سيما الناطقة بالسواحيلية خبر وفاته فى مختلف دول العالم فأذاع الخبر راديو هولند وصوت الحق فى كينيا وكافة جرائد كينيا وتنزانيا.
الإنتاج العلمي للشيخ عبد الله وأثره في نشر الإسلام
لم يكتف الشيخ عبد الله بن صالح بدوره في التدريس والقضاء بل كان يؤلف كتبا دينية باللغة السواحيلية والعربية وإن كان جلها باللغة السواحيلية. فمن مؤلفاته باللغة العربية التي أقرها الأزهر الشريف 1- عناية الله العظيم بالقرآن الكريم 2- الخلفاء الأمويون3- عرفان الإحسان بترجمة القارئ حفص بن سليمان4- نور البصيرة والبصر في ترجمة القراء الأربعة عشر. ومن مؤلفاته بالسواحيلية:هذه المؤلفات تصل عددها نحو عشرين كتاباً ورسالة من أهمها: 1. تفسير القران الحكيم( QURANI TAKATIFU)، وهو من أشهر كتبه مكتوب باللغة السواحيلية، وهو مرجع أساسي في شرق إفريقيا، ظهرت طبعته الأولي عام 1969م بنفقة من المؤسسة الإسلامية في كينيا (عدد نسخها 93 آلف نسخة) وذلك للحاجة الماسة إليه بحيث كان لا يوجد غيره من كتب التفاسير باللغة السواحيلية، وقد راجع وأجاز بطبعه عدد من العلماء – خاصة ولاية الساحل- وعلى رأسهم الشيخ الأمين قاسم بن علي المزروعي رئيس القضاة بعد الشيخ عبد الله صالح الفارسي..2- تاريخ الإمام الشافعي . 3. بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا. 4.حياة النبي صلى الله عليه وسلم. 5. المواريث. 6. النكاح ومأموراته. 7. اختلاف المذاهب الأربعة في الصلاة. 8. البدعة، وبما أن هذه المنطقة تنتشر فيها البدع والخرافات فأراد الشيخ إعادة المجتمع إلى ينابيع السنة النبوية وسيرة السلف. 9. ثمرات القران. 10. قصة المعراج. 11. زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. ( ).
ولقد خاض الشيخ عبد الله صالح الفارسي مجال التأليف لأول مرة عام 1942 في كتابه بالسواحيلية ( حياة النبي صلى الله عليه وسلم) وصدرت ترجمته للقرآن الكريم بالسواحيلية الطبعة الأولى عام 1969 م والثانية عام 1972 م والثالثة 1980 م . وكتب أيضا في التاريخ والجغرافيا ومن أشهر كتبه في التاريخ كتاب بعنوان (السيد سعيد بن سلطان سلطان عمان وزنجبار) الذي ألفه باللغة السواحيلية ثم ترجمته وزارة التراث القومي والثقافة إلى العربية في عام 1980 م وثم ترجم إلى الإنجليزية عام 1986 م.
ولقد كان منهجه في الاستدلال: يقوم على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. ثم الإجماع ثم القياس. ومقارنة الأدلة والتوفيق إذا تعارضت حسب نظره. ، وهذا منهج معروف لدي الفقهاء قديما وحديثا مثل الإمام الشافعي في قوليه (القديم والجديد) والإمام الطبري والأوزاعي وغيره. وكان شاعراً فحلا باللغة السواحيلية، حيث أنشد شعراً في حفلة استقباله في ممباسا تبلغ خمسين بيتا، كما أنشد بمناسبة تنصيبه رئيسا للقضاة ومناسبات أخرى كثيرة.
البرنامج الإذاعي للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي وموقف بريطانيا منه
لقد كان للشيخ عبد الله صالح الفارسي برنامج ديني يومي منذ عام 1939 م وحتى انقلاب يناير الأسود 1964 م في إذاعة زنجبار واستمر بعد ذلك في تقديم حلقات مماثلة في إذاعة ممباسا بعد أن انتقل للعيش والعمل في كينيا إلا أنها لم تكن بشكل يومي كما كانت في زنجبار( ) ويوضح محاربة بريطانيا للإسلام وجهود الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي انعقاد مؤتمر في مدينة أورشا التنجانيقية وكان ضمن بنوده ( الإسلام والخطورة التي يشكلها على الأمة النصرانية ) وذلك بعد أن ناقش المؤتمر الشيوعية وقال إنها في إطار السيطرة وقرر المؤتمر العمل على كل من شأنه السيطرة على الإسلام في زنجبار لوقف زحفه وانتشاره في دول المنطقة وخرج المؤتمر بتوصيات حيث تقرر مخاطبة المقيم البريطاني في زنجبار ليطلب منه توجيه المعنيين لديه باقتصار تغطية البث الإذاعي لصوت زنجبار على سلطنة زنجبار دون دول الجوار لوضع حد لوصول البرنامج الإذاعي الذي كان يقدمه الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي إلى عمق أفريقيا وفى المقابل طلب المقيم البريطاني في زنجبار بث برنامج عن النصرانية من زنجبار إلا أن الطلب لم يلق قبولا وذلك احتراما لمشاعر السلطان والشعب الزنجباري ولكن بثت إذاعة للنصرانية عرفت بصوت الإنجيل من أديس أبابا واعتمدت على اللغة السواحيلية وسيلة لنقل رسالتها إلى شعب زنجبار. وأخيرا فقد كان الشيخ عبدالله بن صالح الفارسى من الشخصيات العمانية الخالدة التى أسهمت بشكل كبير فى نشر الاسلام في شرق أفريقيا فكانت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة السواحيلية من إنتاجه بالاضافة إلى الكتب الأخرى الهامة في هذا المجال.

Thursday, September 3, 2015

الملامح الحضارية للوجود العماني في شرقي أفريقيا

https://www.youtube.com/watch?v=7duy4pwM5Wo

جزر القمر بين الحضارة والحاضر.. وتأثير عماني يصارع متغيرات الزمان

محمد بن سليمان الحضرمي
جريدة عمان

منذ الدقائق الأولى التي نزلنا فيها جزر القمر، في النصف الأول من شهر يونيو الماضي، شعرنا فيها أننا بين أهلنا، وفي أرض تنتمي إلينا، وكان التأثير العماني ماثلا أمامنا، فنحن الآن في جزر القمر، الجزر الجميلة التي أصبحت من الجزر المعدودة بجمالها، واخضرار ساحاتها، وطيب شعبها، والذي يفخر بأصوله العمانية، مثلما يفخر بانتمائيه الإفريقي لهذه الجزر، التي تعرف اليوم بجمهورية جزر القمر المتحدة، وهي دولة مكونة من جزر تقع في المحيط الهندي، على مقربة من الساحل الشرقي لإفريقيا، وعلى النهاية الشمالية لموزمبيق، بين شمالي مدغشقر وشمال شرق موزمبيق.
في تلك الدقائق لاح لنا جمال الجزر في عيون أهاليها، فالبساطة التي يتسمون بها وحفاوة الترحاب، له تماس قوي مع الثقافة العمانية بلا شك، ناهيكم عن اللباس الذي شعرنا وكأننا في قرية من قرى عُمان، وليس في جزر تقع في عمق المحيط الهندي، كانت الدشداشة العمانية، والعمامة السعيدية والخنجر هي لباس المواطن القمري، ومن هذا المشهد لاح في ذهني تاريخ طويل من العلاقات بين عُمان وجزر القمر، أمجاد عريقة نراها تلوح في كل شيء، وتاريخ ينضح من الوجوه، ويشرق في مرايا العيون، وتلفظ الشفاه جملا رقيقة، وتجلى كثيرا في أكثر من استقبال شعبي، والذي امتد من المطار إلى كل الدروب التي سلكناها في الجزر، فنحن أحفاد العمانيين الذين سكنوا هذه الجزر قبل عقود وقرون من السنين، وفي كل مدينة من المدن الواقعة في إحدى جزر القمر، كان القمريون يستقبلوننا بابتهاج ومحبة، كمن يستقبل أهله الغائبين عنه زمنا طويلا، وذلك يدل على أن العلاقة بين الدولتين والشعبين لم تكن مجرد جمل تتناثر في كتب التاريخ، بل هي واقع وحقيقة معاشة، واقع يفخر به الانسان القمري المقيم في الجزر قبلنا، وتجلّى تأثير الحضارة العمانية على شعب جزر القمر في شكل المعمار، وبعض العادات التي تظهر في الأفراح والمناسبات، وغنائياتهم وأهازيجهم، وكثير من العادات لها أصول عمانية، وكانت مفاجأتنا أكثر حين عرفنا أن القبائل العمانية ما تزال تتسمى باسمها، رغم محاولة الاستعمار طمس الهوية العربية عنها.
صراع الاستعمار على هوية الجزر
تعد جزر القمر ثالث أصغر دولة إفريقية من حيث المساحة، وسادس أصغر دولة إفريقية من حيث العدد، وأقصى دولة جنوبية في جامعة الدول العربية، تتألف حاليا من ثلاث جزر، تقع في أرخبيل بركاني وهي: (إنجازيجيا)، وتسمى الجزيرة الكبرى، وفيها العاصمة “موروني”، و”موهيلي”، و”هنزوان” أما الجزيرة الرابعة فهي “مايوت”، لكنها اليوم مستعمرة فرنسية، ويرجع ذلك إلى أن هذه الجزيرة كانت الوحيدة التي صوتت ضد الاستقلال عن فرنسا، واستخدمت فرنسا حق الفيتو، وأبدت اعتراضها على قرارات مجلس الأمن، التابع لمنظمة الأمم المتحدة، التي تؤكد سيادة جزر القمر على الجزيرة، وقوبل الاستفتاء الذي تم في التاسع والعشرين من مارس عام 2009، حول أن تصبح الجزيرة جزءا من الوطن الفرنسي في عام 2011 باحتفاء غامر.
من جانب آخر يتميز هذا الأرخبيل البحري بالتنوع الثقافي والتاريخي، وللاتحاد القمري ثلاث لغات هي اللغة القمرية، وتأتي في المرتبة الأولى، ثم تأتي العربية والفرنسية، على تفاوت بينهما، ولكن العربية آخذة في النمو كثيرا، بسبب افتتاح الكثير من المعاهد التي تعلم العربية، ودور التعريب الكبير الذي تمارسه بعض المؤسسات والجمعيات الأهلية في المجتمع القمري، وبلا شك فإن الأعوام القادمة ستشهد اللغة العربية نموا كبيرا في الوسط الثقافي بجزر القمر، بسبب إقبالهم على التعليم، وحبهم الكبير للتعريب، وشعورهم أن العربية هي الأصل والجذور ولغة الأجداد.
جذور التأثير العماني على جزر القمر
بلا شك ان للعمانيين تأثير كبير، كما ذكرت سلفا، وهو تأثير عريق وعميق، يبدأ منذ إطلاق التسمية على هذه الجزر، وفي هذا الشأن يقول الدكتور حامد كرهيلا في كتابه “العلاقات التاريخية بين الدولة البوسعيدية وجزر القمر” نقلا  عن الباحث محمد بن ناصر العبودي، أن سبب تسمية “جزر القمر” بدأت عندما كان جماعة من العرب تائهين بسفنهم في خضم البحر, فإذا بهم يرون جزيرة “هنزوان” وقد انعكس على جبلها ضوء القمر فقالوا: هذه جزيرة القمر (بفتح القاف) ثم عمت التسمية”، ويعلق الباحث هاشم محمد علي باعلوي في بحث له بالقول: إن هذه الجماعة من العرب وسفنهم الّتي يتحدث بها العبودي، بلا شك هم عرب من عُمان، لكونهم ماهرين في صناعة السفن، إشارة إلى قول الشيخ عامر بن علي بن عمير في كتابه: “كان العمانيون القدامى يمارسون مهنة السفن من قديم الزمان”.
ويضيف الدكتور كارهيلا بالقول: إن الوثائق المتوفرة تشير إلى علاقة العمانيين بالجزر قبل الإسلام، وبعد دخول الإسلام، وتوافدت إلى جزر القمر هجرات عمانية، وقد ذكرت تفاصيل هذه الجانب في كتابي حول العلاقات العمانية والقمرية، وكان لهم جهود جبارة في نشر الإسلام، وقد وقفت على رسائل فرنسية، وهي ليست أكثر من تقارير إدارية واستخباراتية، تتهم الوجود العماني بمحاولة أسلمة الجزر، ونشر الإسلام، وهذه شهادة فرنسية تفيد أن الدولة العمانية لم يكن لديها أطماع توسعية، بقدر ما كان لها رسالة إسلامية سامية.
ومنذ ذلك الزمان، والتاريخ القمري يفخر بالكثير من القبائل العمانية التي استوطنتها، مثل قبيلة الأزد، حيث يشير المسعودي في كتابه (مروج الذهب)، أنّ هنزوان فتحت سنة 824م، على أيدي الأزد الإباضيين, والّذين استقروا فيها داعين إلى الإسلام, وما تزال لهذه القبيلة سلالاتها إلى اليوم كما يؤكد الباحث هاشم محمد علي، في بحث له بحث فيه “العلاقات التاريخية بين جزيرة هنزوان وسلطنة عمان منذ قديم الزمان”، وقدمه خلال الأيام الثقافية العمانية القمرية الماضية، ويؤكد أيضا في بحثه، أن ثمة قبائل أخرى سكنت هنزوان مثل الخروصيين، والنباهنة، وكانوا سلاطين في هذه الجزيرة، ولعبوا دورا هاما فيها منذ القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وما يزال للبوسعيديين تأثير حضاري وإنساني كبير، ومن المعلوم أن السلطانة ” جُمْبِي فاطمة” بنت السلطان عبدالرحمن الملقاشي الأصل, سلطانة جزيرة موهيلي، تزوجها السيد العماني سعيد بن محمد بن ناصر بن سعيد البوسعيدي (ابن عم السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي) سلطان عمان وزنجبار، وأنجبت منه ثلاثة أولاد وهم: محمد بن سعيد، وعبدالرحمن بن سعيد، ومحمود بن سعيد، وما تزال هذه الأسرة تعيش في موهيلي، وأثناء وجودنا فيها، قمنا بزيارة أطلال السلطانة، ومكان إقامتها، على ساحل البحر، كما تعرفنا على أسرتها المتبقية، وعائلتها التي تنتمي نسبا إلى السيد سعيد بن محمد البوسعيدي، وهناك قبائل عمانية أخرى سكنت في جزر القمر، من بينها قبيلة آل سعد، والقاسمي، وأصله من مدينة صور العمانية، وله أولاد وأحفاد ما يزالون أحياء، ومن المعروف تاريخيا أن العمانيين نزلوا في جزر القمر إبان نشر الدعوة الإسلامية، وفي فترة انتشاره المبكرة، وذلك خلال القرن الثاني الهجري بحسب المصادر التي تؤكد ذلك.
التأثير العماني في الحاضر
ما يزال الحاضر في جزر القمر مفعما بالتأثير العماني، ففي إحدى لقاءاتنا الشعبية مع المواطنين في موروني، وهنزوان وموهيلي، لمسنا ذلك التأثير متجليا في الكثير من التفاصيل التي شعرنا بها متجذرة وأصيلة، وزرنا الكثير من الحارات الأثرية التي شيدها العمانيون سابقا، وكان المعمار العماني يظهر في النقش على أسقف البيوت، وفي الشرفات والواجهات، وكان الخط العربي واضحا في كل ناحية، ومنقوشا في عتبات المنازل والقصور والمساجد، وبلا شك فإن التأثير العماني لم يكن ليبقى إلى يومنا هذا لو لم يجد قبولا واستحسانا من الشعب، فالشعب القمري يفخر بأصوله العمانية، وبعاداته العربية، لأن العلاقة بين عمان وجزر القمر لم تكن علاقة مستعمر، بل كانت علاقة فاتح وناشر للدين الإسلامي، ومحرر، علاقة رأى فيها الإنسان القمري سموا في أصله وجذوره، وهويته العربية.
وما يزال الحاضر ممتدا مع الماضي بوشائج كثيرة، وما تزال الحكومة العمانية تمد يدها للتعاون مع الحكومة القمرية وشعبها، وكانت فرحتنا غامرة حين رأيت لوحة رصف شارع بالإسفلت بتمويل من حكومة السلطنة تنتصب في أحد الشوارع بمدينة موروني، وتجددت فرحتنا أكثر ونحن نرى الأكف القمرية  تعترف بالجهود العمانية اتجاه واقعها اليوم، حيث شيدت الكثير من الجوامع بتمويل من الحكومة العمانية، كما أكد لنا وجهاء جزيرة موهيلي، والذي رافقنا إلى أطلال قصر السلطانة جمبي فاطمة، حيث هدم القصر المتداعي، وشيد محله جامع كبير يؤمّه أهالي الجزيرة، ويزدحم بالناس في صلاة الجمعة.
وما تزال الحكومة العمانية تدعم جزر القمر في مشاريعها التنموية، وفي حوار أجريته مع فخامة الرئيس الدكتور إكليل ظنين رئيس جمهورية جزر القمر، حيث قابلته مع الوفد العماني، وأجريت معه حوارا أكد فيه أنه منذ أن تولى رئاسة جمهورية الجزر، باشر في توطيد العلاقة مع حكومة السلطنة، في المجالات الدبلوماسية والسياسية، وأشاد في ذلك الحوار بما قدمته حكومة السلطنة من مساعدات مالية متنوعة لجمهورية الجزر، من بينها رصف الطريق الواصل بين مدينتي موروني وإيكوني داخل العاصمة، ورصف طريق آخر في جزيرة هنزوان، كما أشاد بمساهمة السلطنة في تطوير الصيد البحري بالجزر، ودفع ديون جزر القمر لدى البنك الإسلامي، ودعم الجيش البحري القمري.
وكان فخامته متابعا لتحركات الوفد العماني داخل الجزر، حيث قام بتسهيل المهمة المتطلبة لإنجاح الأيام الثقافية العمانية، وشكر حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله ورعاه، على وقوفه مع جمهورية جزر القمر الاتحادية منذ استقلالها، حيث كانت السلطنة أول من اعترف باستقلال الجمهورية عام 1975م، وأول من ساندتها في الانضمام إلى جامعة الدول العربية عام 1993م.
القمر يسطع مجددا في الجزر
خلال تلك الأيام التي زرنا فيها الجزر، كانت أعيننا تسهم نحو الفضاء الصافي البعيد بحثا عن القمر، لتتعانق فيها نظرة أجدادنا العمانيين إليه، حيث رأوه صافيا وجميلا، ونحن رأيناه كذلك، ربما يعود إلى طيبة الشعب القمري، الذي غمرنا بالمحبة والحفاوة، وكان المشهد مؤثرا جدا، حين أقترب مني أحد القمريين، ليطوقنا بالأكاليل، شعرنا فيها أن ما يجمعنا أواصر رحمية، ملامح الوجوه تتحلى بدماثة وحسن معشر، السُّمرة التي تلوح في الوجوه تخفي قلوبا بيضاء كوضح النهار القمري، ودافئ كأشعة الشمس التي لا يصلنا منها إلا خيوطها الذهبية، كنا في عز الصيف، وكان الطقس معتدلا ودفئا، المناخ الاستوائي يعطي للجزيرة انتعاشا ونشوة، والنسائم التي تهب من سفوح الجبال وعمق البحر تلهب المشاعر، لقد تأثرت كثيرا حين تركت طوق الياسمين ينسدل على دشداشتي العمانية، وتأثرت كثيرا حين كانت الأيادي تتشابك بحرارة، وتأثرت كثيرا حين ودعنا هذه الجزر، وكأنما غصنا في أنفاق الزمن، وزرنا جزر السندباد العذراء، سلكنا فيها ذات الدروب التي سلكها العمانيون الفاتحون قبل قرون.