د.محمد بن حمد العريمي
أثير 7 أكتوبر 2026








د.محمد بن حمد العريمي
أثير 7 أكتوبر 2026








د.محمد بن حمد العريمي
أثير 2 أكتوبر 2026









زاهر بن حارث المحروقي
جريدة عمان 4 اكتوبر 2026
د.ناصر بن سعيد الجهوري
جريدة عمان 12 سبتمبر 2026
في وقتٍ أصبح فيه التراث يحظى بأهمية متزايدة على المستوى العالمي بوصفه ركيزة للهوية والتنمية وأحد عناصر القوة الناعمة للدول، فقد أصبح الحفاظ على المباني التاريخية اليوم يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يركز على كونه نشاطا ثقافيا أو جهودا لترميم المعالم الأثرية ليؤدي دورا محوريا في حماية التراث، وإحياء الذاكرة الإنسانية التاريخية، وتعزيز الانتماء، وغدا استثمارا استراتيجيا في الهوية الثقافية الوطنية والحفاظ عليها، ودعم التنمية المستدامة.
ومن هذا المنظور فقد خلف العُمانيون إرثا ثقافيا في شرق إفريقيا متمثلا في تراثٍ ماديٍ وغير مادي يشهد على مرحلة محورية من تاريخ سلطنة عُمان، وعلى تجربة حضارية تركت بصماتها في شرق إفريقيا والمحيط الهندي. وتعتبر المباني التاريخية من أهم الشواهد الأثرية التي خلفها العُمانيون، وخاصة في زنجبار.
وفي إطار جهودها المستمرة لحماية هذا الإرث وصونه تعمل سلطنة عُمان على تنفيذ عدد من مشاريع ترميم وحماية هذه المعالم المعمارية التاريخية، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية في تنزانيا، والمنظمات الدولية ذات الصلة بالحفاظ على التراث؛ إيمانا منها بأهمية صون الإرث التاريخي المشترك، وترسيخ أواصر التعاون الثقافي والحضاري.
لقد كانت زنجبار في عهد البوسعيديين خاضعة لعُمان؛ حيث امتد حكمهم وشمل مناطق في شرق وشمال شرق إفريقيا مثل مومباسا وماليندي ومقديشو. وفي القرن 19 الميلادي مرت زنجبار بحقبة تاريخية مهمة بعد أن تحولت إلى مركز سياسي واقتصادي مهم لعُمان، وميناء تجاري عالميٍ شهد ازدهارا ملحوظا في حركة الملاحة والتجارة البحرية، وتداخلت فيه الثقافات العربية والسواحيلية والإفريقية والهندية إضافة إلى التطور العمراني والثقافي. وخلال حكمهم قام سلاطين البوسعيد بتشييد عدد من المباني من قصور وحصون لا تزال موجودة حتى اليوم كمبانٍ تاريخية ومواقع أثرية شاهدة على الحضور العماني في تلك الحقبة.
وتعتبر المدينة الحجرية (Stone Town) واحدة من أهم هذه المواقع الأثرية المهمة التي أدرجت في عام 2000م ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي؛ حيث تمثل شاهدا حيا على تاريخ طويل من التفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي بين عُمان وشرق إفريقيا.
ففي القرن 19م اتخذ السيد سعيد بن سلطان من زنجبار عاصمة له ومقرا لحكمه؛ وذلك بهدف تعزيز النفوذ العُماني في شرق إفريقيا، والاستفادة من الموقع التجاري الاستراتيجي لها.
ومن هذا المنطلق لم يكن انتقال مركز الحكم إلى زنجبار مجرد إجراء إداري، بل جاء انعكاسا لفهم استراتيجي لأهمية الموقع الاقتصادي والسياسي في منطقة المحيط الهندي. وفي ظل هذا التحول شهدت زنجبار ازدهارا عمرانيا وثقافيا، يتمثل في معالم تاريخية لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل المدينة الحجرية التي تعكس شواهد معمارية وثقافية مهمة للوجود العُماني في زنجبار. ولعل من أشهر المباني التاريخية التي شيدها العُمانيون هو بيت العجائب الذي يعد من أهم المباني التاريخية في زنجبار، ويمثل قصرا كبيرا استخدم كمقر للحكم والاستقبالات والاحتفالات الرسمية.
ويعتبر بيت الساحل الواقع على واجهة المدينة الحجرية البحرية بالقرب من بيت العجائب من القصور الأخرى التي شيدها العُمانيون في زنجبار؛ حيث كان مقرا سكنيا لإقامة سلاطين عُمان. كما قام السلطان برغش بن سعيد ببناء قصر المرهوبي الذي لا تزال بقاياه واضحة على الساحل على بعد نحو 4 كيلومترات شمال المدينة الحجرية، وقد استخدمه مقرا لإقامة زوجاته وحاشيته.
وتعكس هذه المباني التاريخية والمواقع الأثرية بُنية دولة كانت تمتلك مؤسسات، ونظام حكم، ورؤية اقتصادية واضحة، وتعتبر واحدا من الأدلة الحية والأمثلة الواقعية المهمة على التواصل الثقافي والسياسي والاقتصادي بين سلطنة عُمان وتنزانيا.
وللحفاظ على هذا الإرث الثقافي العُماني يبرز الدور المهم الذي تلعبه سلطنة عُمان عبر التعاون الثقافي مع حكومة تنزانيا في تقديم الدعم المالي والفني لتنفيذ مشاريع ترميم وصيانة المواقع والمباني التاريخية التي تعود إلى فترة الحكم العُماني في شرق إفريقيا، وخاصة في المدينة الحجرية مثل بيت العجائب، وبيت الساحل والقلعة القديمة. وتسعى سلطنة عُمان من خلال هذه المشاريع إلى المحافظة على هذه الشواهد المعمارية، وإعادة تأهيلها لتجسّد عمق التاريخ والإرث الحضاري المشترك، وتعزيز العلاقات الثقافية مع تنزانيا. وتساعد سلطنة عُمان في وضع استراتيجيات الحفظ والصون لهذه المعالم الأثرية والتاريخية، وتقديم الدعم الفني لتنفيذ هذه الاستراتيجيات من خلال تبادل الخبرات، وتنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، ودعم المعارض والدراسات والبحوث عن المنجز الحضاري العُماني في شرق إفريقيا.
كما تسهم سلطنة عُمان في دعم الدراسات الهندسية وتقارير الحفظ والصون لحالة المباني الأثرية، والتعاون مع الجهات المختصة في عملية الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للمعالم التاريخية، وإدارة وصيانة المواقع التراثية إضافة إلى تطوير بعض المباني التاريخية، وتحويلها إلى متاحف ومراكز ثقافية في زنجبار؛ بهدف توثيق واستعراض التاريخ المشترك بين البلدين، ودعم السياحة الثقافية فيها.
وتشمل المساهمات كذلك تمويل المشروعات المتعلقة بحفظ الوثائق التاريخية التي تتناول تاريخ عُمان في شرق إفريقيا، وتأسيس مراكز أرشفة ومحفوظات لهذه الوثائق وما يتصل بها. يضاف إلى ذلك المساهمة في تدريب الكوادر في مجالات إدارة التراث الثقافي والمتاحف، وصيانة وترميم الأدوات الأثرية والمباني التاريخية.
إن ما تقوم به سلطنة عُمان اليوم من دور في الحفاظ على إرثها الحضاري في زنجبار يجسد منظورا أوسع واستثمارا في الذاكرة الوطنية يقوم على حماية الإرث التاريخي المشترك وصونه، وتعزيز أواصر التواصل الثقافي، وإظهار الدور الحضاري والتاريخي الذي جمع الشعبين عبر قرون طويلة من التفاعل والتواصل الثقافي والاجتماعي مما يُظهر عمق العلاقات التاريخية بين عُمان وزنجبار. فالحفاظ على المباني التاريخية في زنجبار يؤدي دورا في صون الذاكرة التاريخية، وتعزيز الانتماء بالهوية الوطنية، وترسيخ الوعي بأهمية تاريخ عُمان، وتأكيد دورها الثقافي الفاعل الذي قامت به في شرق إفريقيا. ويحمل هذا الحفاظ على المباني التاريخية والأثرية التي أسسها العمانيون في زنجبار شعورا لدى المواطن العُماني بالفخر بتاريخ بلاده ودورها الحضاري، وهو ما ينعكس عليه إيجابا من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والهوية الوطنية.
ومن هنا لا تقتصر الأهمية التي تكتسبها هذه الجهود على بعدها التاريخي وحده، بل تمتد إلى أبعاد أخرى منها البعد الوطني، وذلك من خلال ما قد تسهم به في ترسيخ ارتباط المواطن العُماني بإرثه الحضاري، ويُكوّن لديه وعيا راسخا بالإسهام الحضاري والسياسي الذي أدّته عُمان في نطاقها الإقليمي، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء، ويُجسّد مفهوم أن الهوية الوطنية تمتد إلى ما هو أبعد من الحيز المكاني لتشمل ما خلفته الحضارة العُمانية من تاريخ وعمارة وثقافة. وهنا يصبح التراث أداة تعليمية بقدر ما هو رمز ثقافي للأجيال القادمة التي قد لا تدرك عمق هذا التاريخ إلا من خلال ما تبقى من شواهده.
كما ينعكس هذا الحفاظ على الإرث العماني في زنجبار على الحضور السياسي الدبلوماسي؛ فهو يمثل إحدى أهم صور الدبلوماسية الهادئة التي اعتمدتها سلطنة عُمان في إدارة علاقاتها الدولية؛ إذ يُستثمر الإرث الثقافي والحضاري بوصفه وسيلة لتعزيز التواصل والشراكة. ويجسد التعاون العُماني مع جمهورية تنزانيا في مجال صون المعالم التاريخية أنموذجا للشراكة المرتكزة على الاعتزاز بالماضي المشترك، وحماية التراث الحضاري الإنساني؛ فقد أصبحت مشاريع التعاون الثقافي المختلفة منصة لتعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون من خلال مشاريع ثقافية وبحثية وسياحية تسهم في بناء جسور التواصل والتعاون الثقافي والسياسي بين البلدين. ويؤكد هذا التوجه دور سلطنة عُمان في الدبلوماسية الثقافية، والتزامها بتوظيف الرصيد الثقافي والإرث الحضاري بوصفهما وسيلتين لتعزيز التقارب بين المجتمعات، ودعم التفاهم الحضاري، وترسيخ مبدأ صون التراث الإنساني باعتباره مسؤولية مشتركة تتجاوز الاعتبارات السياسية.
ويمثل هذا التوجه أيضا إحدى ركائز القوة الناعمة -أي القدرة على التأثير من خلال الثقافة والتاريخ والهوية- التي تسهم في تعزيز مكانة سلطنة عمان وحضورها على المستويين الإقليمي والدولي؛ حيث إن المشاركة في دعم مشاريع توثيق وصيانة وترميم المعالم التاريخية في زنجبار، وتعزيز البحث العلمي، وبناء شراكات مع الجهات والمؤسسات الثقافية تعتبر أدوات تسهم في إبراز الدور الحضاري لعُمان في المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وتجسّد استمرار تأثيرها الثقافي عبر الروابط التاريخية المشتركة بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو سيادية، وفي إطار يقوم على التعاون الثقافي، وتقدير الإرث الحضاري المشترك. وبالتالي يجسد الحفاظ على المكونات التاريخية صورة حضارية لعُمان تعكس تقديرها لتاريخها وحرصها على استدامة تراثها ونشر معرفته ما يعزز مكانتها الدولية، ويؤكد دورها في دعم حماية التراث الإنساني المشترك.
ومن ناحية أخرى يحظى هذا الإرث بـبعد آخر يتمثل في الجانب الاقتصادي الذي يتمتع بأهمية مماثلة لأبعاده التاريخية والثقافية والسياسية؛ فجهود المحافظة على الإرث العُماني في زنجبار تنعكس إيجابا على القطاع السياحي؛ حيث تُشكل المواقع التاريخية فيها أحد أبرز مقومات الجذب السياحي الثقافي ما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي، ويفتح آفاقا أوسع للتعاون بين سلطنة عُمان وتنزانيا في مجالات الاستثمار السياحي وتنظيم الفعاليات والمعارض والبرامج المشتركة التي تستثمر هذا التاريخ المشترك في خدمة التنمية المستدامةإضافة إلى الترويج للتاريخ العُماني على المستوى الدولي.
وعلى الرغم من الإنجازات والنتائج الإيجابية المحققة في مجال صيانة عدد من المواقع التاريخية، إلا أن حجم الإرث العُماني في زنجبار يحتاج إلى مزيد من الجهود ورؤية أكثر شمولا واستدامة، خاصة في ظل ما يواجهه من تحديات طبيعية تتمثل في تأثير المناخ الساحلي والرطوبة العالية التي تسرّع من تدهور المباني القديمة ما يتطلب صيانة مستمرة. يضاف إلى ذلك وجود مواقع تاريخية عديدة تعود إلى الفترة العُمانية لا تزال تنتظر إدراجها ضمن برامج الصيانة والترميم الشامل، والتوثيق العلمي الشامل الذي يعزز فهم قيمتها التاريخية والحضارية، ويقدم معالجة تاريخية تستند إلى الوثائق والأدلة العلمية والبحوث الأكاديمية، وتوضيح الدور العُماني في زنجبار.
ومع ذلك فإن التحدي لا يتمثل فحسب في الحفاظ على البعد المادي لهذه المواقع، ولكن في إدارة السردية التاريخية المرتبطة بها وتقديمها بصورة دقيقة. ففي سياق قد تُعاد فيه صياغة السرديات التاريخية تبعا لتوجهات سياسية يصبح الحفاظ على هذه الأدلة التاريخية ضرورة ذات أهمية مضاعفة. ومع التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة من حيث تزايد الاهتمام الدولي بالتراث الثقافي؛ فقد ظهرت محاولات عديدة لإعادة قراءة وتفسير تاريخ زنجبار؛ حيث يُظهر بعضها التزاما بالمنهجية والموضوعية بينما يحمل بعضها الآخر تفسيرات يمكنها أن تقلل من الدور العُماني، أو تنسبه مجددا إلى أطراف لم يكن لها دور فاعل أو حضور مؤثر خلال تلك المرحلة، أو تعيد توزيعه بصورة لا تتوافق بدقة مع المعطيات التاريخية. من هنا توجب هذه المعطيات تعزيز وتوسيع برامج التوثيق العلمي والأثري إضافة إلى تشجيع البحوث الأكاديمية المتخصصة في توثيق تاريخ العلاقات العُمانية-التنزانية، الأمر الذي يعزز تقديم قراءة تاريخية دقيقة تستند إلى الوثائق والمصادر الموثوقة.
ولذلك تستلزم المرحلة المقبلة رؤية استراتيجية طويلة المدى تشمل تبني نهجٍ متكامل لإدارة الموارد التراثية يتجاوز الاقتصار على أعمال الترميم إلى منظومة شاملة تُعنى بالحماية والاستدامة والاستثمار الثقافي.
ويمكن تطوير الجهود الحالية مثلا من خلال تبني برامج طويلة الأمد تشمل توسيع نطاق أعمال الصيانة لعدد أكبر من المباني التاريخية والأثرية، وإنشاء شراكات بحثية مع الجامعات والمؤسسات العلمية في تنزانيا لضمان حماية مشتركة ومستدامة لهذا الإرث، وتأسيس مراكز بحثية وثقافية مشتركة تركز على دراسة التاريخ العُماني في شرق إفريقيا والعلاقات العُمانية-التنزانية بما يسهم في إنتاج رصيد معرفي موثق عن الوجود التاريخي العُماني في زنجبار إلى جانب دعم السياحة الثقافية المرتبطة بالتراث العُماني من خلال تنظيم معارض وفعاليات ثقافية وبرامج تبادل ثقافي تبرز العمق التاريخي للعلاقات بين البلدين مما يعزز الدبلوماسية الثقافية.
يضاف إلى ذلك تشجيع إنتاج محتوى معرفي وإعلامي يوثق هذا الإرث، ويعرّف به بلغة معاصرة، ويبرز الدور الحضاري لعُمان في شرق إفريقيا.
كما يجب أن تشمل استراتيجية الإدارة تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، وفي مقدمتها اليونسكو بما يضمن صون وحماية المعالم التاريخية، وتقديمها بصورة صحيحة بما يضمن استمرار حضورها في الذاكرة المحلية والعالمية.
ونخلص هنا إلى أن الإرث العُماني في زنجبار يمثل رصيدا حضاريا واستراتيجيا ليس فقط من الناحية الأثرية-التاريخية، بل باعتباره أحد عناصر القوة الناعمة التي تعزز الهوية الوطنية، وترسخ حضور سلطنة عُمان الثقافي على المستويين الإقليمي والدولي. وقد برهنت الجهود المختلفة التزام سلطنة عُمان بصون هذا الإرث باعتباره جزءا من الذاكرة التاريخية المشتركة بين عُمان وشرق إفريقيا، وأحد المقومات التي تسهم في ترسيخ التعاون الثقافي، وتعميق الحوار الحضاري.
ولتدعيم هذه الجهود هناك حاجة إلى تبني رؤية متكاملة لإدارة هذا الإرث، وخاصة في ظل تنامي التنافس الدولي على السرديات التاريخية والرمزية.
زاهر المحروقي ، جريدة عمان 29 يونيو 2026
تمتلك عُمان واحدة من أقدم التجارب الحضارية البحرية في العالم؛ إذ لم تكن عبر تاريخها الطويل دولة منغلقة داخل حدودها الجغرافية، بل كانت مركزا حضاريا، انطلقت منه الهجرات وشبكات التجارة والعلم والدعوة والتواصل الإنساني إلى مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا.
وتشير الشواهد التاريخية إلى أنّ التواصل العُماني مع السواحل المقابلة للخليج العربي يعود إلى ما قبل الإسلام؛ حيث نشأت روابط سكانية وتجارية وثقافية مستمرة بين عُمان وسواحل فارس وموانئ مضيق هرمز، ولا تزال بعض المجتمعات في تلك المناطق تحتفظ بروابط تاريخية وأسرية وثقافية مع عمان حتى اليوم.
ومع بزوغ الإسلام، شارك العمانيون في بناء أحد أهم المجالات الحضارية البحرية في التاريخ الإسلامي، فامتدت حركتهم التجارية والعلمية والدعوية من سواحل الخليج العربي إلى الهند والسند والصين، ومن شرق أفريقيا إلى جزر المحيط الهندي وعالم الملايو في شرق آسيا.
خلال زيارتنا مؤخرا للساحل الكيني -الذي كان يوما ما تابعا لسلطنة زنجبار- رأينا رأي العين آثار الوجود العماني القديم في تلك المنطقة؛ إذ تعود بعض الآثار إلى حقب قديمة جدا قدم التاريخ نفسه، وتسجّل المصادر التاريخية هجرات عمانية مبكرة إلى تلك المناطق، منذ العصور الإسلامية الأولى.
وتَعَزّز هذا الحضور عبر القرون التالية؛ فظهرت مجتمعات عُمانية مستقرة، وأسهم العُمانيون في تأسيس الموانئ والأسواق والمدن، ونشر الإسلام واللغة العربية، وإقامة المؤسسات الدينية والعلمية، ونسج علاقات حضارية عميقة مع شعوب تلك المنطقة.
واليوم لا تزال آثار هذا الحضور قائمة في أسماء المدن والقرى والأحياء، وفي المقابر والمساجد والأوقاف، وفي أسماء العائلات والقبائل، وفي اللغة والعادات والتقاليد والذاكرة الشعبية؛ ففي ممباسا مثلا، هناك مسجد المنذري، الذي بُني عام 1570م، وهو يدار حتى يومنا هذا من قبل المناذرة العُمانيين.
وهناك مسجد الشكيلي، والمسجد الإباضي، ومسجد المزروعي، وكذلك هناك مساجد عُمانية في ماليندي ولامو، تحمل أسماء عُمانية ويديرها عمانيون حتى يومنا هذا.
كما أنّ هناك بيوتا قديمة لعُمانيين هاجروا إلى هناك منذ أكثر من خمسة قرون، منها منازل ومساجد وقبور النباهنة في جزيرة «باتي».
وقد مررنا على قرية بين ممباسا وماليندي تسمى «الشرياني»، كما زرنا مقبرة في ممباسا تسمى «مقبرة الرستاق».
إنّ الإرث الحضاري العماني، لا يقتصر على السواحل الإفريقية فقط، بل يمتد عبر نطاق جغرافي واسع، يشمل السواحل والجزر المقابلة لعمان في الضفة الشمالية للخليج العربي، ومضيق هرمز وموانئه التاريخية، مرورا بسواحل باكستان والهند وسريلانكا وجزر المحيط الهندي. وهناك حاليا أعداد متزايدة من الدراسات الحديثة تسلط الضوء على إسهام البحارة والتجار والعلماء العُمانيين في حركة انتشار الإسلام عبر طرق الملاحة والتجارة في المحيط الهندي، ولا سيما في شرق إفريقيا وعالم الملايو في شرق آسيا؛ حيث شارك العُمانيون ضمن الشبكات الإسلامية البحرية الكبرى التي أسهمت في إيصال الإسلام إلى مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا؛ وخير شاهد على ذلك مسجد عبد العزيز العُماني في «ملقا»، والذي يُعد شاهدا حيا على الدور الذي لعبه العُمانيون في نشر الإسلام بجنوب شرق آسيا، إذ أسسه الشيخ عبدالعزيز الملكاوي العُماني عام 1414م ليكون أول مسجد عُماني في المنطقة، ومركزا للتعليم الديني والتواصل الثقافي.
وارتبط المسجد بالبلاط الملاوي؛ حيث منح السلطان بارامسوارا، التجار والعلماء العمانيين مكانة بارزة في البلاط، مما عزز شرعية الدولة الإسلامية الناشئة.
وأذكر أننا في عام 2010، زرنا مسجد «قهوة خانة» في بومبي، وهو مسجد يعود لعام 1813، بناه العمانيون الذين مخروا العباب إلى شرق آسيا وشرق أفريقيا، وكانت بومبي وقتئذ محطة التوقف الرئيسية للسفن المبحرة.
لقد ساهم العُمانيون عبر تجارتهم البحرية الممتدة من الخليج إلى الصين في نشر الإسلام، بوسائل سلمية قائمة على الأخلاق والصدق، وأدخلوا الأبجدية العربية إلى لغات الملايو، وأسهموا في بناء شبكة من المراكز الدينية والتعليمية.
بهذا أصبح مسجد عبدالعزيز العُماني رمزا للتحالف بين التجارة والدعوة، وجسرا حضاريا يربط بين عمان وملقا (ماليزيا حاليا)، ويجسد كيف امتد تأثير العمانيين ليجعل من ملقا بوابة الإسلام في الملايو وركيزة أساسية في تاريخ المنطقة.
في زيارتنا لجزيرة «باتي» في كينيا، اكتشفنا وجودا عمانيا قديما، وتكاد الجزيرة أن تكون نبهانية بجدارة، بناسِها وقصورها وبيوتها ومقابرها ومساجدها. وأهل تلك الجزيرة يتحدّثون شفاهة عن تاريخهم، وقد أخبرَنا أحد أئمة المساجد أن السلطان سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، سكن تلك الجزيرة وتزوّج من هناك من خديجة موانا كومبا، وله ذرية إلى اليوم، هو أحدهم، وأنه بنى لها مسجدا تقام فيه الصلوات حتى الآن.
وفي كل الأحوال، فإن الأمر بحاجة إلى التثبت والتحقق وتسجيل تلك الشهادات الشفوية؛ لأنّه بالرغم ضخامة الإرث العماني في أكثر من بقعة، إلا أنه لا يزال موزعا بين الوثائق والأرشيفات والروايات الشفوية والآثار الميدانية المنتشرة في عشرات الدول، ولم يُجمع حتى الآن في مشروع وطني شامل يوثق المجال الحضاري العُماني خارج حدود الدولة الحديثة.
في زيارتنا لممباسا، لاحظنا الجهود المشكورة التي بذلتها هيئة الوثائق والمحفوظات العُمانية للحفاظ على بعض الإرث العماني هناك، وعلمتُ أنّ فريقا يستعد للذهاب إلى هناك لتسجيل التاريخ الشهفي، لكني من المؤمنين بأنّه مهما كانت هناك مخطوطات ووثائق وشهادات شفهية، فإنها إن لم تر النور ولم تكن متاحة للباحثين والمهتمين، فوجودها كعدمه.
بعد زيارتنا لساحل كينيا وقبل ذلك لزنجبار، أظن أنّ هناك حاجة ملحة إلى إطلاق مشروع وطني استراتيجي لتوثيق الدور الحضاري العُماني عبر المحيط الهندي، يتجاوز حدود التاريخ السياسي، إلى دراسة الإنسان العماني وآثاره الحضارية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في مختلف مناطق انتشاره، بهدف توثيق المجتمعات ذات الأصول العمانية وجمع التاريخ الشفهي وحفظه وتوثيق المقابر والنقوش والشواهد التاريخية، مثل: المساجد والأوقاف والمؤسسات العلمية وإنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة تكون مرجعا تاريخيا للأجيال والمهتمين.
ويمكن لنا أن نستفيد من تجارب دول أخرى عديدة، سبقت إلى تنفيذ مشاريع مشابهة لتوثيق حضورها الحضاري خارج حدودها، مثل أيرلندا التي أنشأت برامج واسعة لدراسة الهجرات الأيرلندية، وأرمينيا التي وثقت مجتمعاتها المنتشرة في العالم، والصين التي أسست مراكز متخصصة لدراسة الصينيين فيما وراء البحار، والهند التي اهتمت بتوثيق تاريخ جالياتها العالمية، (هنا لا بد أن أشير إلى أنّ سفير الهند في تنزانيا ذكر لأحد السفراء، أنّ السفارة الهندية هناك تحتفظ بعناوين كلِّ أفراد الجالية الهندية المهاجرة إلى تنزانيا)، وكذلك فإنّ البرتغال أطلقت مشاريع لرصد آثارها التاريخية والثقافية عبر القارات.
إنّ إطلاق مشروع من هذا النوع سيحفظ جزءا مهما من الذاكرة الوطنية العُمانية، ويوثق إسهام العُمانيين في الحضارة الإنسانية، ويقدم للأجيال القادمة صورة متكاملة عن الامتداد الحضاري لعُمان عبر آسيا وأفريقيا والمحيط الهندي على مدى قرون طويلة، وقبل أن تسبقنا إلى ذلك أياد تستهدف العكس؛ فممّا لاحظناه أنّ هناك من يدفع الأموال الآن لطمس التاريخ العُماني هناك، ولا يمكن أن يقال إنّ ذلك مستحيل ولن ينجح، فمن يملك المال والسلطة يملك التوجيه، فحتى في عصر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان للمؤلفة قلوبهم نصيب من الزكاة.
سليمان المعمري، جريدة عمان 27 يونيو 2026
في ديسمبر من عام 2009 كتب الصديق زاهر المحروقي في جريدة الشبيبة أنه «حان وقت الحديث عن زنجبار»، وهو بهذا العنوان لمقاله كان ينتقد ضمنيا سكوت الكتاب والمؤرخين العمانيين عن توثيق حقبة مهمة في التاريخ العماني هي فترة الوجود في شرق أفريقيا الذي انتهى بما حدث في يناير الأسود من عام 1964. كان المحروقي يعلق على صدور بعض الكتب التي ظهرت على استحياء لتعيد فتح هذا الملف، وفي مقدمتها الكتاب المهم لناصر بن عبدالله الريامي «زنجبار: شخصيات وأحداث»، الذي مثل حافزًا لظهور عدة كتب أخرى بعده. منذ ذلك المقال المبكر بدا زاهر المحروقي مسكونًا بزنجبار وما حولها، ناظرًا إليها على أنها امتدادٌ طبيعي لعُمان، مذكرًا من مقال إلى آخر بحكاية العمانيين هناك، وما شيدوه من معالم، وما حققوه من إنجازات، لكنَّ حزنًا ما كان يظهر من بين السطور، حزن من وصل متأخرًا، فوجد البيوت مهدمة، والتراث مسروقا، والقبور لا شواهد عليها تحكي عن ساكنيها، هذا عدا موت الكثير من الشهود على حكايتنا هناك.
وإن كان من خيط ناظم لمقالات زاهر عن شرق أفريقيا فهو الدفاع عن الذاكرة العمانية من النسيان ومن التشويه في الوقت نفسه، إضافة إلى جرعة غير قليلة من نقد ذاتي تطرح تساؤلات ممضة من قبيل: ماذا فعلنا نحن، أبناء هذا التاريخ، لكي نرويه كما ينبغي؟ ولماذا تركنا غيرنا يكتبون عن العمانيين في زنجبار من زاوية واحدة؟ ولماذا بقيت الوثائق والمخطوطات والقبور والبيوت والقصور والمساجد في حاجة إلى من يمد إليها يده، ولو متأخرا، قبل أن يبتلعها الإهمال؟
من هنا يمكن فهم ذلك التحول الجميل في تجربة زاهر المحروقي خلال السنتين الأخيرتين. فقد انتقل من مقال الصحيفة إلى ما يمكن أن أسميه «مقال اليوتيوب»؛ أي المقال الذي يمشي على قدميه، ويحمل الكاميرا، ويقف أمام الحجر أو المَعْلَم، ويقرأ النقوش، وينصت إلى المرشدين، ثم يصحح لهم إذا لزم الأمر (نعم، يصحح للمرشدين معلوماتهم، وليس في ذلك أي مبالغة)، ويصل الماضي بالحاضر في دقائق قليلة.
بدأ هذا التحول في ديسمبر من عام 2024 حين ذهب زاهر إلى زنجبار في رحلة استغرقت عشرة أيام، بصحبة صديقه سيف المحروقي، رئيس تحرير جريدة عُمان السابق، الذي لا يقل عنه اهتماما بهذا التاريخ، والذي تولى عملية التصوير والمونتاج كما يفعل مخرج متمكن.
وقد كانت رحلة ناجحة بامتياز، إذ خرجا منها بسلسلة طويلة من الفيديوهات، تجاوزت الثلاثين، وغطت طيفا واسعا مما استطاعا الوصول إليه من آثار ومعالم وشخصيات. وهي فيديوهات لم تكتفِ بالمرور السريع على أسماء المعالم، وإنما سعت لتقديم لمحة تاريخية عنها لمن لا يعرفها. فتجول بنا زاهر صوتًا وصورة في المدينة الحجرية والبيت الذي سكنه التاجر الألماني رودولف هاينريش رويته، الذي سيتزوج بعد ذلك السيدة سالمة بنت سعيد، وأخذنا إلى «بيت العجائب» الذي بناه السلطان برغش بن سعيد عام 1883 وكان من أوائل المباني في شرق أفريقيا التي دخلتها الكهرباء، وسرد لنا حكاية بيت المتوني، القصر الأول للسيد سعيد بن سلطان، ومسجد الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي وقبره القريب من القصر، وغيرها من المعالم التي ظهرت تباعا من فيديو إلى آخر.
ورغم أن مقالات المحروقي كانت متابعة كثيرًا، إلا أن المدهش أن مشاهدات الفيديوهات كانت أكثر بكثير، وصار لها صدى كبير، إلى درجة أن ظنه البعض قاطنًا هناك، ولا أنسى أن صديقي سعيد الحاتمي تحمّس لِمَا رآه في إنستجرام من آثار عمانية في أفريقيا فاقترح عليَّ أن نزور زاهر في زنجبار، ونقيم لديه فترة من الوقت، واندهش عندما أخبرته أن الرجل مثلنا يتابع صدى فيديوهاته من مسقط!
بعد زنجبار جاءت الرحلة الثانية التي عاد منها زاهر ورفيق سفره سيف الأسبوع الماضي. عشرة أيام أخرى قضياها هذه المرة في ممباسا وماليندي وجزيرة لامو، ورجعا منها بـــ26 تقريرًا مصوّرًا. هناك، في ممباسا، توقف المحروقي عند قلعة يسوع، التي أصبحت في الذاكرة العمانية رمزا لتحرير الساحل في عهد اليعاربة من السيطرة البرتغالية، وتتبع قبر السيد خالد بن برغش، السلطان الذي ارتبط اسمه بتلك المواجهة القصيرة العنيفة مع بريطانيا عام 1896، والتي عُرِفتْ بأقصر حرب في التاريخ، ثم انتهى به المطاف منفيا واحدًا وثلاثين عامًا، توزعت بين دار السلام وسانت هيلانة وسيشل، قبل أن يقضي آخر خمس سنوات من حياته في ممباسا حتى وفاته عام 1927. هذا عدا التقارير المصورة التي قدمها زاهر من ماليندي، فوثق متحفها الذي كان في الأصل بيتا للوالي العماني هناك، وقدم تقريرا عن النصب التذكاري المرتبط بالرواية الشائعة عن لقاء البحّار العماني أحمد بن ماجد بفاسكو دي غاما، وانطلاق الرحلة من ماليندي نحو الهند، وهي رواية لا تزال موضع أخذ ورد بين المؤرخين. وفي جزيرة لامو خرج بتقارير مهمة عن متحفها الذي يحفظ سيرة أحد ولاتها العمانيين في عهد السلطان علي بن سعيد بن سلطان، وأبوابها التاريخية التي ما زالت تنطق بالأثر العماني العربي، ومسجد بواني، أحد أقدم المساجد في شرق أفريقيا.
وهكذا، فإنه بالشغف وحده أنجز زاهر المحروقي وزميله ما يقع إنجازه في العادة على عاتق مؤسسات بكامل طواقمها. وأنا لا أبخس هنا هذه المؤسسات حقها، فقد أنتجت وزارة الإعلام قبل عدة سنوات سلسلة أفلام وثائقية مهمة عن الوجود العماني هناك اضطلع بإعدادها وتقديمها الزميل محمد المرجبي، ورممت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العديد من الآثار هناك. لكن هل تكفي هذه الجهود؟ الإجابة إن تاريخنا هناك يحتاج في الحقيقة إلى مشروع وطني واسع يتضمن الأرشفة، والتصوير، والترميم، والمقابلات الشفوية، والخرائط التفاعلية، والكتب، والمزيد من الأفلام الوثائقية، والمنصات الرقمية، وفرق البحث متعددة التخصصات. بهذا وحده نمنح تلك الذاكرة فرصة حياة جديدة، ونحفظ ما تبقى من شواهدها قبل أن يطمرها النسيان.
برنامج إصدارات عمانية
إذاعة سلطنة عمان 19 يونيو 2026
كتاب الحياة على نتوء صخري
تحرير : أ.د أحمد الربعاني و د.سليمان المحذوري
ضيف البرنامج : د.سليمان المحذوري