Saturday, October 24, 2026

زنجبار.. جزيرة بعيدة تسكنها عُمان

 خميس الخوالدي

جريدة عمان 24 أكتوبر 2026

ذهبت إلى زنجبار ضمن وفد جمعية الصحفيين العُمانية لتغطية الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، وفي ذهني ما قرأته عنها في كتب التاريخ، غير أنني منذ خطواتي الأولى في شوارع الجزيرة عرفت أنني جئت أبحث عن شيء آخر.. عن التاريخ وقد غادر الكتب وصار بابا خشبيا قديما أو جدارا من حجر، أو بحرا مفتوحا على الأفق.

وشيئا فشيئا بدأت عُمان تظهر لي.. لم تظهر في صورة واحدة ولا في موقع بعينه؛ كانت تتسلل من الأزقة الضيقة ومن نقوش الأبواب ومن رائحة البحر والتوابل ومن أسماء الأماكن وحكايات أهلها. وكنت كلما وقعت على أثر قلت لنفسي: لقد مر العُمانيون من هنا، ثم يتبيّن لي في كل مرة أنهم أقاموا؛ عاشوا وبنوا وتاجروا وأداروا، وطبعوا الكتب وأسسوا المؤسسات، وتركوا أثرا ما زالت الجزيرة تحمله. وكان يرافقني في التنقل بين المحطات سالم بن محمد الخنجري الحارثي، الباحث في تاريخ شرق أفريقيا وقد أضفى على الزيارة بعدا معلوماتيا وتاريخيا ما كان ليكون لولا حضوره ورحابة صدره.

المدينة الحجرية

في ستون تاون، أو المدينة الحجرية، يصير المشي ضربا من القراءة، فأنت هنا لا تحتاج إلى خريطة كي تجد التاريخ، يكفي أن تترك الأزقة تأخذك من باب إلى باب. الأزقة ضيقة والبيوت متلاصقة كأن كلًّا منها يسند جاره والأبواب الخشبية تستوقفك عند كل منعطف، بعضها مثقل بالنقوش وبعضها أكل الزمن أطرافه. كنت أقف أمامها طويلًا وكل باب يفتح في خيالي بابا آخر فأرى تاجرا عُمانيا يعود من الميناء وبحارا أنهكته الرحلة وأسرة جاءت من عُمان بتفاصيل حياتها اليومية، وأطفالا وُلدوا في هذه المدينة ونشؤوا فيها.

في حكاية عُمان وزنجبار كان البحر طريقا، فعلى صفحته الزرقاء جاءت السفن العُمانية بالبضائع والرجال والحكايات والأمنيات، جاء الرجال ومعهم ثقافتهم، عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وطرز البناء التي أتقنوها في الحارات العُمانية وفي خواصر حتى صارت زنجبار أكثر المحطات حضورا في الذاكرة العُمانية خارج الوطن. ولعل هذا ما يفسّر الألفة الغريبة التي غمرتني في تلك الأزقة. كنت أبحث وسط هذا التداخل كله عن ملامح أعرفها وكلما عثرت على واحد منها شعرت أنني عبرت إلى صفحة أخرى من تاريخ بلادي.

على الواجهة البحرية

على الواجهة البحرية للمدينة تتجاور ثلاثة معالم تختصر قرونا من تاريخ الجزيرة. أقدمها القلعة القديمة التي قامت على موقع ارتبط بالوجود البرتغالي، ثم اكتمل بناؤها في الحقبة العُمانية مطلع القرن الثامن عشر. داخل أسوارها لم أستطع أن أمنع ذاكرتي من استدعاء حصون عُمان وقلاعها، فالقلعة في وجداننا العُماني جزء من شخصية المكان قبل أن تكون بناء للدفاع عبر جدرانها التي تحرس المدينة وتراقب البحر.

وعلى خطوات منها يقف بيت العجائب، الذي بناه السلطان برغش بن سعيد عام 1883، وكان من أوائل المباني في شرق أفريقيا التي عرفت الكهرباء والمياه الجارية. لكن بيت العجائب كان مغلقا بسبب أعمال الترميم، وأمام هذا لم يكن لي إلا أن أتسمر أمامه طويلًا وأسرح بخيالي إلى تلك المرحلة التي كان فيها هذا البيت مركزا من مراكز الحكم والسياسة وصناعة المستقبل. أخذني التأمل واستعادة التاريخ لأحلم بصورة السفن التي كانت تقترب من الساحل وكأنها تقترب من لحظة الإمساك بالحلم بعيد المنال.

وإلى جوار بيت العجائب كان متحف قصر السلطان المعروف ببيت الساحل الذي ظل مقرا رسميا لسلاطين زنجبار حتى ثورة 1964، ثم تحوّل إلى متحف عام 1994. كان القصر جزءا من تجربة جعلت الجزيرة ملتقى بين أفريقيا وعُمان والهند والعالم الأوسع. مشيت في أروقة بيت الساحل ببطء شديد وتوقفت عند كل صورة وكل قطعة فهي بالنسبة لي مفتاح لحكاية وكنت أسأل نفسي: كيف صارت جزيرة صغيرة كهذه، في زمن من الأزمنة، مركزا سياسيا وتجاريا بهذا الحضور الطاغي؟ رغم حجم السؤال وأهميته، إلا أن الإجابة لم تكن صعبة، فوراء الجغرافيا كان البحار العُماني والتاجر، والأسر التي عبرت البحر واستقرت هنا. ووجدتني، في قلب زنجبار، أفكر في مسقط ومطرح وقصر العلم.

المطبعة والإذاعة

كانت المطبعة السلطانية أقرب المحطات إلى قلبي؛ فأنا قادم من مهنة الورق والحبر، والوقوف في مكان ارتبط بتاريخ الطباعة والصحافة العُمانية في شرق أفريقيا يختلف عن الوقوف أمام أي مبنى تاريخي آخر. ترجع بدايات المطبعة إلى عهد السلطان برغش بن سعيد، وقد أسهمت في حركة ثقافية وفكرية امتد أثرها في زنجبار وشرق أفريقيا، وارتبط بها ظهور الصحافة العربية العُمانية في المنطقة، وهي تجربة تذكر مصادر عُمانية أنها امتدت بين عامي 1911 و1964. وقفت هناك أفكر في أن السفن التي عبرت من عُمان إلى زنجبار حملت مع البضائع الكتب والمخطوطات والأفكار، وأن الكلمة ربما كانت أبقى ما حملته. كان العُمانيون يعرفون البحر، لكنهم كانوا أيضا يملكون رصيدا ضخما من المعرفة في مختلف العلوم التي بقيت مخطوطة في أضاميمهم ومكتباتهم التي أنارت الحارات والقرى العُمانية.

وبعد عقود جاءت الإذاعة لتكمل ما بدأته المطبعة، فقد بدأ البث الإذاعي في زنجبار عام 1951 في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي، وتشير المصادر التاريخية إلى أن برامجها جمعت القرآن والأخبار والموضوعات الدينية والزراعية والتعليمية والموسيقى، والعربية فيها إلى جوار السواحيلية. وقفت في المكان أفكر في صوت خرج من هذه الجزيرة الصغيرة ليصل أهلها بما يجري خلف البحر.

الطريق إلى مكوندوتشي

خارج المدينة تفرض الطبيعة الزنجبارية حضورها، فأنت تلتقي بأشجار النارجيل والمزارع وتحيط بك رائحة التوابل في كل مكان. وعندما تسير وسط القرى الكثيرة تتفاجأ أن البحر يطل عليك فجأة من بين الأشجار. وفي الطريق إلى مكوندوتشي فهمت لماذا أحب العُمانيون هذه الأرض؛ فهي على بعدها تشبه وطنهم الذي يعرف البحر ويفهم حكاياته، وكنت أعود إلى البحر في كل محطة، فهو الشخصية الأهم في قصة عُمان وزنجبار؛ حمل السفن والرجال، وحمل معهم التجارة واللغة والذكريات. وقفت على الساحل أتأمل الأفق، وتخيلت سفينة عُمانية قديمة تقترب من زنجبار بلا محرك ولا جهاز اتصال؛ يدفعها شراع وريح موسمية، ويهديها بحار يعرف النجم والبوصلة. وتساءلت: ماذا شعر ذلك البحّار حين رأى زنجبار أول مرة؟ لعله شعر بما شعرت به الآن: أن أرضا بهذا البعد يمكن أن تبدو مألوفة إلى هذا الحد.

بيوت وقصور وقبر

في بيت السيدة فاطمة بنت علي بن سالم، جدة السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- تغيّر إحساسي بالمكان. في المواقع العامة يقف التاريخ أمامك على هيئة مبنى أو وثيقة أو قطعة في خزانة عرض، أما في البيت فيقترب منك حتى تكاد تسمعه، فللبيت رائحة أخرى وصمت آخر وتفاصيله الصغيرة تقول أحيانا ما لا تقوله الكتب. كنت أنتقل من غرفة إلى غرفة وأفكر في النساء اللواتي حفظن ذاكرة البيوت العُمانية هنا ونقلنها من جيل إلى جيل، بعيدا عن السلاطين والبحارة والتجار الذين تذهب إليهم الأذهان عادة. كانت صاحبة البيت امرأة من أسرة عُمانية عريقة، عاشت في زنجبار وبقيت عُمان حاضرة في بيتها.

وفي قصر السعادة، الذي بناه السلطان خليفة بن حارب عام 1915 شدّني فيه ما وراء فخامته أكثر من الفخامة نفسها، شدتني الحياة التي دارت بين جدرانه ومن دخلوه وفي ذاكرتهم وطن بعيد خلف البحر. ومررت مع الشيخ سالم على بيت المتوني، حيث وُلدت السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان عام 1844، وعلى بيت المرهوبي الذي شيّده السلطان برغش بن سعيد. كنت أبحث فيهما عن الناس الذين عاشوا بين هذه الجدران وأداروا فيها شؤون أيامهم، دون أن يعرفوا أنها ستروي يوما مرحلة كاملة من تاريخ الجزيرة. وبدا لي كل بيت قديم في زنجبار كأنه يقول: أنا أيضا لديّ حكاية، وصرت أشعر أن هذه الأماكن المتفرقة صفحات من كتاب واحد عنوانه : عُمان في زنجبار.

أما أشد المحطات وقعا في نفسي فكانت بيت أحمد بن النعمان الكعبي وقبره. وُلد الرجل في البصرة، وأبحر مبعوثا للسيد سعيد بن سلطان على متن السفينة «سلطانة» إلى نيويورك عام 1840، ثم انتهت رحلته هنا. البيوت تحكي عن الحياة، والقبور تذكّرك بنهايتها. وقفت أمام القبر طويلًا أفكر في المسافة بين البصرة ونيويورك وهذا التراب. كم عُمانيا عبر البحر ولم يعرف أين ستنتهي رحلته؟ وكم منهم عاش في هذه الجزيرة حتى صار جزءا من ترابها؟ في تلك اللحظة صار البحر الذي أراه من بعيد طريق عمر كامل.

في مسجد ماليندي ومعهد الاستقامة

في مسجد ماليندي توقفت طويلًا، فالحضور العُماني في شرق أفريقيا حمل معه الدين واللغة والعادات إلى جانب التجارة والسياسة، والمساجد هنا جزء من المشهد كما هي في عُمان. وحين تسمع العربية في بعض الأماكن، أو تلمح أثرها في الأسماء والمباني، تدرك أن البحر عجز عن الفصل بين الثقافات التي عبرته.

غير أن المشهد الذي بقي معي أكثر من غيره كان في معهد الاستقامة الخيري، هناك تغيّر سؤالي؛ صرت أسأل الشيخ سالم عمّا بقي حيا من قيم العُمانيين ورسالتهم، بعد أن كنت أسأله عمّا تركوه خلفهم. رأيت طلبة وطالبات يتعلمون العربية ويحفظون القرآن، والمعهد يمدّ أعماله الخيرية إلى المجتمع من حوله. اللغة التي حملت إلى هذه الأرض كثيرا من ذاكرة عُمان ما زالت تتردد على ألسنة جيل جديد. وأنا أتأمل وجوههم خطر لي أن بعض آثار التاريخ لا يحتاج إلى متحف كي نراه؛ يكفي أن ننصت إلى طالب يتلو القرآن في جزيرة على الساحل الأفريقي.

سماء تونغو

وفي منطقة تونغو استمعنا -أعضاء الوفد الصحفي- إلى تفاصيل مشروع القبة الفلكية العُمانية الزنجبارية، الذي تقدّم فيه سلطنة عُمان خبرات متخصصيها في علم الفلك. رفعت بصري إلى السماء التي استرشد بها أجدادنا البحّارة في عرض المحيط الهندي ليصلوا بين مسقط وزنجبار، وفكرت في أن أحفادهم يعودون إليها اليوم من النقطة ذاتها، بأدوات العلم هذه المرة.

شممت رائحة عُمان

في الأيام الأخيرة من الرحلة صرت أبحث عن إحساس عُمان أكثر من مواقعها، ووجدته في أشياء صغيرة لكنها قيمة جدا، وجدتها في باب قديم وفي سوق شعبي وفي حديث رجل من أهل المكان عن تاريخه. وفي المساء، حين تهدأ المدينة وتخفّ حركتها، كانت زنجبار تنزع عنها ضجيج الحاضر وتترك لك شيئا من ماضيها. هناك وفي تلك اللحظة أدركت أن الصحفي الذي جاء لتغطية ملتقى صار -من غير أن ينتبه- مسافرا في ذاكرة مشتركة. الصحفي ينقل ما يرى، لكنه يحتاج أحيانا أن يذهب إلى المكان، فيمشي في شوارعه ويسمع أصواته ويشم رائحته، ويقف أمام بيوت رجاله وقبورهم، حتى يكتب عنه بصدق. وهذا ما منحتني إياه هذه الرحلة. ذهبت إلى زنجبار لأرى تاريخا قرأت عنه كثيرا، وعدت وأنا أشعر أنني عشت جزءا منه. رأيت فيها شيئا من حارات عُمان في أزقة المدينة الحجرية، وشيئا من حصونها في القلعة القديمة، وشيئا من أهلها في قبور رجال عبروا البحر ولم يعودوا. وفهمت هناك أن الوطن قد يعبر حدوده؛ يسكن بيتا بعيدا، أو يبقى حيا على لسان طالب يقرأ العربية على الضفة الأخرى من المحيط. وحين حان موعد الرحيل شعرت أنني أودّع مكانا أعرفه منذ زمن: جزيرة بعيدة.. تسكنها عُمان.


Monday, October 19, 2026

كتاب «ملوك باتي»: ذاكرة النباهنة في شرق إفريقيا

 زاهر بن حارث المحروقي

جريدة عمان 18 أكتوبر 2026

لم يكن الوصول إلى جزيرة باتي الكينية أمرا سهلا؛ فبعد رحلة جوية من ممباسا إلى لامو ركبنا قاربا في جو ممطر، مضى بنا تقريبا ساعة بين مياه الأرخبيل قبل أن نصل إلى منطقة نائية، واصلنا منها الطريق برا، عن طريق سيارة مهترئة يقودها سيف النبهاني -كما عرّفنا على نفسه- حتى بلغنا باتي، ثم بدأ مشوار آخر عن طريق السير بالأقدام.

ما إن وطأت أقدامنا تلك الجزيرة حتى اكتشفنا أنّها تخفي جانبا مجهولا من التاريخ العُماني في شرق أفريقيا. وخلال تلك الزيارة سجّلت مقاطع مصورة عن آثار النباهنة والشواهد التاريخية العُمانية الباقية هناك، غير أنّ ما استوقفنا - أنا وسيف بن سعود المحروقي الذي وثّق الرحلة عبر كاميرته - إضافة إلى الآثار الكثيرة، هو ما قاله لنا محمد النبهاني إمام وخطيب الجمعة هناك عندما تحدّث عن تاريخ النباهنة في تلك الجزيرة، وأنهم حكموها 313 سنة، وأنّ 32 سلطانا تولوا حكمها، منهم امرأةٌ واحدة.

قلتُ حينها: إنّ هذا التاريخ الشفوي سوف يندثر مع مرور الأيام مثلما اندثرت تلك المعالم، إلا أنّ محمد النبهاني قال لنا: إنّ التاريخ مدوّنٌ في مخطوطة قديمة معروفة باسم كتاب «ملوك باتي».

تُعدّ هذه المخطوطة من أهم المصادر المحلية لتاريخ الساحل الشرقي لأفريقيا؛ لأنّها تمثل رواية أهل المنطقة أنفسهم لتاريخهم، ولا تمثل رواية الرحالة أو الإداريين أو المؤرخين الذين كتبوا عن المنطقة من الخارج، وهم غالبا يكتبون حسب أهوائهم.

كُتبت المخطوطة باللغة السواحلية بالحرف العربي ضمن التقليد المعروف بالأدب السواحلي العربي. وينظر الباحثون إليها على أنها المصدر المحلي الأهم لتاريخ باتي وتاريخ المجتمع السواحلي وتاريخ اللغة السواحلية المكتوبة، وتروي تاريخ جزيرة باتي وحكامها منذ العصور الوسطى حتى بدايات القرن العشرين. وممّا قيل لنا إنه لا توجد مخطوطة أصلية بخط اليد؛ فكلُّ النسخ المتداولة اليوم تعود للشيخ محمد بن عمر النبهاني، الملقب «بوانا كيتيني»، آخر شيوخ باتي؛ إذ كان يحفظ التاريخ غيبا، وأملاه على الكتبة.

تعود أهمية المخطوطة -خاصة لدى المهتمين بالتاريخ العُماني- إلى أنها تقدّم رواية مفصلة عن وصول النباهنة إلى شرق إفريقيا، وتأسيس حكمهم في باتي؛ فبحسب ما تذكره وصل سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني إلى الجزيرة في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وتزوج ابنة آخر حكام الأسرة المحلية السابقة، لتنتقل السلطة بعد ذلك إلى ابنه محمد وإلى النباهنة الذين استمر نفوذهم في المنطقة لقرون طويلة. كما تسرد المخطوطة أخبار السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم، وتصف التحالفات والصراعات والتوسع السياسي الذي شهدته المدن السواحلية على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا.

عن المخطوطة الأصلية قال لنا محمد النبهاني: إنها فُقدت في أواخر القرن التاسع عشر أثناء الاضطرابات العسكرية التي شهدتها منطقة ويتو المرتبطة بالحكام النباهنة، غير أنّ ضياع الأصل لم يؤد إلى ضياع الرواية التاريخية نفسها؛ فقد حفظت عدة نسخ لاحقة مضمونها، وتوجد اليوم أهم هذه النسخ، وهي أربع، في مكتبة جامعة دار السلام في تنزانيا، وهي النسخ التي اعتمد عليها المحققون والباحثون في الدراسات الحديثة، كما جُمعت هذه المواد في إصدار علمي مهم بعنوان «حوليات باتي»، ممّا أتاح إعادة تقديم هذا التراث إلى الدارسين والمهتمين بتاريخ شرق إفريقيا.

وهناك عدة نسخ من المخطوطة، أهمها نسخة هوليس 1903 محفوظة في أرشيف جامعة SOAS بلندن أمر بكتابتها والي لامو، وهناك نسخة ترجمها الضابط البريطاني ستيجاند 1913، وهي أوسع وأكثر تفصيلا، كما أنّ هناك نسخة من تحقيق مارينا تولماشيفا صدرت عام 1993 في جامعة ميشيغان، وهو التحقيق العلمي الوحيد الذي جاء بعد النسخ السابقة.

ما يثير الأسف أنّ هذه المخطوطة، ومعها جانب مهم من التاريخ العُماني في شرق إفريقيا، لا تزال مجهولة لدى كثير من العُمانيين؛ فمعظمُ الناس يعرفون شيئا عن زنجبار وصلاتها التاريخية بعُمان، لكن قليلين سمعوا عن باتي أو عن كتاب «ملوك باتي». ولهذا السبب تبدو الحاجة اليوم أكبر من أيِّ وقت مضى إلى إعادة اكتشاف هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة؛ لأنه جزء من الذاكرة التاريخية العُمانية.

ومن خلال زيارتي لباتي ووقوفي على بعض آثار النباهنة الباقية في ذلك الساحل، تعزّز لديّ شعور بأنّ التاريخ العُماني في شرق إفريقيا ما زال بحاجة إلى الكثير من البحث والكشف والتحقيق؛ فبين المخطوطات المحفوظة في المكتبات، والوثائق المبعثرة في الأرشيفات، والآثار القائمة في الجزر والمدن الساحلية، توجد مادة تاريخية ضخمة لم تُستثمر بعد بالقدر الذي تستحقه.

كما أنّ كثيرا من هذا التراث لا يزال بحاجة إلى جهود علمية منظمة تتولى جمعه وتحقيقه ودراسته ونشره بلغة علمية رصينة تتيح للأجيال الجديدة التعرف إليه والاستفادة منه. 


Sunday, October 18, 2026

الملتقى الصحفي العماني التنزاني

 منتدى الوصال 8 أكتوبر 2026

لقاء مع د.سليمان بن عمير المحذوري

https://wisal.fm/videos/brnamj-mntda-alwssal/mntda-alwssal-almltqa-alssh-9803-vi

ما الذي يمكن أن تبنيه سلطنة عُمان وزنجبار على إرثهما المشترك؟

 د.محمد بن حمد العريمي

أثير 7 أكتوبر 2026

استعرضت جلسة حوارية أُقيمت ضمن فعاليات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار عمق العلاقات التي تجمع سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة، من خلال أربعة محاور تناولت الصحافة العُمانية في شرق أفريقيا، وصون التراث المعماري في زنجبار، والعلاقات التاريخية والثقافية، والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بمشاركة باحثين ومتخصصين من الجانبين العُماني والتنزاني.
وجاءت الجلسة تحت عنوان “العلاقات العُمانية التنزانية من جسور التاريخ إلى آفاق المستقبل”، لتقدم قراءة متعددة الأبعاد للعلاقات بين الجانبين، انطلقت من إرث تاريخي وحضاري تشكل عبر قرون من التواصل البحري والتجاري والهجرة والاستقرار، وصولًا إلى بحث فرص التعاون المعاصر في الإعلام والتراث والاقتصاد والاستثمار والسياحة.
وعكست أوراق العمل والمداخلات أن العلاقات بين عُمان وتنزانيا لا تقتصر على استحضار تاريخ مشترك، وإنما تمتلك مقومات يمكن البناء عليها لتطوير شراكات جديدة، مستفيدة من الذاكرة الثقافية والاجتماعية المشتركة والموقع الجغرافي والإرث البحري والتجاري للبلدين.


المحور الأول: رسالة الكلمة من الوطن إلى المهجر

تناول المحور الأول “الصحافة العُمانية في شرق أفريقيا: رسالة الكلمة من الوطن إلى المهجر”، وقدمه الدكتور محسن بن حمود الكندي، الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الأدب العُماني الحديث وتاريخ الأدب والصحافة العُمانية.
وسلط الكندي الضوء على دور الصحافة العُمانية المهاجرة في شرق أفريقيا، بوصفها إحدى أبرز أدوات الحضور الثقافي والمعرفي العُماني، ووسيلة فاعلة لنقل الأفكار وتشكيل الوعي وربط المجتمع العُماني في المهجر بالوطن الأم والفضاء الثقافي العربي.
وتتبعت الورقة التجربة الصحفية العُمانية في زنجبار وشرق أفريقيا منذ مطلع القرن العشرين، حين شهدت المنطقة نشاطًا صحفيًا متناميًا تمثل في ظهور عدد من الصحف والمجلات ذات التوجهات الثقافية والأدبية والسياسية والتربوية.
وأوضح الكندي أن هذه الصحافة اضطلعت بأدوار متعددة، كان من أبرزها تعزيز الهوية العُمانية والعربية والمحافظة على اللغة العربية ونشر المعرفة والتعليم ودعم الحركة الإصلاحية والنهضوية، إلى جانب متابعة القضايا السياسية والاجتماعية في عُمان وشرق أفريقيا.
وأكدت الورقة أن الصحافة العُمانية المهاجرة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما شكلت مؤسسة ثقافية ومعرفية أسهمت في صناعة الوعي وحفظ الهوية وإنتاج الأدب وتعزيز التواصل الحضاري وترسيخ الحضور العُماني في شرق أفريقيا، لتصبح بذلك شاهدًا مهمًا على امتداد التأثير الثقافي العُماني خارج الوطن.
وفي السياق نفسه، تناول الدكتور صالح يوسف منيمو من الجانب الزنجباري موضوع “الصحافة العُمانية–الزنجبارية: الحفاظ على ذاكرة التاريخ وبناء جسور نحو المستقبل”، مستعرضًا أهمية الصحافة في توثيق العلاقات التاريخية وحفظ الذاكرة المشتركة، والدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الإعلامية في نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.
وطرحت المشاركة الزنجبارية بعدًا مستقبليًا لهذا الدور، من خلال تعزيز التعاون بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في عُمان وتنزانيا، وتبادل الخبرات والمحتوى، وإعادة تقديم القصص والشخصيات والأحداث التي تعكس قرونًا من التواصل بين الجانبين.

صون التراث المعماري في زنجبار: من الترميم إلى الاستدامة

انتقل المحور الثاني إلى أحد أبرز الشواهد المادية على الحضور التاريخي العُماني في زنجبار، من خلال ورقة بعنوان “صون التراث المعماري في زنجبار: “من الترميم إلى الاستدامة – بيت العجائب نموذجًا”، قدمها المهندس أحمد بن خلفان بن سيف الشكيلي.
وأكدت الورقة أهمية صون التراث المعماري في زنجبار باعتباره جزءًا أصيلًا من التاريخ والذاكرة الثقافية المشتركة بين عُمان وشرق أفريقيا، مشيرة إلى أن المحافظة على المباني التاريخية لا ينبغي أن تتوقف عند أعمال الترميم، وإنما تمتد إلى ضمان استدامتها واستمرار حضورها ووظيفتها الثقافية والمعرفية.
واستعرض الشكيلي جهود سلطنة عُمان، ممثلة في وزارة التراث والسياحة وبالتعاون مع الجهات المختصة في زنجبار، في تنفيذ عدد من مشروعات صون وتأهيل المباني التاريخية، ومن أبرزها بيت العجائب، وبيت الساحل، وبيت السيد برغش، وبيت المتوني.
وتطرقت الورقة إلى أهمية الانتقال من مفهوم الترميم بوصفه تدخلًا فنيًا وهندسيًا إلى مفهوم أشمل يقوم على الاستدامة وإدارة المواقع التراثية والحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية والثقافية.
وخلصت إلى أن صون التراث مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل جهود الحكومات والجهات المختصة والخبراء والمجتمع المحلي والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وأن الاستثمار في التراث هو في الوقت نفسه استثمار في الهوية والذاكرة والمستقبل.

أكثر من ألف عام من العلاقات التاريخية والثقافية

جاء المحور الثالث بعنوان “العلاقات التاريخية والثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة”، وقدمه الدكتور سليمان بن عمير بن ناصر المحذوري، الباحث والمؤرخ المتخصص في التاريخ العُماني والعلاقات العُمانية بشرق أفريقيا والتاريخ البحري والتجاري.
وتناول المحذوري عمق العلاقات التاريخية والحضارية بين عُمان وشرق أفريقيا، ولا سيما تنزانيا، موضحًا أن جذورها تمتد إلى أكثر من ألف عام، وأن العلاقات التجارية والملاحية والهجرات العُمانية المتواصلة إلى سواحل شرق أفريقيا أدت دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا التواصل.
وأبرزت الورقة النشاط التجاري والملاحي العُماني بوصفه أحد أهم مرتكزات تلك العلاقات؛ إذ استفاد العُمانيون من موقع عُمان الجغرافي، وخبرتهم المتراكمة في صناعة السفن والملاحة، ومعرفتهم بالرياح الموسمية ومساراتها، مما مكّنهم من إقامة حركة تجارية منتظمة مع موانئ شرق أفريقيا وتبادل السلع والمنتجات.
وأكد المحذوري أن التفاعل العُماني التنزاني لم يكن اقتصاديًا أو سياسيًا فحسب، وإنما أفرز تبادلًا ثقافيًا واجتماعيًا وحضاريًا عميقًا بفعل الهجرة والتعايش والتزاوج، وما رافق ذلك من انتقال وتأثير متبادل في أنماط الحياة والثقافة.
وتظهر نتائج هذا التفاعل بصورة واضحة في اللغة السواحيلية والعمارة والأزياء والمأكولات والفنون والعادات الاجتماعية، وهي ملامح لا تزال حاضرة في عُمان وتنزانيا، وتشكل إرثًا تاريخيًا وثقافيًا مشتركًا يمكن البناء عليه لتعزيز العلاقات الثنائية واستشراف آفاق جديدة للتعاون.
ومن الجانب الزنجباري، شاركت شديدة عمر علي في موضوع العلاقات التاريخية والثقافية بين سلطنة عُمان وزنجبار، بما أضاف رؤية محلية إلى قراءة التاريخ المشترك، وأبرز أهمية الصلات الاجتماعية والثقافية التي نتجت عن قرون من التواصل بين المجتمعين.

العلاقات الاقتصادية والاستثمارية: فرص تتجاوز التبادل التجاري

أما المحور الرابع فتناول “العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة”، وقدمته أفراح بنت عبدالله المجيني، مدير مشروع التحسين المستمر بالهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في سلطنة عُمان.
وانطلقت الورقة من الروابط التاريخية الراسخة بين البلدين، وما دعمها من حركة تجارية متنامية، بوصف ذلك قاعدة يمكن من خلالها فتح آفاق أوسع للشراكة والاستثمار بين عُمان وتنزانيا.
واستعرضت المجيني واقع البيانات التجارية بين البلدين، مشيرة إلى تنامي الواردات العُمانية من تنزانيا والصادرات العُمانية إليها، وما يعكسه ذلك من تنوع في حركة التجارة، فضلًا عن وجود فرص لتوسيع التعاون في الأنشطة الصناعية والتجارية وسلاسل الإمداد.
كما أبرزت فرص تطوير التعاون في المجالات اللوجستية والبحرية وخدمات الموانئ، بما يمكن أن يسهم في توسيع حركة التجارة وتعزيز الاستثمار والاستفادة من الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية التي يتمتع بها البلدان.
وتناولت الورقة أهمية توسيع دور القطاع الخاص وتعزيز الاستثمارات والمشروعات المشتركة، والانتقال من التبادل التجاري إلى شراكات أكثر تكاملًا في التصنيع والخدمات اللوجستية وسلاسل القيمة والاقتصاد الأزرق، بما يدعم المصالح الاقتصادية المشتركة للبلدين.
وفي سياق استشراف الفرص الاقتصادية المستقبلية، تناولت خيرات حاج علي، مسؤولة الاتصال والبرامج في جمعية الإعلاميات التنزانيات – زنجبار، موضوع “مستقبل الاستثمار السياحي: الفرص والآفاق في سلطنة عُمان وزنجبار”.
وركزت المشاركة على ما يمتلكه الجانبان من مقومات سياحية وثقافية وطبيعية يمكن أن تدعم فرص التعاون والاستثمار، خاصة مع وجود تاريخ مشترك وموروث معماري وبحري واجتماعي يمكن توظيفه في تطوير منتجات ومسارات سياحية ذات طابع ثقافي وتاريخي.

التاريخ المشترك قاعدة لشراكة المستقبل

عكست المحاور الأربعة للجلسة صورة متكاملة لمسار العلاقات العُمانية التنزانية؛ إذ بدأت من الكلمة والصحافة بوصفهما وعاءً للذاكرة، وانتقلت إلى العمارة والتراث باعتبارهما شاهدين ماديين على التاريخ، ثم عادت إلى الجذور التاريخية والثقافية التي صنعت هذا التواصل، قبل أن تتجه نحو الاقتصاد والاستثمار والسياحة باعتبارها مجالات واعدة لبناء شراكات المستقبل.
وأظهرت المناقشات أن ما يجمع عُمان وتنزانيا يتجاوز صفحات التاريخ إلى إرث إنساني وثقافي حي، ما تزال شواهده حاضرة في زنجبار وشرق أفريقيا، في اللغة والعمارة والصحافة والعادات والموروث الاجتماعي، إلى جانب روابط التجارة والملاحة التي أسهمت في تشكيل جانب مهم من تاريخ المنطقة.
كما أكدت الجلسة أن المحافظة على هذه الذاكرة وتوثيقها وإتاحتها للأجيال الجديدة يمكن أن تسير بالتوازي مع تحويلها إلى قاعدة لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والتراث والسياحة والتجارة والاستثمار، وهو ما جسده عنوان الجلسة “العلاقات العُمانية التنزانية من جسور التاريخ إلى آفاق المستقبل” ضمن فعاليات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار.

حكاية شجرة نُقِلت من الباطنة إلى زنجبار احتفاءً بالسُلطان

 د.محمد بن حمد العريمي

أثير 16 أكتوبر 2026

في أحد أركان مدينة زنجبار، وعلى مقربة من ساحلها التاريخي، تقف شجرة رولة ضخمة، تمتد أغصانها على مساحة واسعة وتتدلى منها الجذور الهوائية التي صنعت مع مرور العقود جذعًا متشابكًا وضخمًا، تبدو للمارّ اليوم شجرة عتيقة توفر الظل وسط حركة المدينة، لكن وراءها حكاية تعود إلى نحو تسعين عامًا، وترتبط بتاريخ الحكم البوسعيدي في زنجبار وبواحد من الشواهد الحية على العلاقات التاريخية بين عُمان وشرق إفريقيا.
وترتبط قصة هذه الشجرة بعام 1936م، عندما احتفلت زنجبار باليوبيل الفضي لجلوس السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي على العرش، بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على توليه الحكم في عام 1911م.

من الباطنة إلى زنجبار

يذكر الشيخ سالم بن محمد الخنجري، أحد المهتمين بتاريخ زنجبار، في حديث لـ“أثير“، أن الشجرة الموجودة في هذا الموقع هي من نوع الرولة، وأنها جُلبت من منطقة الباطنة في عُمان إلى زنجبار، وزُرعت في هذا المكان في عام 1936م بمناسبة اليوبيل الفضي لحكم السلطان خليفة بن حارب.
ويقول الخنجري إن السلطان خليفة تولى الحكم في عام 1911م، ولذلك جاءت مناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على حكمه في عام 1936م، مشيرًا إلى أن بقاء الشجرة حتى اليوم يجعل منها أحد رموز العلاقة العُمانية الزنجبارية.
وتضيف هذه الرواية الشفوية بعدًا مهمًا إلى تاريخ الشجرة؛ إذ لا ترتبط فقط بمناسبة سياسية شهدتها زنجبار في ثلاثينيات القرن العشرين، وإنما تشير أيضًا إلى انتقالها من البيئة العُمانية إلى زنجبار، لتتحول بمرور الزمن إلى شاهد طبيعي حي على التواصل الذي ظل قائمًا قرونًا بين جانبي المحيط الهندي.

اليوبيل الفضي في عام 1936م

تتفق رواية الشيخ سالم الخنجري بشأن تاريخ المناسبة مع المصادر التاريخية التي تؤكد ارتباط عام 1936م باليوبيل الفضي للسلطان خليفة بن حارب، فقد تولى السلطان خليفة بن حارب حكم زنجبار في عام 1911م، واستمر في الحكم حتى وفاته في عام 1960م، ليكون واحدًا من أطول سلاطين زنجبار حكمًا خلال المرحلة البوسعيدية.
وكانت احتفالات اليوبيل الفضي مناسبة كبيرة شهدت تنفيذ عدد من الأعمال التذكارية في المدينة، وتؤكد مصادر تاريخية أن المنطقة المعروفة اليوم باسم حدائق فرضاني ارتبطت بتلك المناسبة، وعرفت لفترة باسم حدائق اليوبيل- Jubilee Gardens.
وتشير وثائق منشورة لدى البنك الدولي، ضمن الدراسات المتعلقة بالتراث العمراني في زنجبار، إلى أن حدائق فرضاني أُنشئت في عام 1936م احتفاءً باليوبيل الفضي للسلطان خليفة بن حارب، وأن اسم “حدائق اليوبيل” ظل مرتبطًا بها حتى التحولات السياسية التي شهدتها زنجبار في عام 1964م.
كما تشير مؤسسة الآغا خان إلى أن المنطقة الواقعة أمام الحصن القديم تحولت إلى حديقة عامة خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وأضيفت إليها في عام 1936م مجموعة من المنشآت والمرافق في سياق الاحتفال باليوبيل الفضي للسلطان.

الرولة.. شجرة تعمّر طويلًا

تتميز أشجار الرولة بضخامتها وقدرتها على البقاء لفترات زمنية طويلة. كما تتميز بتكوين جذور هوائية تتدلى من الأغصان، ثم تصل إلى الأرض وتزداد سماكتها تدريجيًا حتى تبدو كأنها جذوع جديدة، وهو ما يسمح للشجرة بالاتساع أفقيًا وتكوين مظلة نباتية ضخمة.
وهذه السمات تبدو بوضوح في الشجرة التي رصدتها “أثير” في زنجبار؛ فقد أصبح جذعها كتلة كبيرة من الجذور المتشابكة، فيما اتسعت أغصانها في الأعلى لتغطي مساحة كبيرة من الموقع.
وللرولة حضور معروف في عُمان، حيث توجد نماذج معمرة منها في عدد من المناطق، وكانت بعض هذه الأشجار تمثل نقاط تجمع للسكان، وترتبط بها أسماء الأمكنة والحكايات والذكريات المحلية.

نحو تسعين عامًا في المكان

إذا كان غرس الشجرة قد تم في عام 1936م، وفق رواية الشيخ سالم بن محمد الخنجري، فإن عمر وجودها في زنجبار يقترب اليوم من تسعين عامًا.
وخلال هذه العقود شهدت الشجرة مراحل شديدة الاختلاف من تاريخ الجزيرة؛ فقد عاصرت السنوات الأخيرة الطويلة لحكم السلطان خليفة بن حارب، ثم عهدي السلطان عبدالله بن خليفة والسلطان جمشيد بن عبدالله، والتحولات السياسية التي شهدتها زنجبار في ستينيات القرن العشرين، وصولًا إلى المدينة التي نراها اليوم.
وتظهر الصور الحديثة التي التقطتها “أثير” كيف أصبحت الشجرة جزءًا طبيعيًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ تحيط بها الطرق والمحال والأنشطة المختلفة، ويمر الناس من جوارها، فيما تواصل أغصانها توفير الظل في المكان الذي زُرعت فيه قبل نحو تسعة عقود.

الشجرة والمكان.. ذاكرة للاحتفالات

لا يبدو حضور الأشجار التذكارية في تاريخ هذه المنطقة أمرًا منفردًا؛ فقد شهدت حدائق زنجبار في العهد نفسه غرس أشجار مرتبطة بمناسبات وزيارات رسمية، ومن أبرز تلك الأحداث زيارة الأميرة مارغريت شقيقة الملكة إليزابيث الثانية إلى زنجبار في عام 1956م، في عهد السلطان خليفة بن حارب، حيث ارتبطت زيارتها كذلك بغرس شجرة تذكارية في حدائق فرضاني.
وهكذا أصبح المكان خلال النصف الأول من القرن العشرين يحتفظ بذاكرته ليس عبر المباني والمنشآت وحدها، وإنما أيضًا من خلال الأشجار التي غُرست تخليدًا لمناسبات محددة.

من الباطنة عبر البحر

تكتسب رواية جلب شجرة الرولة من الباطنة دلالة أوسع عند وضعها ضمن تاريخ العلاقات بين عُمان وزنجبار؛ فالبحر لم يكن حاجزًا بين المنطقتين، بل كان طريقًا لحركة العُمانيين والسفن والتجارة والمعارف والعادات، وانتقلت عبره أيضًا أنواع مختلفة من النباتات والمحاصيل.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الشجرة بوصفها صورة مصغرة لذلك التاريخ؛ شجرة بدأت رحلتها – بحسب الرواية الشفوية للشيخ سالم الخنجري – من الباطنة في عُمان، وعبرت البحر إلى زنجبار، ثم غُرست عام 1936م احتفاءً بمرور ربع قرن على حكم سلطان من الأسرة البوسعيدية، قبل أن تصبح مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرة المكان.
وبعد نحو تسعة عقود، لم تعد الرولة مجرد شجرة غُرست في مناسبة احتفالية، وإنما تحولت إلى وثيقة طبيعية حية؛ جذورها في أرض زنجبار، فيما تحمل روايتها ذاكرة تمتد إلى الباطنة في عُمان.
ولعل هذا هو ما يمنحها قيمتها التاريخية والرمزية اليوم؛ فبين جذورها المتشابكة وأغصانها المترامية تختصر الشجرة جانبًا من قصة طويلة عبر المحيط الهندي، وتبقى – كما يصفها الشيخ سالم بن محمد الخنجري – واحدة من رموز العلاقة العُمانية الزنجبارية التي ما تزال حاضرة في المكان حتى اليوم.

المراجع

  • لقاء مع الفاضل سالم بن محمد الخنجري، زنجبار، الاثنين 5 أكتوبر 2026.

Wednesday, October 14, 2026

جلسة حوارية حول كتاب زنجبار في عهدالسلطان سعيد بن سلطان

 المؤلف: د.سليمان بن عمير المحذوري

أدار الجلسة د.علي بن سعيد الريامي

مكتبة قراء المعرفة 14 أكتوبر 2026

https://www.youtube.com/watch?v=6xjEGrvpbzM

نحن وزنجبار.. ماذا بعد؟!

 د.سليمان بن عمير المحذوري

جريدة الرؤية 14 أكتوبر 2026

تعزيزًا للشراكة مع المؤسسات الإعلاميّة الدوليّة تبنت جمعية الصحفيين العُمانية إقامة ملتقيات صحفية في عدة دول، وهذه المرة عُقد الملتقى في جمهورية تنزانيا المتحدة في كل من دار السلام وزنجبار خلال الفترة 30 سبتمبر حتى 7 أكتوبر.

وخلال هذا الملتقى أُقيمت جلسة حوارية تناولت محاور مُتعددة مثل الصحافة العُمانيّة في شرق أفريقيا، وصون التراث المعماري في زنجبار، والعلاقات التجاريّة والاستثماريّة؛ فيما مثلت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية وقدمت ورقة تمحورت حول العلاقات التاريخيّة والثقافيّة بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة، هذا إلى جانب الزيارات الميدانيّة لمعالم صحفية وإعلاميّة وتراثيّة وسياحيّة، وعلى هامش الملتقى عُرضت مجموعة من الصور التي تُجسد جوانب متنوعة من الأبعاد الطبيعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة من كلا البلدين.

ولا شكّ أنّ لهذه الملتقيات دور في إبراز الممكنات التي تزخر بها السلطنة، وتسليط الضوء على الجوانب التي يُمكن المضي قدمًا فيها، واستثمارها بما يُحقق مصلحة جميع الأطراف. وعودة إلى موضوع الملتقى المُشار إليه اعتقد أنَّ جمعية الصحفيين قد وفقت في اختيارها لإقامته في دار السلام وزنجبار تلك البقعة الجغرافية التي تقع على الضفة الأخرى من المحيط الهندي، وبما تشكله من بعد تاريخي وحضاري للعُمانيين منذ قرون عديدة. ويأتي هذا الحراك متزامنًا مع توجه السلطنة نحو قارة إفريقيا التي تكتنز موارد طبيعيّة وفرص اقتصاديّة واعدة، وفي هذا الإطار شهد شهر سبتمبر الفائت زيارة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- إلى جمهورية بوتسوانا وجمهورية أنجولا، وقبلها زار السلطنة رئيس جمهورية رواندا مما يُعطي دلائل واضحة لا تخطئها العين إزاء توسيع مجالات التعاون، وتمتين الصلات مع هذه الدول. وبالعودة إلى الوراء قليلًا استقبلت عُمان رئيسة جمهورية تنزانيا في شهر يونيو 2022 وتمخّضت تلك الزيارة عن توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متنوعة. وتأسيسًا على ذلك فإنه لا بد من تضافر الجهود نحو تعزيز هذه العلاقات سواء من جانب الحكومة أو القطاع الخاص والجمعيات الأهلية والثقافية، وكذلك الأفراد ومن ثم البناء على ما تحقق حتى اللحظة، واستثمار العمق التاريخي والحضاري لعُمان خاصة في منطقة شرق إفريقيا.

وعند الحديث عن زنجبار فإننا لا نتحدث عن مكان غريب علينا فمنذ الوهلة الأولى اتفق المشاركون في الملتقى خاصة أولئك الذين زاروا الجزيرة لأول مرة على أنهم في مكان لا يشعرهم بالغربة أبدًا بداية بالإنسان الزنجباري مرورًا بالملابس والأزياء والمأكولات وبعض من العادات واللغة السواحلية، وانتهاءً بالنمط المعماري في المساجد والقصور والبيوت والأسواق الموجودة في المدينة الحجرية؛ فكل هذه الخلطة تشي بإرث حضاري متبادل عبر القرون، وتأثيرات ثقافيّة واجتماعيّة مشتركة ما زالت باقية إلى يومنا هذا.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا بعد؟! فمن وجهة نظري أنه لا ينبغي التغني بالماضي أو البكاء على الأطلال؛ فلا ريب أن إنجازات أولئك العُمانيين العظماء واضحة وضوح الشمس ونحن امتداد لهم وبالتالي السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ماذا حققنا نحن؟ نعم كل زمان له ظروفه، وهنالك تحديات لا يمكن إنكارها إلا أن الإنسان هو الإنسان إن كان الهدف واضحًا والعزيمة متقدة، والظروف يُمكن تكييفها بما تقتضيه المرحلة الراهنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين في جميع المجالات من خلال خطط تنفيذية واضحة هذا أولًا. أما ثانيًا، فمن المعلوم أنَّ الأسر التي تنتمي لعُمان ما زالت موجودة خاصة في جزيرتي زنجبار وبمبا وفي مناطق متفرقة بداخلية افريقيا، وهي تمثل نقاط قوة يُمكن استثمارها واعانتها من خلال مشروعات اقتصادية مشتركة. وثالثًا أتمنى تركيز الدراسات البحثية على الوجود العُماني في داخلية إفريقيا التي تحتاج إلى دراسة معمقة وتوثيق منهجي علمي. ورابعًا أرى أنه من الضروري تصحيح المغالطات التي علقت بتاريخ العُمانيين في المنطقة خلال الفترة الماضية نتيجة لظروف سياسيّة معينة بمختلف الوسائل الممكنة. وخامسًا يُمكن للإعلام بكافة أنواعه المرئي والمسموع والمقروء الخروج بحكايات وقصص واقعية من المجتمع وتسليط الضوء على الإنسان نفسه أو الاشتغال على أفلام سينمائية تبرز هذا التداخل العجيب بين الثقافتين العُمانية والسواحلية.  

ختامًا.. أستطيع القول إنَّ هذا الحراك الصحفي والإعلامي جاء في وقته تمًامًا، ومن الأهمية بمكان تسريع العجلة وتدارك ما يُمكن تداركه، والبناء على الجهود المتحققة، وتعزيز مُخرجات هكذا ملتقيات بما ينسجم مع تطلعات عُمان المستقبلية.