Wednesday, October 14, 2026

جلسة حوارية حول كتاب زنجبار في عهدالسلطان سعيد بن سلطان

 المؤلف: د.سليمان بن عمير المحذوري

أدار الجلسة د.علي بن سعيد الريامي

مكتبة قراء المعرفة 14 أكتوبر 2026

https://www.youtube.com/watch?v=6xjEGrvpbzM

نحن وزنجبار.. ماذا بعد؟!

 د.سليمان بن عمير المحذوري

جريدة الرؤية 14 أكتوبر 2026

تعزيزًا للشراكة مع المؤسسات الإعلاميّة الدوليّة تبنت جمعية الصحفيين العُمانية إقامة ملتقيات صحفية في عدة دول، وهذه المرة عُقد الملتقى في جمهورية تنزانيا المتحدة في كل من دار السلام وزنجبار خلال الفترة 30 سبتمبر حتى 7 أكتوبر.

وخلال هذا الملتقى أُقيمت جلسة حوارية تناولت محاور مُتعددة مثل الصحافة العُمانيّة في شرق أفريقيا، وصون التراث المعماري في زنجبار، والعلاقات التجاريّة والاستثماريّة؛ فيما مثلت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية وقدمت ورقة تمحورت حول العلاقات التاريخيّة والثقافيّة بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة، هذا إلى جانب الزيارات الميدانيّة لمعالم صحفية وإعلاميّة وتراثيّة وسياحيّة، وعلى هامش الملتقى عُرضت مجموعة من الصور التي تُجسد جوانب متنوعة من الأبعاد الطبيعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة من كلا البلدين.

ولا شكّ أنّ لهذه الملتقيات دور في إبراز الممكنات التي تزخر بها السلطنة، وتسليط الضوء على الجوانب التي يُمكن المضي قدمًا فيها، واستثمارها بما يُحقق مصلحة جميع الأطراف. وعودة إلى موضوع الملتقى المُشار إليه اعتقد أنَّ جمعية الصحفيين قد وفقت في اختيارها لإقامته في دار السلام وزنجبار تلك البقعة الجغرافية التي تقع على الضفة الأخرى من المحيط الهندي، وبما تشكله من بعد تاريخي وحضاري للعُمانيين منذ قرون عديدة. ويأتي هذا الحراك متزامنًا مع توجه السلطنة نحو قارة إفريقيا التي تكتنز موارد طبيعيّة وفرص اقتصاديّة واعدة، وفي هذا الإطار شهد شهر سبتمبر الفائت زيارة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- إلى جمهورية بوتسوانا وجمهورية أنجولا، وقبلها زار السلطنة رئيس جمهورية رواندا مما يُعطي دلائل واضحة لا تخطئها العين إزاء توسيع مجالات التعاون، وتمتين الصلات مع هذه الدول. وبالعودة إلى الوراء قليلًا استقبلت عُمان رئيسة جمهورية تنزانيا في شهر يونيو 2022 وتمخّضت تلك الزيارة عن توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متنوعة. وتأسيسًا على ذلك فإنه لا بد من تضافر الجهود نحو تعزيز هذه العلاقات سواء من جانب الحكومة أو القطاع الخاص والجمعيات الأهلية والثقافية، وكذلك الأفراد ومن ثم البناء على ما تحقق حتى اللحظة، واستثمار العمق التاريخي والحضاري لعُمان خاصة في منطقة شرق إفريقيا.

وعند الحديث عن زنجبار فإننا لا نتحدث عن مكان غريب علينا فمنذ الوهلة الأولى اتفق المشاركون في الملتقى خاصة أولئك الذين زاروا الجزيرة لأول مرة على أنهم في مكان لا يشعرهم بالغربة أبدًا بداية بالإنسان الزنجباري مرورًا بالملابس والأزياء والمأكولات وبعض من العادات واللغة السواحلية، وانتهاءً بالنمط المعماري في المساجد والقصور والبيوت والأسواق الموجودة في المدينة الحجرية؛ فكل هذه الخلطة تشي بإرث حضاري متبادل عبر القرون، وتأثيرات ثقافيّة واجتماعيّة مشتركة ما زالت باقية إلى يومنا هذا.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا بعد؟! فمن وجهة نظري أنه لا ينبغي التغني بالماضي أو البكاء على الأطلال؛ فلا ريب أن إنجازات أولئك العُمانيين العظماء واضحة وضوح الشمس ونحن امتداد لهم وبالتالي السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ماذا حققنا نحن؟ نعم كل زمان له ظروفه، وهنالك تحديات لا يمكن إنكارها إلا أن الإنسان هو الإنسان إن كان الهدف واضحًا والعزيمة متقدة، والظروف يُمكن تكييفها بما تقتضيه المرحلة الراهنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين في جميع المجالات من خلال خطط تنفيذية واضحة هذا أولًا. أما ثانيًا، فمن المعلوم أنَّ الأسر التي تنتمي لعُمان ما زالت موجودة خاصة في جزيرتي زنجبار وبمبا وفي مناطق متفرقة بداخلية افريقيا، وهي تمثل نقاط قوة يُمكن استثمارها واعانتها من خلال مشروعات اقتصادية مشتركة. وثالثًا أتمنى تركيز الدراسات البحثية على الوجود العُماني في داخلية إفريقيا التي تحتاج إلى دراسة معمقة وتوثيق منهجي علمي. ورابعًا أرى أنه من الضروري تصحيح المغالطات التي علقت بتاريخ العُمانيين في المنطقة خلال الفترة الماضية نتيجة لظروف سياسيّة معينة بمختلف الوسائل الممكنة. وخامسًا يُمكن للإعلام بكافة أنواعه المرئي والمسموع والمقروء الخروج بحكايات وقصص واقعية من المجتمع وتسليط الضوء على الإنسان نفسه أو الاشتغال على أفلام سينمائية تبرز هذا التداخل العجيب بين الثقافتين العُمانية والسواحلية.  

ختامًا.. أستطيع القول إنَّ هذا الحراك الصحفي والإعلامي جاء في وقته تمًامًا، ومن الأهمية بمكان تسريع العجلة وتدارك ما يُمكن تداركه، والبناء على الجهود المتحققة، وتعزيز مُخرجات هكذا ملتقيات بما ينسجم مع تطلعات عُمان المستقبلية.

Tuesday, October 13, 2026

من “النجاح” إلى “الشروق”: صحفٌ كانت تتزيّن بأخبار عُمان في شرق إفريقيا

 د.محمد بن حمد العريمي

أثير 7 أكتوبر 2026

لم تكن الصحافة العُمانية التي نشأت في شرق إفريقيا خلال النصف الأول من القرن العشرين مجرد صحف تنقل الأخبار وتتابع الأحداث، بل مثّلت مساحة واسعة للحضور الثقافي والفكري العُماني، وحملت معها اللغة والأدب والفكر وقضايا الوطن، وأسهمت في تشكيل الوعي لدى المجتمع العُماني في المهجر، وفي مد جسور التواصل بين عُمان وشرق إفريقيا من جهة، وبينهما وبين الفضاء الثقافي العربي من جهة أخرى.
هذه التجربة كانت محور ورقة العمل التي قدمها الدكتور محسن بن حمود الكندي، الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الأدب العُماني الحديث وتاريخ الأدب والصحافة العُمانية، ضمن الجلسة الحوارية المصاحبة للملتقى الصحفي العُماني التنزاني، الذي نظمته جمعية الصحفيين العُمانية، وجاءت تحت عنوان “التأثير العُماني في الشرق الإفريقي: قراءة ثقافية في ثيمات الرحيل المعرفي – الصحافة العُمانية المهاجرة أنموذجًا”.
وجاءت مشاركة الدكتور الكندي ضمن المحور الثاني من الجلسة الحوارية، الذي خُصص لـ“الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا.. رحلة الكلمة من الوطن إلى المهجر“، وكان الملتقى قد انطلق في دار السلام بمشاركة صحفيين وإعلاميين وباحثين ومسؤولين من سلطنة عُمان وتنزانيا، متضمنًا جلسات حوارية ولقاءات مهنية وزيارات للمؤسسات الإعلامية والمواقع التاريخية والحضارية.
“الرحيل المعرفي”.. من عُمان إلى المهجر
انطلق الدكتور محسن الكندي في ورقته من مفهوم سماه “الرحيل المعرفي”، رابطًا إياه بظاهرة التأثير الحضاري وبحركة الإنسان وانتقال الأفكار والمعارف بين البيئات المختلفة، ويرى أن الحضور العُماني خارج الوطن لم يقتصر على شرق إفريقيا وحدها، وإنما امتد إلى مناطق أخرى، إلا أن الساحل الإفريقي الشرقي مثّل فضاءً بارزًا تشكلت فيه أنماط من الأدب والثقافة يمكن النظر إليها بوصفها “أدبيات المهجر العُماني” الموازية لأدبيات الوطن.
وبحسب الورقة، فإن انتقال العُمانيين من الوطن إلى المهجر لم يكن انتقالًا بشريًا أو تجاريًا فحسب؛ فقد رافقه انتقال للمعرفة والأفكار والخطابات الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وأنتج بيئة ثقافية ذات سمات خاصة على الساحل الإفريقي الشرقي.
وفي هذا السياق، يضع الكندي الصحافة في صميم هذا “الرحيل المعرفي”، باعتبارها من أبرز الأدوات التي نقلت الأفكار وفتحت المجال أمام التفاعل مع الآخر، وشكّلت حاضنة لمواهب عُمانية في الشعر والقصة والمقالة وغيرها من الأجناس الأدبية.
المطبعة السلطانية تمهد لمرحلة جديدة
تعود الورقة إلى إحدى المحطات المبكرة التي مهدت لازدهار النشاط الثقافي والصحفي في زنجبار، وهي إنشاء السلطان برغش بن سعيد المطبعة السلطانية في زنجبار عام 1879م، بهدف طباعة الكتب الدينية والتاريخية والأدبية، وترى الورقة أن وجود المطبعة أوجد بيئة ساعدت لاحقًا على ظهور الصحافة والأجناس الأدبية المختلفة.
ولم يقتصر أثر الصحافة، وفق الكندي، على نشر المقالات والأخبار، وإنما ارتبط أيضًا بالبدايات المبكرة لبعض الأجناس الأدبية العُمانية الحديثة؛ إذ يشير إلى أن صحيفة “الفلق” نشرت في عام 1939م رواية “الأحلام” التي يعدّها أول رواية عُمانية، إلى جانب ما نشرته الصحف من قصص ومقالات ومسرحيات وأشكال أدبية أخرى.
خارطة الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا
قدمت الورقة رصدًا لعدد من الصحف والمجلات العُمانية المهاجرة التي ظهرت في شرق إفريقيا خلال القرن العشرين، كاشفة عن تنوعها بين الصحافة الثقافية والأدبية والسياسية والتربوية والعامة.
وتبدأ القائمة التي أوردها الدكتور الكندي بصحيفتي “النجاح” و“النادي” في عام 1911م؛ فكانت “النجاح” ذات طابع ثقافي وأدبي وارتبطت بأبي مسلم البهلاني، فيما ارتبطت “النادي” بحارث بن سليمان اللمكي، ثم ظهرت صحيفة “زنجبار” في عام 1912م، وتلتها “الكفاح” في عام 1928م برئاسة ناصر بن سليمان اللمكي.
أحد أعداد جريدة النجاح
أحد أعداد جريدة النجاح
صورة أرشيفية للشيخ أبي مسلم البهلاني
صورة أرشيفية للشيخ أبي مسلم البهلاني
وفي عام 1929م ظهرت “الفلق” برئاسة هاشل بن راشد المسكري، كما ظهرت “الصحيفة” المرتبطة بالأمين بن علي المزروعي، ثم جاءت “المعرفة” في عام 1936م و“مجلة المعلمين” في عام 1939م في المجال التربوي، وظهرت “الإصلاح” في عام 1945م، ثم “النهضة” في عام 1949م برئاسة سيف بن حمود البوسعيدي.
صورة أرشيفية للشيخ هاشل بن راشد المسكري
صورة أرشيفية للشيخ هاشل بن راشد المسكري
وتواصلت التجربة مع “المرشد” في عام 1950م برئاسة أحمد بن سيف الخروصي، و“الأمة” في عام 1958م، ثم “الشروق” في عام 1961م، بما يعكس امتداد النشاط الصحفي لعقود وتنوع اهتماماته واتجاهاته.
صحافة تحمل عُمان معها
من أبرز ما تكشفه الورقة أن عُمان ظلت حاضرة بقوة في صفحات هذه الصحف رغم صدورها بعيدًا عن الوطن؛ إذ خصصت مساحة لمتابعة أوضاع عُمان والتفاعل مع أحداثها السياسية، إلى جانب تناول الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية في البيئات التي صدرت فيها.
كما عملت هذه الصحافة على تعزيز التوجهات النهضوية، ونشر المعرفة والتعليم، وإبراز الثقافة العُمانية، والمحافظة على حضور اللغة العربية، فضلًا عن التواصل مع الحركة الفكرية العربية في البلدان التي سبقت في تجربتها الصحفية والثقافية.
وهنا تتجاوز الصحافة، في قراءة الكندي، وظيفتها الخبرية لتصبح مؤسسة ثقافية ومعرفية؛ فالصحيفة كانت مكانًا لاجتماع السياسة بالأدب والتعليم والفكر، ووسيلة لصناعة الوعي والمحافظة على الروابط بالوطن الأم.
حاضنة للشعراء والأدباء والمواهب
أولت الصحافة العُمانية المهاجرة اهتمامًا واضحًا بالأدب؛ ففتحت صفحاتها أمام المواهب الشعرية والقصصية، وأسهمت في التعريف بها وتنميتها، إلى جانب بث الوعي بين القراء.
وتشير الورقة إلى عناية صحافة المهجر بالأجناس الأدبية الجديدة، ولا سيما الرواية والقصة القصيرة، فضلًا عن المقالة الأدبية والنصوص المسرحية والمقامات، وترى أن بدايات عدد من هذه الأجناس ارتبطت بصحافة المهجر الإفريقي، وفي مقدمتها نشر “الفلق” رواية “الأحلام” في عام 1939م.
ولم تكن المرأة غائبة عن صفحات تلك الصحف؛ إذ تشير الورقة إلى منحها مساحة لمناقشة قضاياها والكشف عن مواهبها ومسارات حياتها، في مؤشر على اتساع القضايا الاجتماعية والثقافية التي تناولتها الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا.
تواصل مع الصحافة العربية
لعل إحدى السمات المهمة التي توقفت عندها الورقة تتمثل في أن الصحافة العُمانية المهاجرة لم تعمل في عزلة عن محيطها العربي، بل كانت على اتصال بالحركة الفكرية والصحفية العربية، واستفادت مما كانت تطرحه الصحف والمجلات في عدد من البلدان.
ويذكر الدكتور الكندي نماذج من الصحف والمجلات التي مثّلت مصادر للتفاعل والتأثر، ومنها “الرسالة” و“المنار” المصريتان، و“اللطائف” و“الكفاح” السوريتان، و“ميزاب” و“الشروق” الجزائريتان.
ويكشف ذلك عن شبكة ثقافية تجاوزت الحدود الجغرافية؛ فالصحافة الصادرة في شرق إفريقيا كانت تستقبل الأفكار المتداولة في المراكز الثقافية العربية، وتعيد طرحها ومناقشتها في بيئتها المحلية، وفي الوقت نفسه تحمل صوت المجتمع العُماني في المهجر وقضاياه إلى فضاء أوسع.
ذاكرة مطبوعة للعلاقات العُمانية التنزانية
يمنح انعقاد هذه الجلسة في تنزانيا موضوع الورقة دلالة إضافية؛ فالصحف التي تناولها الدكتور الكندي تشكل اليوم جزءًا من الذاكرة الثقافية لتاريخ الحضور العُماني في شرق إفريقيا، وقد أكد الملتقى نفسه أهمية هذا الجانب؛ إذ أشار رئيس جمعية الصحفيين العُمانية الدكتور محمد بن مبارك العريمي إلى الحضور المبكر للصحافة العُمانية في زنجبار وشرق إفريقيا، وذكر من بين صحفها “النجاح” و“الفلق” و“النهضة” و“المرشد” ودورها في الحراك الثقافي والفكري.
ومن هنا تبرز تجربة الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا باعتبارها أكثر من فصل في تاريخ الإعلام العُماني؛ فهي سجل لمرحلة من انتقال المعرفة عبر المحيط الهندي، وذاكرة للحضور العُماني في المهجر، ومنبر حمل قضايا المجتمع والوطن، واحتضن الأدب والمواهب، وربط شرق إفريقيا بالحركة الفكرية العربية.
وبذلك تكشف ورقة الدكتور محسن بن حمود الكندي عن رحلة طويلة للكلمة العُمانية؛ رحلة بدأت من الوطن، وعبرت البحر إلى المهجر، ثم تحولت في زنجبار وشرق إفريقيا إلى صحافة صنعت مساحة للتواصل الثقافي والمعرفي، وأسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة المشتركة التي تستعيدها اليوم اللقاءات الصحفية العُمانية التنزانية، ولكن بأدوات إعلامية جديدة وآفاق أوسع للتواصل والتعاون.

ورقة تكشف: كيف صنعت عُمان وتنزانيا علاقة تمتد لأكثر من ألفي عام؟

 د.محمد بن حمد العريمي

أثير 2 أكتوبر 2026

استعرض الدكتور سليمان بن عمير المحذوري من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، خلال مشاركته في الملتقى الصحفيا العُماني التنزاني، عمق العلاقات التاريخية والحضارية التي ربطت سلطنة عُمان بمنطقة شرق إفريقيا عمومًا، وتنزانيا على وجه الخصوص، مؤكدًا أن هذه الصلات لم تكن وليدة القرون القريبة، وإنما تمتد جذورها إلى أكثر من ألفي عام، قبل أن تتطور عبر مراحل تاريخية متعاقبة لتنتج تداخلًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ما تزال شواهده حاضرة حتى اليوم.
وجاءت ورقة الدكتور المحذوري بعنوان “سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا.. صلات تاريخية وآفاق مستقبلية”، ضمن الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، لتقدم قراءة تاريخية لمسار الحضور العُماني في شرق إفريقيا، والعوامل التي أسهمت في نموه، وأثره في الحياة الاقتصادية والحضارية، إلى جانب ما يمكن أن يشكله هذا الإرث المشترك من أرضية لتعزيز علاقات البلدين في الحاضر والمستقبل.

صلات تتجاوز ألفي عام

أشار المحذوري إلى أن الصلات العُمانية التاريخية والحضارية بمنطقة شرق إفريقيا، التي عُرفت لدى العُمانيين باسم “السواحل”، ترجع إلى أكثر من ألفي عام، مستندًا في ذلك إلى ما ورد في كتاب “الطواف حول البحر الأريتري” (Periplus of the Erythraean Sea)، وهو ما يجعل العُمانيين من أقدم الشعوب العربية اتصالًا بسواحل إفريقيا الشرقية.
ولم تكن تلك الصلات عابرة أو مرتبطة بمرحلة تاريخية واحدة، وإنما تواصلت الهجرات العُمانية، الجماعية والفردية، على امتداد حقب زمنية مختلفة. كما تكشف الشواهد التاريخية عن النشاط التجاري والحضري الذي كان قائمًا على الساحل الشرقي لإفريقيا عند وصول البرتغاليين مطلع القرن السادس عشر؛ إذ وجدوا مدنًا مزدهرة، وحركة تجارية نشطة، وبحارة عربًا يمتلكون سفنًا كبيرة ويتمتعون بمعرفة واسعة بموانئ المنطقة.

لماذا اتجه العُمانيون إلى شرق إفريقيا؟

توقفت الورقة أمام جملة من العوامل التي دفعت العُمانيين إلى الهجرة نحو سواحل شرق إفريقيا، من بينها عوامل سياسية ارتبطت بالحروب الداخلية والخارجية، وأخرى اقتصادية في مقدمتها التجارة وامتلاك أسطول بحري كبير، إلى جانب عوامل جغرافية وطبيعية.
وكان الموقع الجغرافي عاملًا مهمًا في توجيه النشاط العُماني نحو شرق إفريقيا، إلى جانب طول السواحل العُمانية ووجود الموانئ الملائمة لرسو السفن، في مقابل ما تمتعت به مناطق شرق إفريقيا من خصوبة الأراضي وتنوع الموارد والمناخ.
كما ساعد النشاط الملاحي والتجاري الواسع للعُمانيين في المحيط الهندي، وامتلاكهم أنواعًا متعددة من السفن الشراعية مثل البوم والبغلة والسنبوق والبدن والجالبوت، على استمرار حركة الانتقال والتجارة بين الضفتين.

الرياح الموسمية: طريق طبيعي بين الضفتين

لفت المحذوري إلى الدور الذي أدته الخبرة البحرية المتراكمة لدى العُمانيين في تعزيز تلك الصلات، فقد عرف البحارة العُمانيون الطرق البحرية وحركة الرياح الموسمية في المحيط الهندي، واستطاعوا توظيفها في تنظيم رحلاتهم بين الموانئ العُمانية وساحل شرق إفريقيا.
وكانت السفن تبحر مستفيدة من الرياح الشمالية الشرقية في رحلتها إلى شرق إفريقيا، ثم تعود مع الرياح الجنوبية الغربية، وكانت الرحلة المباشرة بين عُمان وموانئ شرق إفريقيا تستغرق في الظروف الملائمة نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع.
وساعدت هذه الخبرة البحرية على قيام حركة تجارية نشطة، حصل من خلالها العُمانيون على عدد من المنتجات والسلع الإفريقية، مثل الأخشاب والقرنفل والعاج والصمغ والجلود، في مقابل سلع عُمانية ومحلية من بينها التمور والليمون والأسماك المجففة.

زنجبار: نقطة تحول

شكّل استقرار السيد سعيد بن سلطان في زنجبار عام 1832م محطة مفصلية في تاريخ العلاقات العُمانية بشرق إفريقيا، إذ أصبحت زنجبار مركزًا مهمًا لإدارة شؤون الدولة. كما تحولت إلى وجهة لهجرة أعداد من القبائل والأسر العُمانية التي استقرت في مناطق مختلفة من الساحل والداخل الإفريقي.
وأوضحت الورقة أن اختيار زنجبار ارتبط بمجموعة من الاعتبارات الإستراتيجية والجغرافية والاقتصادية، من بينها موقع الجزيرة وقربها من الساحل الإفريقي، وتوافر المياه العذبة وخصوبة الأرض، فضلًا عن المقومات التي أهلتها لتصبح مركزًا لتجميع سلع الداخل الإفريقي ومحطة مهمة لتجارة الترانزيت.
ونتيجة لذلك، تطورت زنجبار خلال القرن التاسع عشر إلى مدينة تجارية مزدهرة تستقطب التجار من جنسيات مختلفة، وانفتحت على العالم الخارجي من خلال عقد معاهدات واتفاقيات دولية مع عدد من القوى الكبرى آنذاك، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، في سياق السعي إلى تعزيز المبادلات التجارية والعلاقات الدبلوماسية.

من الساحل إلى قلب إفريقيا

لم يقتصر النشاط العُماني، بحسب الورقة، على زنجبار والسواحل الشرقية للقارة، بل امتد إلى داخل إفريقيا، حيث كان التجار العُمانيون يتوغلون في الداخل قبل القرن التاسع عشر، ثم شجع السيد سعيد بن سلطان على إحياء الطرق التجارية المتجهة إلى المناطق الداخلية.
ووصل النشاط التجاري إلى منطقة البحيرات الاستوائية، ومنها بحيرات فكتوريا وتنجانيقا ونياسا، كما تأسست مراكز ومدن في الداخل الإفريقي، من بينها تابورة وأوجيجي، أدت دورًا في تزويد القوافل بالمؤن وتخزين البضائع.
وتشير الورقة إلى أن هذه الطرق والمحطات التجارية أسهمت كذلك في تسهيل حركة الكشوف الجغرافية داخل القارة، وأن جماعات عُمانية استقرت في مناطق داخلية تقع اليوم ضمن تنزانيا وأوغندا وبروندي والكونغو وغيرها.

دار السلام: اسم عربي ومدينة تنزانية

من المحطات التي تناولتها الورقة مدينة دار السلام، التي أنشئت في عهد السلطان ماجد بن سعيد سلطان زنجبار في عام 1866م.
وأشار المحذوري إلى أن اسم “دار السلام” عربي الأصل، وأنه عكس الطابع السلمي والتجاري الذي أُريد للمدينة منذ نشأتها، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم المدن في شرق إفريقيا والعاصمة الاقتصادية لتنزانيا.

تأثير حضاري تجاوز التجارة

لم تكن العلاقات العُمانية بشرق إفريقيا ذات طابع سياسي وتجاري فحسب؛ إذ نتج عن التواصل المستمر والهجرات والمصاهرة والتعايش تأثير حضاري متبادل شمل جوانب واسعة من الحياة اليومية.
وتناولت الورقة مظاهر هذا التأثير في الأسرة والزواج والمصاهرة والعادات والتقاليد والملابس والمأكولات واستخدام البهارات والموسيقى والطرب والرقصات الشعبية وفنون البحر، إلى جانب أشكال التعايش بين العرقيات والطوائف والأديان المختلفة.
وكانت اللغة والثقافة السواحلية من أبرز صور هذا التفاعل الحضاري؛ إذ نشأت السواحلية “كيسواحلي – Kiswahili” في بيئة شهدت امتزاج اللغات واللهجات الإفريقية، وفي مقدمتها لغات البانتو، مع مؤثرات عربية وفارسية جاءت نتيجة قرون طويلة من التواصل والتجارة.
وأوضح المحذوري أن اسم اللغة نفسه يرتبط بالكلمة العربية “ساحل”، وأن السواحلية كُتبت بالحروف العربية مدة طويلة، قبل أن تحل الحروف اللاتينية محلها خلال القرن العشرين في ظل السياسة البريطانية في المنطقة.
وتنتشر السواحلية اليوم في مساحة واسعة من القارة الإفريقية، وتُعد من أهم اللغات المستخدمة فيها، خصوصًا في تنزانيا وكينيا، كما تُدرّس في جامعات ومعاهد لغات في عدد من دول العالم.
ومن الطرائف الثقافية التي أوردتها الورقة وجود نماذج من الشعر العُماني العربي الذي تنتهي أبياته بقافية سواحلية، بما يعكس عمق التداخل اللغوي والاجتماعي الذي نشأ عن حركة العُمانيين بين عُمان وشرق إفريقيا.
فمن فرائد الشعر العُماني قصيدة باللغة العربية الفصحى تنتهي بقافية سواحيلية. مثال من شعر العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي:
يا خميسًا يا مهوكا / لا تقل أني مشوكا ( تعبان )
كلما أدعوك دومًا / قيل لي هاكو كتوكا ( خرج غير موجود)
كل وقت أنت عن / خدمة بيتي وتروكا ( تهرب )

الماضي بوابة للمستقبل

بعد استعراض هذا الامتداد التاريخي، انتقلت الورقة من سؤال الماضي إلى سؤال الحاضر والمستقبل، مؤكدة أن الإرث المشترك بين سلطنة عُمان وتنزانيا يمكن أن يشكل قاعدة للبناء عليها وتطوير علاقات البلدين في مجالات متعددة.
ومن مظاهر العلاقات الحديثة التي أشارت إليها الورقة زيارة فخامة رئيسة جمهورية تنزانيا المتحدة إلى سلطنة عُمان في يونيو 2022م، وما صاحبها من توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات مختلفة، من بينها التعليم العالي والمتاحف الوطنية.
كما تناول المحذوري جانبًا من التعاون الوثائقي والثقافي بين البلدين، ومن ذلك إقامة المعارض والندوات والمؤتمرات، مشيرًا إلى افتتاح معرض وثائقي بعنوان “عُمان وعلاقاتها الدولية” في مركز المعارض بمدينة دار السلام في سبتمبر 2013م، فضلًا عن التعاون بين هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية والأرشيف التنزاني في مجالات الرقمنة وتبادل الخبرات.

ذاكرة مشتركة

تكشف ورقة الدكتور سليمان بن عمير المحذوري في مجملها أن العلاقة بين عُمان وتنزانيا تتجاوز مفهوم التواصل السياسي الحديث بين دولتين، فهي علاقة صنعتها قرون طويلة من الإبحار والهجرة والتجارة والاستقرار والمصاهرة والتفاعل الثقافي.
وإذا كانت السفن الشراعية والرياح الموسمية قد أسهمت قديمًا في وصل الموانئ العُمانية بالساحل الإفريقي، فإن ما خلفته تلك الرحلات من لغة وثقافة وعادات وذاكرة مشتركة لا يزال يمثل جسرًا إنسانيًا بين الشعبين، ورافدًا يمكن البناء عليه لتوسيع آفاق التعاون العُماني التنزاني في المستقبل.

الملتقى الصحفي العماني التنزاني وبداية الطريق

 زاهر بن حارث المحروقي

جريدة عمان 4 اكتوبر 2026

توقفت كثيرًا مع خبر مشاركة جمعية الصحفيين العمانية في الملتقى الصحفي العماني التنزاني في دار السلام وزنجبار من يوم الأربعاء الماضي حتى يوم الأحد، وما أعقبه من زيارات لمعالم تاريخية عمانية تستمر حتى يوم الخميس؛ لأن المشاركة في مثل هذه الفعالية حدث يستحقّ التنويه به؛ كونه تأخر كثيرًا، ويعزف وترًا حساسًا لدينا، خاصة الذين دعوا مرارًا إلى أهمية تفعيل التواصل بين عمان وذلك الجزء من العالم .

فكثيرًا ما نتحدّث عن تاريخنا في شرق أفريقيا ونضعه في الكتب المدرسية وفي فقرات التعريف في المتاحف، لكننا قليلًا ما نذهب إليه؛ لذا فأنْ يذهب وفد إعلامي وأكاديمي عماني اليوم إلى دار السلام وزنجبار ليرى بعينه ما قرأه في الكتب، يعتبر بحد ذاته إنجازًا؛ فمن رأى ليس كمن سمع، وأن يقف هذا الوفد أمام بيت الساحل، ويشاهد عمليات الترميم لبيت العجائب، ويزور المقبرة السلطانية، وبيت المتوني وبيت المرهوبي وقصر السعادة، ويشاهد آثار العمانيين من بيوت ومزارع ومساجد وقصور، ويسمع من كبار السن هناك كيف مخر الإنسان العماني العباب، وكيف كان الجد العماني يأتي بالتمر واللبان ويعود بالقرنفل، هذا هو التوثيق الحقيقي الذي لا تعطيه الندوات المغلقة.

والمؤكد أنه بعد هذا الملتقى، وبعد الجولات الميدانية للصحفيين والأكاديميين للآثار العُمانية هناك فإنّ لغة مخاطبة المتلقّي ستتغيّر؛ إذ أنها ستتحوّل من كلام نظري إلى تجربة حيّة عاشوها في الواقع، ويمكن لهم - بعد ذلك - أن يتحدّثوا عن ذلك التاريخ من خلال معرفة عملية.

ولنكن صريحين بأنّ هذه الخطوة تأخّرت كثيرًا جدًا؛ فلأكثر من خمسين سنة ونحن ندير ظهرنا تقريبًا لتلك الجغرافيا، بينما كانت دول أخرى - ليس لها ناقة ولا جمل بالمنطقة - تبني مراكز ثقافية وأحياء سكنية ومستشفيات وتستميل أبناء تلك المناطق، فيما كنّا نكتفي بصورة لقلعة عمانية في زنجبار ننشرها في مناسبة من المناسبات العابرة، وندع المرشدين السياحيين يسيئون إلينا دون ردٍّ منّا، وكأنّ التاريخ العماني هناك كان عارًا.

وقد سبق لي أن ذكرتُ في مقال سابق أنّ الرئيس سالمين عامر رئيس زنجبار قال لخالي حمد بن سعيد المحروقي - الذي رحل عن عالمنا عام 2000 -: «إنّ هذه مناطق نفوذكم، لكنكم تأخرتم وسبقكم الآخرون»، والعبارة لا تزال ترن في أذنيّ حتى الآن.

صحيح أنّ هذا ليس الملتقى الأول الذي تقيمه جمعية الصحفيين العُمانية، إذ سبقته ثلاثة ملتقيات سابقة في أماكن أخرى، لكنّي أعتقدُ أنّ التجربة يجب أن تُعمّم لكلّ الجمعيّات والمؤسسات ذات الصلة بالتاريخ والثقافة، كأنْ يكون هناك برنامجٌ وطنيّ منظّم لا زيارة عابرة، أسمّيه «برنامج العودة إلى الساحل»، تشارك فيه كلّ مؤسساتنا من جمعية الصحفيين، وجمعية الكتّاب، والجمعية التاريخية، وجمعية السينما، والنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، والجامعات، ووزارات الإعلام والثقافة والتراث والسياحة، والأندية الرياضية والثقافية، وجامعة السلطان قابوس والجامعات الخاصة، مع الاهتمام بابتعاث مجموعة من الطلاب للتنقيب في الأرشيف البريطاني والزنجباري عن تاريخ الوجود العماني هناك بدلًا من الاعتماد على مواضيع مكررة.

نأمل أن تكون هناك خطواتٌ أخرى تعقب هذا الملتقى ليس من الجمعية فقط، وهي - مثلًا - تنظيم رحلات إعلامية إلى الساحل الشرقي الأفريقي الآخر وهو ساحل كينيا، فلا يجب أن ينصبّ كل تركيزنا على تنزانيا وزنجبار فقط؛ فالتاريخ العماني العظيم في كينيا، وتحديدًا في ممباسا ولامو وماليندي وباتي وفازا لا يزال مهملًا ومنسيًّا.

وفي رحلتي الأخيرة إلى تلك السواحل تفاجأت بالإرث العماني الكبير هناك من قصور ومبان ومساجد ومدارس وكليات ومقابر، هذا عدا الناس والعادات والتقاليد، وبيوت حجرية بناها العمانيون، وعائلات لا تزال تحمل أسماء قبائل عمانية إلى اليوم.

ومن زار ممباسا يحس أنه يمشي في أزقة مطرح القديمة. ومن زار فازا يجد نفسه كأنّه يتجول في بيوت النباهنة في الجبل الأخضر، لكن لا أحد كتب عنها بعمق.

وقد كنت أقول لرفيق الرحلة سيف بن سعود المحروقي: إننا إذا استطعنا أن نخرج بعشرة تقارير من كينيا فهذا إنجاز، لكنّنا - ولله الحمد - خرجنا بستة وعشرين تقريرًا.

زيارة وفد جمعية الصحفيين العمانية لتنزانيا يجب ألا تتحوّل إلى مجرد رحلة سياحية أو خبر ينتهي بانتهاء الملتقى، بل يجب أن تكون هي الشرارة.

ويجب أن يكون الاستثمار الحقيقي، في ذاكرة الناس، وهو المفتاح الحقيقي لكلّ نجاح؛ فالمنتدى الاقتصادي العماني التنزاني مهم، واتفاقيات تجنّب الازدواج الضريبي مهمة، ووفود رجال الأعمال مهمة، لكن كل هذا يبقى بلا روح إذا لم يرافقه تعاون ثقافي وإعلامي وشعبي.