Monday, June 22, 2026

كتاب الحياة على نتوء صخري

 برنامج إصدارات عمانية 

إذاعة سلطنة عمان 19 يونيو 2026


 كتاب الحياة على نتوء صخري 

تحرير : أ.د أحمد الربعاني       و      د.سليمان المحذوري

ضيف البرنامج : د.سليمان المحذوري

https://ayn.om/s/9oFDuGNc

https://soundcloud.com/oman_radio/126a1?ref=clipboard&p=i&c=0&si=57F8DA0292A14341976C86FD8F70D10D&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_shar


ing

القوى العمانية الناعمة.. جمعية الاستقامة نموذجًا

 زاهر بن حارث المحروقي ، جريدة عمان 24 مايو 2026

لا شك أنّ القوة الناعمة هي أهمُّ أدوات الدول في التأثير على العالم، دون اللجوء إلى القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، وتعتمد على عناصر مثل الثقافة والتعليم والتراث والقيم الإنسانية والدبلوماسية الشعبية والمساعدات الإنسانية، وهي ما يجعل صورة الدولة جذابة ومؤثرة في عيون الآخرين.

والواقع يؤكد أنّ عُمان تمتلك رصيدًا غنيًّا من هذه القوة الناعمة، مثل المؤسسات الثقافية والدينية والجمعيات الخيرية وغيرها، التي يمكن أن تكون أداة لتعزيز صورة سلطنة عمان عالميًّا إذا أُحسن استثمارُها، بوجود استراتيجية واضحة لتوظيفها بما يخدم مصالحها ويعزز مكانتها، وتأتي في المقدمة الجمعيات الخيرية مثل جمعية «الفردوس» و«النور» و«التجارة الرابحة» و«جابر بن زيد» في بوروندي، وغيرها.

وفي مقالي هذا أتناول جمعية الاستقامة الدولية نموذجًا، وهي حاليًّا من أهم القوى العُمانية الناعمة.

إذا كانت الإنجازات العظيمة تبدأ بفكرة بسيطة، فإنّ جمعية الاستقامة بزغت كفكرة عام 1993، وتأسست رسميًّا عام 1995، وأصبحت تغطّي اليوم قطاعًا كبيرًا من الشرق الأفريقي.

بدأت من حلقة صغيرة لتعليم القرآن الكريم لمجموعة من أبناء العُمانيين في زنجبار في المساجد، ثم توسعت تلك الحلقات وانتشرت شيئًا فشيئًا في المساجد القريبة من المدينة الحجرية، إلى أن انتقلت إلى مرحلة أخرى، هي فكرة تأسيس معهد إسلامي.

وخلال زيارتي لزنجبار بصحبة صديقي سيف بن سعود المحروقي، أخذَنا خليل بن ماجد الطيواني - أحد ناشطي الجمعية - إلى معهد الاستقامة في «تونجو». كان في البداية مبنى صغير يتسع لعدد قليل من الطلبة، ثم توسّع فيما بعد حتى صار مدينة تعليمية متكاملة بدءا من مساحة الأرض التي تبلغ تقريبًا 120 هكتارًا.

تجوّلنا في هذه الأرض وشاهدنا ما فيها من مرافق مكتملة الأركان، من جامع وسكن للمعلمين وآخر للطلبة والطالبات ومدرسة نظامية تستوعب قرابة ألف طالب، وشاهدنا المعهد الإسلامي وبيوتًا للضيافة، ومنها البيت الذي اعتاد الشيخ حمود بن حميد الصوافي النزول فيه في زياراته لزنجبار، وأرانا خليل موقع قناة «الاستقامة الفضائية» باللغة السواحلية، وفي المعهد مكتبة كبيرة تضم أكثر من ألف كتاب معظمها باللغة العربية. يتكون المعهد في الوقت الحاضر من أربعة عشر فصلًا دراسيًّا للمرحلتين الابتدائية والثانوية؛ ويدرس الطلاب في قسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية عددًا من المناهج، من أهمها اللغة العربية والعلوم الإسلامية، مثل التفسير والحديث والعقيدة والسيرة والفقه وفروعه، وتستمر الدراسة لمدة أربع سنوات يتخرج الطالب بعدها حاصلًا على شهادة الثانوية العامة في الدراسات الإسلامية، ويحصل الأوائل على فرصة تكملة الدراسة الجامعية سواء في سلطنة عُمان أو في الدول العربية والأجنبية الأخرى.

وإضافةً إلى المعهد توجد مدرسة نظامية يلتحق بها الطلاب منذ الصف الأول الابتدائي، يدرسون المقررات الإسلامية واللغتين العربية والإنجليزية، والرياضيات والعلوم والجغرافيا والتربية الوطنية وغيرها من المواد المقررة من وزارة التعليم التنزانية.

ويُعَدُّ المعهد الرافد الأساس لتخريج حملة العلوم الشرعية والعلوم الأخرى في زنجبار، وله دور مشكور في أوساط الناس عامةً وفي أوساط الجالية العُمانية خاصة.

وحقيقة الأمر لقد انبهرْنا بما شاهدْنا، وكنتُ أتساءل: كم يمكن أن تتكلف مدينة علمية كهذه في الدول الخليجية؟ في قرارة نفسي تمنيتُ أن يزور الموقعَ كلُّ العُمانيين الذي قدّموا تبرعاتهم بسخاء لجمعية الاستقامة ليكونوا على يقين بأنّ تبرعاتهم لم تذهب سدى؛ بل الواجب يحتّم بذل المزيد من السخاء.

قُسِّمت المدينة التعليمية إلى قسمين يفصل بينهما شارع؛ قسم للذكور وآخر للإناث. وبعد النجاح الباهر لمعهد الاستقامة تتجه النية لدى القائمين على الجمعية، إلى ترفيعه إلى مستوى جامعة يُطلَق عليها لـ«جامعة الاستقامة».

هذا الطموح المستقبلي قادني لمشاهدة مقطع مصور للدكتور صالح بن سليمان الزهيمي الرئيس التنفيذي لجمعية الاستقامة، تحدّث فيه عن المرحلة القادمة والمستقبلية للجمعية، إذ قال إنّ التركيز سينصبّ على التعليم المتميّز المصاحب للإبداع والابتكار والمتسق مع التوجهات التعلمية عالميًّا؛ لذا فإنّ النية تتجه أيضًا إلى إنشاء مختبرات علمية وتقنية تعلّم الطلبة التدريب المهني لأهميته وجدواه في سد الثغرات الواضحة في المجتمع لمخرجات هذه النوع من التعليم.

وذكّرني هذا المسعى لتجويد التعليم بنجاح الشيخ ناصر بن سعيد الرواحي في تطوير «أكاديمية سمائل لعلوم القرآن» التي يشرف عليها في الجزيرة الخضراء، من مدرسة دينية في البداية إلى «كلية سمائل للعلوم والصناعة»، مع الاحتفاظ بتعليم الدين وعلوم القرآن والعربية للنشء. خلال زيارتي لمعهد الاستقامة في زنجبار، وقبلها لكلية سمائل للعلوم والصناعة في بيمبا، ازددتُ تقديرًا لهذا الجهد النبيل الذي بُذل بصمت وإخلاص؛ فما أنجزته الاستقامة، وما حققه ناصر الرواحي، إلى جانب إسهامات بعض الجمعيات الخيرية العُمانية الأخرى وعدد من الأفراد، يتجاوز في أثره ما حققته حكومات في بقاع مختلفة من العالم. هنا تتجلى بوضوح قوة عُمان الناعمة: قوة تعمل بصبر، وتؤتي ثمارها بتجرّد ونكران ذات، وهي جديرة بأن تحظى بالدعم والمؤازرة من الجميع وعلى مختلف المستويات.

ومن نافلة القول إنّ جمعية الاستقامة ظلت وفية لرسالتها القائمة على بذل المعروف من غير مَنٍّ ولا أذى، وعلى دعوة الناس بالحكمة والرفق، مبتعدة في عملها الميداني والاجتماعي عن كلِّ ما يبعث على الفرقة أو يورث النفور؛ لذلك التف حولها الأخيار والفضلاء، واتسع أثرها على نحو لافت في الواقع.

وكما ذكر لنا خليل الطيواني، فإنّ نسبة الطلبة العُمانيين لا تتجاوز 3% من إجمالي الطلبة، مع أنّ الجمعية أُسست أصلًا للحفاظ على هوية العُمانيين في شرق أفريقيا، غير أنّ رسالتها تجاوزت هذا الإطار، فأنشأت مؤسسات تعليمية ودعوية في أكثر من دولة، خدمةً للإسلام والمسلمين، حتى صارت اليوم ترعى ما يزيد على ثمانين ألف طالب في ثماني دول أفريقية، ضمن منظومة شملت بناء مدن تعليمية تمتد من الروضة إلى الجامعة.

هذه الإنجازات والخدمات الاجتماعية الجليلة لم تُنسِ الجمعية هدفها الأساس، وهو الحفاظ على الدين الإسلامي في بيئةٍ تتعرض فيها الهوية الإسلامية لتحديات متواصلة. ولطالما استوقفتني عبارة قالها لنا ناصر بن سعيد الرواحي: «لولا جهود الاستقامة، لرأينا الصلبان معلقة في البيوت في زنجبار»؛ ففي هذه الكلمات القليلة تكثيف بالغ لجوهر المسألة؛ إذ أسهمت جمعية الاستقامة - عبر حضورها التربوي والدعوي والاجتماعي - في الحد من نشاط التنصير الساعي إلى اقتلاع الهوية الإسلامية في أفريقيا، مستفيدًا من الفقر والجهل والحاجة، ومستثمرًا هشاشة الأوضاع المعيشية لدى الأجيال الجديدة، على نحو يعيد إنتاج ما جرى العمل عليه منذ قرون.

أعادنا خليل الطيواني إلى الفندق، وأنا لا أزال تحت تأثير الدهشة مما رأيت؛ فقد استحضرتُ البدايات الأولى لجمعية الاستقامة، حين كانت تخطو خطواتها المتعثرة كطفل يحبو ويتعلم المشي على الأرض.

يومها بدأت بإمكانات متواضعة للغاية: جمعِ الملابس المستعملة وبعضِ المصاحف التي يتبرع بها المحسنون. وما أكثر المرات التي زرتُ فيها الشيخ زاهر بن خليفة العلوي في مخزنه بوادي عدي في مسقط، وهو مع رفاقه ينكبّون على فرز تلك الملابس وتنظيفها وتوزيعها، مع أنّ كثيرًا منها لم يكن صالحًا للاستعمال الآدمي مرة أخرى.

غير أنّ المثابرة، وصدق النية والإخلاص في العمل، كانت جميعها كفيلة بأن تفتح لهم أبواب القبول، وأن تكتب لهذه البدايات الصغيرة ذلك النجاح الكبير.


الشرق الأفريقي: الحديقة الخلفية لسلطنة عمان

 زاهر بن حارث المحروقي 7 يونيو 2026

أصبح الاستثمار في القارة الأفريقية توجهًا عالميًّا، حيث تتسابق القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند وتركيا والكيان الإسرائيلي،أ وكذلك دول الخليج، إلى تعزيز حضورها هناك، وهي التي تُوصف بأنها «القارة الواعدة». ومؤخرًا، بدأت سلطنة عمان خطوات استثمارية مهمة في بعض دول جنوب القارة مثل بوتسوانا وناميبيا وأنجولا، عبر مشاريع في الطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي، ممّا يعكس رغبة واضحة في تنويع مصادر الاقتصاد والانفتاح على أسواق جديدة. ويُمثل الاستثمار العُماني في أفريقيا توجهًا استراتيجيًّا لتحقيق «رؤية عُمان 2040» لتعزيز الشراكات الاقتصادية وتوسيع الأسواق، حيث يعمل جهاز الاستثمار العُماني على استغلال المقومات التاريخية والجغرافية لربط سلطنة عمان بالأسواق الأفريقية. وربما من أهم ملامح هذا التوجه الاستثماري، تأسيس البنك الأفريقي العُماني في العاصمة الأنغولية لواندا. 

لا بد من القول إنّ الاهتمام بالسوق الأفريقية، هو أمرٌ محمود بلا شك، ولتكن تلك الدول البداية، حتى نصل إلى منطقة أخرى أكثر قربًا لعُمان وأكثر انسجامًا مع هويتها وتاريخها، وهي الشرق الأفريقي وخاصة زنجبار، بسبب علاقاتها التاريخية بعُمان؛ فعبر التاريخ ظلّ شرق أفريقيا يمثل الحديقة الخلفية لعُمان؛ وظلّ «عمقَها الإستراتيجي» و«سلةَ الغذاء الإستراتيجية» في أوقات النزاعات الداخلية، كما ظلّ الملاذَ الآمن في أزمنة الحروب وشح الطعام والصراعات السياسية؛ لذا فإنّ من الإستراتيجيات الصائبة، بناء قاعدة اقتصادية في شرق أفريقيا، لما يتمتّع به من موارد هائلة. ولا يخفى أنّ شرق ووسط أفريقيا من المناطق الغنية بمواردها الطبيعية والمعدنية وقاعدتها السكانية العريضة. 

صحيح أنّ المنطقة تبدو غير جذابة للبسطاء، إلا أنّ المكونات الأساسية موجودة هناك، وما تفتقده هذه المنطقة حاليًّا هو اللاعب الأساسي الملائم الذي يمتلك رؤية مستقبلية ثاقبة. ويكفي أن ندرك أنّ دولة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها تحتل مساحة تعادل مساحة أوروبا الغربية كلها، وهي غنية بالموارد الطبيعية وبها جالية عُمانية صغيرة وثرية. 

إنّ التسابق الاقتصادي على الشرق الأفريقي، أعاد إلى ذاكرتي ما قاله لي خالي حمد بن سعيد المحروقي رحمه الله، من أنه في لقائه مع الرئيس سالمين عامر رئيس زنجبار في وقت مبكر، ربما يكون ذلك عام 1999، قال له الرئيس: «إنّ هذه مناطق نفوذكم، لكنكم تأخرتُم وسبقكم الآخرون». وإذا كان هذا الكلام قيل قبل أكثر من ربع قرن، ماذا يمكننا أن نقول الآن؟! هل اتخذنا خطوات فعالة - بعيدة عن التصريحات الإعلامية - لكي يكون لنا وجود اقتصادي واستثماري حقيقي هناك؟! ثم إذا كان الآخرون قد سبقونا في ذلك الزمن، أين يمكن أن يكونوا قد وصلوا الآن؟! 

إنّ زنجبار بقدر ما هي جزيرة سياحية تتمتع بكلِّ المقومات الاقتصادية، فهي أيضًا سجلٌ حيٌّ للتاريخ العُماني، إذ كانت يومًا عاصمة ثانية لعُمان، ومنها انطلقت تجارة القرنفل والعاج إلى العالم، وأصبحت قوة بحرية وتجارية تربط الخليج بشرق أفريقيا، وتَسابَق العالمُ إلى إقامة علاقات دبلوماسية معها وفتحت لها السفارات والقنصليات. 

واليوم فإنّ المساجد والقصور والحصون والأسواق التي بناها العُمانيون أصبحت مواقع سياحية تحقق أرباحًا طائلة، وتجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. وهذا التراث هو أصلٌ اقتصاديّ وثقافيّ يمنح عُمان ميزة لا يملكها غيرها، ويجعل من زنجبار بوابة طبيعية لإعادة الحضور العُماني في المنطقة عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار. 

وإلى جانب الآثار، تمتلك عُمان قوى ناعمة فاعلة في الشرق الأفريقي، منها الجالية العُمانية الممتدة في تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وزائير وجزر القمر، وهو ما يعزز الثقة ويُسهّل بناء الشراكات. وكذلك لا يمكن أن نغفل أنشطة الجمعيات الخيرية العُمانية في التعليم والصحة والتنمية المجتمعية، إذ تركت أثرًا إيجابيًّا، ورسخت صورة العُماني كفاعل خير وشريك موثوق؛ وهذا القبول الذي يلقاه العُمانيّ في المجتمعات المحلية هناك هو رصيدٌ استراتيجيّ ينبغي استثماره بذكاء. 

ولكي لا نظل أسرى للغة التاريخ، يمكن أن نتساءل: ماذا يمكن أن تستفيده عُمان من الشرق الأفريقي؟ الإجابة هي الأمن الغذائي عبر الاستثمار في الزراعة وإنتاج البقوليات والبُن والشاي والقرنفل والفواكه والبهارات، وكذلك اللحوم، لدعم الاكتفاء المحلي وفتح أسواق تصدير، فما شاهدناه في زياراتنا لتلك المنطقة من خيرات، يكفي السوق العُماني تمامًا، إذا أحسنّا استغلال التصدير والاستيراد. ثم هناك قطاع السياحة، وهو قطاع هام الآن، وذلك عبر تطوير السياحة الثقافية، والاستفادة من الروابط التاريخية والآثار العُمانية، وهي مصدر دخل أساسي لزنجبار حاليَّا. 

ويمكن أيضًا استغلال الموقع الاستراتيجي، عبر الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة على المحيط الهندي لربط الخليج بأفريقيا وتحويل عُمان إلى مركز لوجستي عالمي. وليس المطلوب أن تدخل الحكومة مباشرة في مثل هذه المشاريع، بل أن تعمل على تهيئة الجو للمستثمرين العُمانيين عبر توقيع اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي، وتسهيل حركة رؤوس الأموال عبر البنوك العُمانية أو شراكات مالية إقليمية، ودعم العُمانيين المقيمين في تلك الدول. ولا بد أن نشير إلى أنّ هناك عُمانيين حققوا نجاحات كبرى في مجال التجارة والصناعة يشار إليهم بالبَنان. 

وحقيقةً متى ما كانت هناك رغبة جدية في تطوير هذا الأمر، فإنّ ثمة متخصصين يمكن أن تؤخذ آراؤهم بعين الاعتبار، خاصةً إذا علمنا أنّ تقارير وتوصيات كثيرة رُفعت للمسؤولين في الدولة من قبل بعض الغيورين أو ممن زاروا تلك المنطقة، إلا أنّ تلك التقارير والتوصيات ظلت حبيسة الأدراج، للأسف الشديد، رغم مرور السنوات الطوال عليها. 

ما أود قوله إنّ الاستثمار في أفريقيا ممتاز، لكن إذا أردنا أن نلعب على نقاط قوتنا، فإنّ زنجبار - والشرق الأفريقي عمومًا - هي المكان الطبيعي والمناسب لعُمان، - مثلما أشرتُ سابقًا -، فهناك تاريخ وقواسم مشتركة، وهناك جالية عُمانية نشطة لها القبول، وهناك قوى عُمانية ناعمة فاعلة، وهناك فرص اقتصادية واعدة. والمطلوب اليوم أن نولي هذه المنطقة الاهتمام الذي تستحقه، فهي بمثل ما كانت ساحة خلفية لعُمان عبر التاريخ ستبقى كذلك، ولا ينبغي لنا أن نفرط في مناطق نفوذنا التي صنعت حضورنا وأعطتنا ما لا يملكه غيرُنا، كما قال الرئيس سالمين عامر لخالي حمد رحمه الله. 

إنّ الاهتمام بزنجبار والشرق الأفريقي هو خيارٌ استراتيجيّ يعيد لعُمان دورها الطبيعي كجسر بين الخليج وأفريقيا، ويضمن أن تبقى لاعبًا مؤثرًا في واحدة من أكثر المناطق الواعدة في العالم. 


الاستثمار في التاريخ.. ذاكرة عمانية في زنجبار

 زاهر بن حارث المحروقي، جريدة عمان 14 يونيو 2026

في مقالي السابق تناولتُ أهمية الاستثمار في الشرق الأفريقي وما يحققه ذلك من فرص اقتصادية لعُمان. واليوم أتناول استثمارًا آخر لا يقل أهمية عن الاقتصاد، بل قد يكون أكثر عمقًا، هو الاستثمار في تاريخنا هناك؛ فزنجبار تحتضن ذاكرة عُمانية تتمثل في مواقع تاريخية، هي بحاجة إلى عناية عاجلة، مثل بيت المتوني وبيت المرهوبي ومسجد الحديث، وغيرها من الآثار.

قد يتساءل البعض: لماذا زنجبار بالذات؟ والجواب أنّ التركيز على زنجبار ليس خروجًا عن الاهتمام بعُمان - كما قد يعتقد البعض - بل هو عودة إلى جذور عُمانية ممتدة في قلب أفريقيا، إذ كانت عاصمة الإمبراطورية العُمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان، ومنها انطلقت التجارة البحرية التي ربطت مسقط بالهند وشرق أفريقيا. لذا فأنا من المؤمنين بأنّ الاهتمام بزنجبار هو اهتمام بعُمان نفسها، بتاريخها وهويتها وحضارتها التي عبرت البحار لتترك أثرًا عميقًا في ثقافة الشعوب، وأنّ إهمال هذه المواقع يعني أن نسمح لجزء من تاريخنا أن يتلاشى، بينما العناية بها تعني أن نُعيد الاعتبار لدور عُمان الحضاري في العالم.

ومباني المدينة الحجرية وأزقتها وعبيرها المميز، كلها عُمانية خالصة، ولكن ولسوء الطالع فقد بدأت تتآكل تدريجيًّا، كما بدأ بعض المباني في الانهيار بسبب الإهمال وسوء الاستغلال وانعدام الإحساس بقيمتها التاريخية والوجدانية؛ وهي التي صودرت من العُمانيين وبعض اليمنيين والهنود، ولم يعيروها الاهتمام المطلوب للحفاظ عليها لانعدام إحساسهم بالانتماء إلى تميزها التاريخي والوجداني، لدرجة أن يصل الأمر إلى تحويل الكثير من تلك المباني إلى فنادق، حيث يحضرني الآن بيت «مامبو مسيجي»، للشيخ بشير بن سالم البرواني والذي أكمل بناءه ابنه الشيخ سالم (الذي أعدمته ألمانيا)، وحضر افتتاحه السيد سعيد بن سلطان نفسه، عام 1850، والذي بيع لمستثمر وحُوّل الآن جزء منه إلى فندق، والجزء الآخر إلى قنصلية!!.

صحيح أنّ هناك مواقع تاريخية كثيرة في زنجبار تحتاج إلى الاهتمام، منها المنطقة المحيطة بالقصور، ومنها بيت المطبعة، لكنني اخترتُ ثلاثة مواقع فقط - في مقالي هذا - لأني أرى أنّ العناية بها أولى، بعد أنّ أثّرت فيها عوامل الزمن والتعرية بشكل واضح. أولى هذه المعالم، بيت المتوني الذي شيّده السيد سعيد بن سلطان عام 1829، وكان أعظم قصور زنجبار، يتسع لألف شخص ويضم حدائق استوائية وأحواضًا مائية أندلسية. واليوم يقف أطلالًا صامتة، لكنه يظلّ شاهدًا على عظمة الماضي، وكأنه يصرخ في وجه النسيان: من يعيد لي الحياة؟. وأذكر أنّ أحد العُمانيين المقيمين في زنجبار، أخبرني ومجموعة من رفقاء إحدى رحلاتي إلى هناك، أنّ البيت سُلّم لمستثمر خليجي ليجعل منه فندقًا. كان الخبر صادمًا لنا، وقد تأكد فيما بعد أنّه صحيح، لكن حكومة زنجبار -على ما يبدو- سحبت المشروع من المستثمر؛ لأنه تأخر في إتمام الإجراءات.

أما المعلم الثاني، فهو بيت المرهوبي، الذي بناه السلطان برغش بن سعيد بين عامي 1881 و1882 شمال المدينة الحجرية، وتميّز بحدائق غنّاء وزخارف خشبية دقيقة. ورغم تعرضه لحريق عام 1889، فإنّ ما بقي منه يكفي ليعكس فخامة العمارة العُمانية وتأثرها بالهند، ويذكّرنا بأنّ الإهمال قد يحوّل القصور إلى مجرد ذكرى.

وثالث هذه المعالم هو مسجد الحديث، الذي يقع في المدينة الحجرية، وكان مركزًا لتعليم القرآن والفقه، وتعاقب على إمامته علماء عُمانيون بارزون، ويقع في منطقة القصور، وكان يصلي فيه السلاطين، حيث يوجد ممر يصل بين بيت العجائب وبيت الساحل وقصور السلاطين إلى بوابة تصل مباشرة إلى المسجد، ممّا يجعله رمزًا للحضور الديني والنفوذ السياسي للعُمانيين هناك. كان السلاطين يصلون في هذا المسجد صلوات العيد، حيث كان أشهر خطبائه، الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي، والشيخ قسور بن حمود الراشدي خطيب السلطان خليفة بن حارب. واللافت أنّ الصلوات ما زالت تُقام فيه حتى اليوم، حيث يؤم المصلين حاليًّا، الشيخ منصور بن محمد بن صالح الخروصي، وتقام فيه حلقات العلم، ودرسٌ كلَّ أربعاء بعد صلاة المغرب، لكن المسجد بحاجة إلى صيانة عاجلة تحفظ مكانته، ولا يحتاج الأمر إلى ترميم شامل، مما يجعله فرصة سهلة وسريعة لإعادة الاعتبار له. كان المسجد يُعرف سابقًا بمسجد «الفرعي»، نسبة إلى بانيه الشيخ الفقيه حمود بن سيف بن مسلم الفرعي، الذي هاجر إلى زنجبار أيام السلطان برغش بن سعيد.

هناك جهات تعمل الآن بصورة أو بأخرى على صيانة المدينة الحجرية، بوصفها إحدى المدن المسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، مثل مركز خدمات «أغا خان» في زنجبار، ومركز «زنجبار لصيانة الآثار»، و«جمعية تراث مدينة الأحجار»، و«المعهد الملكي القاري بهولندا»، و«برنامج صيانة المدن التاريخية (AKTC)» في جنيف، وكلّ تلك الجهود تحتّم علينا أن نهتم بتلك المدينة؛ لأننا أصحاب الشأن، ولا بد أن نعمل على المحافظة على هذا التراث العُماني الخالد.

إنّ بيت المتوني وبيت المرهوبي ومسجد الحديث، رموز لهوية مشتركة بين عُمان وزنجبار، والاهتمام بها واجب حضاري بل واقتصادي، وإهمالها تقصيرٌ في حق التاريخ.

وقد بذلت هيئة الوثائق والمحفوظات العُمانية جهودًا مشكورة لترميم المقبرة السلطانية وجمع المخطوطات والوثائق العُمانية هناك، والمطلوب اليوم أن تتعاون الجهات الرسمية والمؤسسات الثقافية في عُمان وتنزانيا لإحياء هذه المواقع وغيرها، وأن تُدرج ضمن مشاريع الترميم الكبرى؛ فالخطر الأكبر أنّ هذه المواقع إذا تُركت بلا اهتمام، فإنّ هناك من ينظر إليها بعين الاستثمار التجاري البحت، وقد تتحول إلى فنادق أو مشاريع سياحية فاقدة لروحها التاريخية، وهذا يعني أن تخسر هويتها الأصيلة وتصير مجرد سلعة، بينما هي في حقيقتها ذاكرة أمة.

ولا يخفى الآن أنّ زنجبار تشهد حركة سياحية واستثمارية كبيرة، وتتجه نظرةُ المسؤولين هناك إلى جذب مزيد من الاستثمارات، حتى لو كان على حساب التاريخ؛ إذ أنّ ذلك قد لا يعنيهم في شيء.

إنني أقولها بوضوح إنّ الوقت ليس في صالحنا. وكلّ يوم يمر دون صيانة أو ترميم، هو خطوة نحو اندثار هذه الشواهد، وإن لم نتحرك اليوم، فلن نجد غدًا ما نحافظ عليه. إنها مسؤولية وطنية وجماعية وأخلاقية. فهل نسمح لهذه الذاكرة أن تضيع، أم ننهض لنكتب فصلًا جديدًا من العناية والوفاء؟