Thursday, April 7, 2016

بحوث ودراسات وثائقية في تاريخ أفريقيا الحديث

 
إلهام محمد علي ذهني، ط1.
القاهرة: مكتبة الأنجلو المصري، 2009.
 

الفصل الخامس:امتداد النفوذ البريطاني الى البحيرات الاستوائية (اوغنده)

مملكة اوغندا في القرن 19

تقع مملكة اوغنده غرب بحيرة فيكتوريا يحدها سودان وادي النيل شمالا والكونغو الحرة غربا، وأفريقيا الشرقية الألمانية جنوبا، وأفريقيا الشرقية البريطانيا (كينيا) شرقا.
وتوجد في أراضي اوغندا أشهر البحيرات الأفريقية ففيها بحيرة فيكتوريا، وبحيرت ألبرت، وإدوارد وكيوجا. كما تضم مجاري نهرية هامة مثل نيل فيكتوريا ونيل ألبرت وتمثل هذه المسطحات بأكملها منابع النيل العليا في هضبة البحيرات (1).
وتتنوع مظاهر السطح في اوغنده من البحيرات الأخدودية غربا الى جبل الجون عند حدودها مع كينيا شرقا، وتمتد المرتفعات الغربية جنوب بحيرة ألبرت. وتتميز المناطق المرتفعة بغزارة الأمطار، أما الهضبة الوسطى فتتميز بكثرة المستنقعات والتلال الغابية في مقاطعة اوغنده، والمقاطعة الشرقية.
وتشغل بحيرة فيكتوريا حوضا ضحلا بين فرعي الأخدود الأفريقي الشرقي الغربي، والى الشمال منها يوجد عدد من التلال ذات قمم مسطحة وتفصل مستنقعات بحيرة كيوجا بين اقليم البحيرة جنوبا وهضبة اوغندا الشمالية المرتفعة شمالا وتغزر الأمطار قرب البحيرة (2).
أما في شمال شرقي اوغنده وقرب حدودها مع كينيا يتميز السطح بعدد من الحافات البركانية التي تنحدر نحو بحيرة فيكتوريا. وأبرز الملامح جبل إليجون والى الشمال منه توجد هضبة واسعة يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر. ورغم أو اوغنده ذات موقع استوائي الا أن مناخها ليس حارا بسبب الارتفاع ووجود مسطحات مائية واسعة بها مما أدى الى سهولة عمل البعثات التنصيرية في المنطقة (3).
أما عن السلالات فعلى الرغم من صغر المساحة فان عدد سكان اوغنده كبير نسبيا، وينتمي السكان الى سلاسلة البانتو، وهي أكثر الجماعات انتشارا، ومنهم جماعة التوزنو والباجندا، ويعتبر الباجندا أذكى الشعوب يليهم الباسوجا (1).
والبانتو مجموعة زنجية لغوية واحدة يعكس زنوج غرب أفريقيا، وتمتد أوطانهم شمالا من خليج بيافرا عند الحدود الشرقية لنيجريا ثم تمتد في اتجاه شرقي مع تعرجات عديدة الى الشمال ثم الجنوب عبر الكونغو حتى منطقة بحيرات أعالي النيل وحول بحيرة فيكتوريا (2).
أما النيليون الحاميون أو أنصاف الحاميون فيعيشون بين الحاميين والزنوج في أجزاء من أعالي حوض النيل وهضبة شرق أفريقيا. وجرت العادة على تسمية هذه السلالة بالنيليين الحاميين وتشمل أوطانهم الجزء الجنوبي الشرقي من اوغنده والغربي من كينيا والشمالي من تجانيقا (3).
ومن أشهر القبائل في هذه المجموعة الأتيسو وهم يعيشون في الاقليم الواقع شرق بحيرة يكوجا في المستنقعات الواقعة شمال تلك البحيرة ويمتاز اقليمها بالخصوبة وتوجد مجموعة صغيرة تسمى كاراموجا وهم رعاة بقر (4).
النيليون عددهم كبير وينتشرون في أعالي النيل جنوب خط الاستواء ومنهم الاتشولي في الأجزاء الشمالية وجماعة لو في خليج كافير وندو، وجماعة اللانجو شمال بحيرة كيوجا.
أما الأقزام فيعيشون في جماعات محدودة في جبل رونزوي في غابة اتوري وتتركز جماعات البامبوتي في ا حدى المراكز الجبلية حول بحيرة ادوارد في اقليم كيجيري، وهناك جماعات عددهم أكبر منهم البامبا في روتزوري (5).
أما عن الوضع السياسي في اوغنده، فقد وجدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عدة ممالك أولهما وأقواهما مملكة بوغندة أو اوغندة وهما اسمان لمملكة واحدة وتقع شمال غرب بحيرة فيكتوريا تحدها مملكة بونيورو أو اونيورو، ومملكة بوسوجا شرقا ، ونورو غربا (1) وكاراجوي جنوبا.
هذا وقد وصلت مملكة اوغندا من الناحية السياسية الى درجة متقدمة لم تشهدها بقية الممالك الاستوائية أما اونيورو فقد ظلت محتفظة بقوتها لمدة قرنين حتى القرن التاسع عشر فتولت اوغنده الزعامة (2).
وللمملكة نظام هرمي فالملك أو الكاباكا على رأس الهرم الاجتماعي يتمتع بسلطات مطلقة على رعاياه وهو الميئول عن ادارة المملكة يساعده مجلس المملكة اللوكيكو يرأسه رئيس الوزراء في يده السلطة المركزية، ثم حكام الاقاليم، ويعتبر موتيسا وابنه موانجا من أشهر ملوك اوغنده في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد عاصرا فترة التدخل الاوروبي، ونشاط البعثات التنصيرية (3)ز
وكان أهالي البلاد يدينون بالوثنية، وانتشرت بينهم عبادة التواتم. ويعتبر الاسلام أول الأديان السماوية دخولا الى اوغنده. فقد انتقل اليها عن طريقين الأول طريق السودان ولو أن وجود منطقة السدود كان عقبة في سلبيل انتشاره، ولكن وصول القوات المصرية وامتداد الامبراطورية المصرية الى المديرية الاستوائية في أقصى جنوب السودان شمال اوغنده في عقد الخديوي اسماعيل كان عاملا هاما في نشر الاسلام.
أما الطريق الثاني الذي لا يقل أهمية وهو الأكثر قدما فهو طريق ساحل أفريقيا الشرقي حيث لعب عرب مسقط وعمان دورا هاما في نشر الاسلام في المناطق الداخلية وانتشر الاسلام سلميا بين السكان (4).
ويرجع الفضل الى التاجر المسلم أحمد بن ابراهيم في دخول الاسلام اوغنده قادما من زنجبار، وقد توغل في مملكة كاروجوي الواقعة جنوب اوغنده غرب بحيرة فيكتوريا 1844 باحثا عن العاج والرقيق. وقد اقنع هذا التاجر ملك اوغندا الملك سونا باعتناق الاسلام ، ورحب الملك بالتجار العرب الذين اشتركوا معه في حملاته العسكرية ضد أعدائه، ولكن سرعان ما حدث سوء تفاهم بين الطرفين وذلك لأن قوافل العرب كانت تحمل الأسلحة فخشى الملك سونا من أن يمد العرب أعدائه بالاسلحة فأصدر أمرا بمنع دخول التجار وعبور نهر كاجيرا ومنع التجار العرب من دخول اوغندا حتى تولى أميدسا أو موتيسا (1857-1884) الذي سمح لهم بدخول البلاد باعتبارها أقوى الممالك وانما تجاروا ايضا مع رومانيكا ملك كاراجوي (1)ز
واقام العرب في اوغنده عدة مراكز تجارية، كما أقاموا مخازن لحفظ السلع وازداد الطلب في اوغنده على الأسلحة النارية والملابس القطنية، ومما ساعد على تقوية العلاقة في عقد الملك موتيسا عدة عوامل منها انتقال عاصمة البوسعيد من مسقط الى زنجبار كما أوضحنا من قبل، فتزايدت القوافل العربية القادمة من ساحل شرق أفريقيا للحصول على منتجات أفريقيا الداخلية، كذلك أدى صعوبة الاتصال بالمملكة في موسم الأمطار على حاجة العرب الى اقامة المراكز الدائمة في اوغنده مما أدى الى ازدياد انتشار الاسلام (2).
هذا وقد أفاد التجار العرب من سماح موتيسا لهم بالاستقرار في العاصمة، فاستغلوا بحيرة فيكتوريا في نقل متاجرهم وسلعهم والاتصال بمستعمراتهم ومستودعاتهم التجارية الواقعة جنوب بحيرة فيكتوريا، واستخدموا الأدوات والمراكب الشراعية التي بنوها بأنفسهم وصارت تخترق مياه البحيرات من أقصاها وانتهز العرب الفرصة فأخذوا ينشرون الاسلام ولم تكن علاقة العرب ودية مع موتيسا ملك اوغندا فحسب بل مع رومانيكا حاكم كاراجوي ومع ميرامبو حاكم اونيا مويزي ومع جواوا حاكم اوهيهي وكان هؤلاء الزعماء يشنون الاغارات على جيرانهم ويقومون بتسليم اسراهم كرقيق للتجار العرب ويحصلون مقابل ذلك على الأقمشة التي كانوا يدفعونها رواتب لجنودهم ولما كان التجار العرب يعترفون بنفوذ السيد سعيد بن سلطان في زنجبار، فقد نقلوا هذا النفوذ الى اقليم البحيرات العظمى والمجاري العليا للكونغو والنيل (1).

البعثات الكشفية والتنصيرية في اوغنده

ساهمت البعثات التنصيرية والكشفية في استعمار اوغندا، وكانت حركة كشف منابع النيل الاستوائية هي بداية الخطر الذي لحق بالبلاد. فقد ظلت منابع لانيل (2) تشغل أذهان الكثيرين حتى تم جلاء الغموض عنها في القرن التاسع عشر ، ويعزى الى محمد علي الفضل في ارسال البعثات الى النيل، فقد أوفد أولى هذه البعثات في عام 1839 ثم وصلت بعثة كشفية أخرى الى غندكرو (3).
وفي عام 1843 أرسلت جمعية الارساليت البريطانية المنصر الألماني كراف الى سواحل أفريقيا الشرقية، الذي استطاع لفت أنظار الدول الاوروبية الى ضرورة التوغل في داخل القارة. كما زودها بمعلومات جغرافية عن أفريقيا الشرقية. وكان كشف كراف بداية لدخول البعثات التنصيرية الى اوغندا اذ أسفرت جهوده عن انشاء عدة محطات للتنصير، كما أنه لفت الأنظار لوجود بحيرة عظيمة في اونيامويزي، وفي عام 1849 نجح في الكشف عن جبل الجون عند الحدود الشرقية لاوغنده (4) ومنها اتجه شمالا الى بلاد اتشولي ولانجو. وكان سبيك أثناء رحلته قد سمع بالبحيرة الغربية الكبرى والتي تعرف الآن باسم ألبرت نيانزا ولكنه لم يتمكن من الوصول اليها وعند وصول غندكرو في فبراير 1863 قابله صمويل بيكر فأوصاه سبيك باكتشاف البحيرة والتي أطلق عليها اسم بحيرة ألبرت (5).
وبعد عودة سبيك الى انجلترا اخذ يروج لفكرة انشاء مستعمرة تنصيرية في هذه الاقاليم ولاسيما في ممالك اونيوزو وكاراجوي واوغنده وذكر، يجب على جميع ارساليات الكنيسة أن توجه بصفة خاصة انتباهها لأنها سوف تجد ملوكا أقوياء لحمايتها ولسوف تجد تربة خصبة لسد حاجتها وشعبا ثريا (1).
أنا صمويل بيكر فقد عمل في مصر وحصل من سعيد باشا على فرمان بمساعدة عدد من موظفي الحكومة المصرية في السودان، فقضى عاما متتبعا روافد النيل عند الحبشة، وطاف بالبلاد عند نهر عطبرة والنيل الأزرق، والنيل الأبيض حتى ملتقاه عند السوباط ونشر رحلته في عام 1867 (2).
ثم عاد من رحلته الى الخرطوم ومنها تقدم جنوبا في النيل الابيض حيث عرضت عليها الجمعية الجغرافية الملكية أن يتقدم في النيل جنوبا باحثا عن سبيك وجرانت. وعندما علم بوصولهما الى منابع النيل اتجه الى البحيرة التي أطلق عليها اسم بحيرة البرت (3) 1864 تكريما لزوج الملكة فيكتوريا وشاهد المساقط المائية التي سماها شلالات مرشيزون تكريما لرئيس الجمعية الجغرافية (4).
وكان لبيكر جولات أخرى في منابع النيل الاستوائية فقد أوفدته الحكومة المصرية عام 1869 لاخضاع الاقاليم الواقعة جنوب غندكرو للادارة المصرية وانشاء عدة مراكز عسكرية وتجارية في تلك الأقاليم وفتح النيل للملاحة من غندكرو الى البحيرات الاستوائية العظمى ونقل السفن الى بحيرة البرت وذلك بهدف ادخال الحضارة والمدنية في هذه الجهات (5).
ولما كانت مشكلة منابع النيل ومساحة البحيرات الاستوائية لم تحل الا جزئيا على أيدي لفنسجتون وبرتون وسبيك وجرانت، فقد استطاع ستانلي أن يقنع أصحاب صحيفتي "تليك جراف" و"نيويورك هيرالد" بالتعاون معا لتمويل حملة كشفية هدفها حل المعضلات المتبقية عن جغرافيا أفريقيا الوسطى. وكانت النتيجة تكليف ستانلي بالقيام برحلة الى أفريقيا استغرقت حوالي عامين. وقد غادر ستانلي في 11 نوفمبر 1874 باجامايو وسلك طريق طابورة ثم وصل في فبراير 1875 الى الشاطئ الجنوبي الشرقي لبحيرة فيكتوريا وقام بالملاحة فيها وزار عام 1875 الملك موتيسا في عاصمته الجديدة روباجا ثم عاد الى الركن الجنوبي الشرقي من البحيرة واثبت أن بحيرة فيكتوريا بحيرة واحدة متصلة كما ذكر سبيك وليست مجموعة من البحيرات الصغيرة كما ذكر لفنتجستون وبرتون. ثم وصل ستانلي الى بحيرة ألبرت وأكل استكشاف منابع النيل. ثم توجه جنوبا الى تنجانيقا ثم قام بعدة اكتشافات في نهر الكونغو (1).
وفي عام 1874 اكتشف الكولونيل الأمريكي شايي لونج بحيرة ابراهيم احدى البحيرات التي ينبع منها نهر النيل وهي الواقعة شمال بحيرة فيكتوريا وسماها باسم ابراهيم باشا والد الخديوي اسماعيل وكانت تسمى بحيرة كيوجا مما يدل على دور مصر الحضاري في هذه الجهات (2) هذا وقد ذكرها جورج سفانيفورت في خريطته التي وضعها باسم بحيرة ابراهيم. كما اكتشف مجرى الني لمن واروندجانيالي مرولي وفويره (3).
وكان كشف الغموض عن المسطحات المائية أولى الخطوات التي مهدت لاستعمار هذه المناطق.
هذا وقد ارتبط التنصير بالبعثات الكشفية فقد ظلت المناطق الداخلية من القارة مجهولة من قبل الاوربيين حتى تم استكشاف معالمها الجغرافية خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان المنصرون هم الرواد الأوائل لحركة الكشف الجغرافي في أفريقيا الشرقية حيث سلكوا في توغلهم من الساحل الى الداخل طرق القوافل العربية واسترشدوا بادلاء من العرب والسواحيلية (1).
التزم المنصرون بخطة اثارة الأفارقة ضد العرب، سواء في شرق افريقيا في زنجبار أو في افريقيا الداخلية ووضعوا نصب أعينهم مقاومة الدين الاسلامي، والنفوذ العربي وعملت كل طائفة من المنصرين لتدعيم نفوذ ومصالح دولهم التي ينتمون اليها، كذلك مهدت البعثات الكشفية للدول الاوروبية وضع ايديها على المناطق الداخلية في أفريقيا (2).
ويمكننا لاقوم بأن أهم وأول الهيئات التنصيرية في شرق أفريقيا بصفة عامة كانت جمعية الكنيسة التنصيرية والتي تأسست في لندن عام 1799 باسم جمعية الارساليات الى أفريقيا والشرق وهي أول الهيئات البروتستانتية الانجليزية التي اهتمت بالتنصير في أفريقيا الشرقية والوسطى وأنشأت في راباي في عام 1844 أول مركز تنصيري في المنطقة بعد طرد البرتغاليين وكان مبعوثوها المنصر الألماني كراف (3) وبيمان وايرهادرت الذين كانوا يعملون لحسابها على الرغم من رعويتهم الألمانية (4).
وصل كراف زنجبار عام 1844 يحمل توصية من لورد ابردين وزير الخارجية البريطاني الى السيد سعيد بن سلطان الذي رحب به وزوده بتوصية الى ولاته بالساحل يدعوهم فيها الى تقديم المساعدة الى هذا الرجل الأبيض الذي جاء يدعو الله، ويعزى هذا الموقف من جانب السيد سعيد اما لاعتقاده بان المنصر الاوروبي لم يأتي الى أفريقيا الى لهداية القبائل الوثنية فحسب وليس لمحاربة الاسلام واعاقة انتشاره أو لرغبته في التودد للحكومة البريطانية ومحاولة استرضائها.
ولاشك أن توصية لسطان زنجبار كانت بالغة الاثر ولولاها ما استطاع كراف أن يحصل على مساعدة قاضي لامو المسلم في ترجمة الكتاب المقدس الى اللغة السواحيلية أو أن ينزل آمنا مطمئنا على حياته بأراضي قبيلة وانيكا الوثنية فيما رواء ممبسة. والتي كانت تدين بالولاء لزنجبار، وذلك بعد أن تعذر عليها مباشرة عمله وسط قبائل الجالا الصومالية (1).
ومنذ عام 1844 اتخذ كراف وزميلاه من ممبسة قاعدة للتوغل في الاقاليم الداخية وبحثو عن الاماكن التي تصلح لاقامة مركز للتنصير فأسسوا في راباي مركز للتنصير كما تجولوا في المنطقة في الفترة ما بين 1848-1849 هذا بينما كان ريبمان يسعى جاهدا لاكتشاف جبال كينيا خاصة كبيمناجارو (2).
بذل كراف جهادا كبيرا للاطاحة بالنفوذ العربي خاصة في شرق افريقيا ولكن رغم كل هذه الجهود لم يحقق مركز راباي للتنصير تقدما في أعماله وعجز عن جذب الأهالي اليه وذلك لأن التنصير في ساحل أفريقيا الشرقي لقى تحديا من جانب الاسلام، وقد عاد كراف الى اوروبا عام 1853 وتبعه ابرهارد وظل ريبمان بمفرده ثم عاد الى وطنه عام 1875 وتوقف النشاط التنصيري ابان العقد السادس الا أنه استؤنف بشكل جديد عقب زيارة فرير لزنجبار عام 1876 وانشئت جمعية الكنيسة التنصيرية بايعازه مستعمرة الرقيق المحررين في السهل الساحلي المقابل للمبسة واطلق عليها فريرتون نسبة اليه وتحت اشراف المنصر، ثم توالت البعثات الكشفية، ولعل أهممها بعثة ريتشارد بيرتون Richard Burton وسبيك Speke. وكان برتون ضابطا في الجيش الانجليزي اتقن اللغة العربية. وفي عام 1854 عمل في لندن، ثم قام بعدة رحلات الى شرق افريقيا بهدف الوصول الى النيل وفي عام 1856 اسندت اليه الجمعية الجغرافية اكتشاف ساحل أفريقيا الشرقي ومعه سبيك وفي عام 1857 وصلا زنجبار ونزلا عند الساحل الشرقي عند باجامايو ومنها توجها صوب الجنوب الغربي ومنها الى طابورة عام 1857 قرب بلدة اوجيجي. وعلما في طابورة بوجود ثلاث بحيرات عظمى هي نياسالاند وفيكتوريا و تنجانيقا. ثم استأنفا الرحلة فوصلا اوجيجي عند بحيرة تنجانيقا، والتي تم اكتشافها عام 1858. وتعتبر أول بحيرة يتم اكتشافها من تلك البحيرات الثلاث ثم عاد الى طابورة وعلما بأ، هناك بحيرة شمالا أعظم من تنجانيقا، فواصل سبيك الرحلة بمفرده بعد مرض برتون، ونجح في الوصول الى البحيرة وأطلق علهيا فيكتوريا نيانزا عام 1858. وقد سمع عن هذه البحيرة من التجار العرب فأكد بأنها منبع النيل ثم عاد الى زنجبار عام 1859 (1).
هذا وقد أثار نجاح سبيك حماس الجمعية الجغرافية فقررت ارساله في رحلة ثانية عام 1860 بصحبة ضابط من الجيش الهندي هو جيمس جرانت فوصلا الى زنجبار ومنه اتجها الى الشمال الغربي الى بحيرة فيكتوريا، وكان الهدف الرئيسي من الرحلة هو التأكد من خروج النيل من البحيرة وقد اتجها عبر نهر كاجيرا واخترقا مملكة كاراجوي في اوغنده فأحسن ملكها رومانيكا استقبالهما وديا. وألبغ موتيسا ملك اوغندا بوصولهما الى أراضيه فدعاهما لمقابلته، ووصل سبيك الى العاصمة باندا، فوجد أن سكان اوغنده على جانب كبير من الحضارة والتقدم، واكرم الملك موتيسا وفادته، وكان سبيك وجرانت هما أول من دخل مملكة اوغنده من الاوروبنيين. وهذا وقد حاول سبيك الافادة من الموقف فتحدث مع موتيسا عن المسيحية ومبادئها، ولكنه مني بخيبة أمل بسبب ميل الملك الى العرب والمسلمين، ولذلك قرر فور عودته ضرورة المطالبة بالقضاء على النفوذ العربي وارسال المنصرين الى اوغنده واتخاذها قاعدة للتوسع البريطاني في أفريقيا الوسطى (2).
واصل سيبك وجرانت الرحلة وطافا حول ساحل البحيرة الشمالي، حتى تتبعا مخرج نهر النيل من الجهة الشمالية حيث الشلالات التي أطلق عليها سبيك "شلالات ريبون" في يونيو 1862. ثم قصد في سبتمبر 1862 البريطاني بريس وبدأت أعمالهما في عام 1875.
وأخذ المنصرون يشجعون العبيد على الهرب من أسيادهم العرب، والالتجاء الى المستعمرة التي صارت تستقبلهم وتمنحهم حماية الجمعية ثم تقوم بتهيئتهم للخدمة عند الاوروبيين دون أجر أو بأجور زهيدة فاصبحوا أحرارا من الناحية النظرية واستقبلت المستعمرة الوافدين ليس فقط من ساحل القارة وانما من المناطق الداخلية ودعا فرير الى تعليم فرق من الافارقة وتهيئتهم كي يصبحوا كهنة فيكونوا أقدر على العمل التنصيري في المناطق الداخلية (1).
وجدير بالذكر أن الفرنسيين اسهموا في النشاط التنصيري وكما المنصرون الكاثوليك قد عملوا في زنجبار منذ عام 12860 ثم أنشأت جمعية الروح المقدسة عام 1863 مركزا تنصيريا دائما في زنجبار عرف باسم محطة او مركز الآباء السود وفي عام 1868 أنشأ آباء الروح المقدسة على الساحل مستعمرة العبيد المحررين (2).
ومضى المنصرون الفرنسيون في مزاولة أعمالهم ولقوا التشجيع من الأسقف شارل لافيجيري 1825-1892 الذي عمل كردينالا كما عمل أسقفا من قبل في الجزائر ووضع عام 1868 نظام الآباء البيض التنصيري ثم أخذ يدعو لشن حملة صليبية جديدة للقضاء على الاسلام. وفي 24 فبراير 1878 أصدر البابا ليو الثالث عشر مرسوما بانشاء اسقفيتين في أفريقيا الشرقية لتتوليا أعمال النصير وتختص أحداهما ببحيرة فيكتوريا والثانية ببحيرة تنجانيقا وان تكون هاتان الاسقفيتان تابعتين لاسقفية الآباء البيض في الجزائر برئاسة لافيجري (3).
استمر عمل الارساليات البريطانية رغم نشاط الارساليات الفرنسية ونجح ستانلي في زيارة الملك موتيسا ملك اوغندا عام 1875 الذي أحسن استقباله ويمكننا القول أن بعثات المنصرين بدأت تغزوا اوغندا بعد مقابلة ستانلي لموتيسا فطلب من بلاده ارسال المزيد من الارساليات التي مارست نشاطها في اوغنده، اونيورو، بوسوجا، تورو، والجون (4).
وهناك حقيقة هامة ينبغي ألا نغفلها وهي أن اوروبا راقبت بعين القلق والحسد نشاط مصر في أفريقيا وامتداد نفوذها في أفريقيا الوسطى فعملت على الحيلولة دون امتداد هذا النشاط جنوبا ولذلك لقيت دعوة ستانلي بارسال المزيد من البعثات لاوغنده تأييدا كبيرا وأقبل الشعب البريطاني على التبرع من أجل تاسيس ارسالية مسيحية في اوغنده فتم جمع أربعة وعشرين ألف جنيه ، وعرض المبلغ على جميعة الكنيسة التصنيرية في مقابل الزامها بارسال بعثتين الأولى في كاراجوي والثانية في اوغنده خاصة وأن شعب كاراجوي مسالم كما أن رومانيكا أكثر هدوءا من موتيسا.
وأوحت اللجنة بأن يسلك المنصرون طريق افريقيا الشرقية وأن يرسل كتابا الى جوردون لطلب مساعدته وأن يطلب حماية سلطان زنجبار لتأمين طريق الارساليتين حتى انيانيمبي وان تقدم الهدايا لموتيسا ورومانيكا (1).
تطوع للعمل كل من الضابط البحري شير جولد سميث والمهندس ألكسندر ماكاي والقس ويلسون والمهندس المعماري اونيل ، وجون سميث، وهو طبيب من أدنبره وفي 22 يونيو 1877 سمع موتيسا للبعثة بدخول ابلاد فكان سيرجولد سميث وويلسون أول من دخل المملكة من جمعية الكنيسة التنصيرية (2).
تمكنت الارساليات المسيحية سواء البروتستانتية أو الكاثوليكية خلال خميسن عاما من غرس المسيحية ونشر تعاليمها في جميع أنحاء البلاد وزاولت البعثات الانجليكانية نشاطها في اوغندا، بونيرو، تورو، بوسوجا، وألجون. أما البعثات الكاثوليكية الفرنسية ويمثلها جمعية الآباء البيض فقد مارست عهملها في بونيرو وتورو وبوجندا جنبا الى جنب مع الارساليات البروتستانتية (3). 

Tuesday, March 15, 2016

التعددية الدينية والمذهبية في زنجبار والتعايش السلمي

 
التعددية الدينية والمذهبية في زنجبار والتعايش السلمي
بغداد – وكالة انباء الاهرام الدولية – ثقافة- الاثنين 28 سبتمبر 2015
بقلم د/ صالح محروس محمد
باحث ومحاضر في التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة بني سويف
salehmahrous@gmail.com
لقد كان انتشار الإسلام في شرق أفريقيا نتيجة رحلات تجارية ولم تكن الدعوة الإسلامية مقصدها بل كانت التجارة هدفها وغايتها ولم يكن له مبشرون يسيرون في البلاد , ومع ذلك فلقد تغلغل إلى الأهالي والسكان من الوطنيين وأصبحنا نرى أمثلة من الورع الشديد والتقوى الزائدة التي لا تقوم إلا من نفس تشربت الدين في طفولتها عن أبوين هما أيضا على درجة كبرى من التقوى والورع حيث لم يكن الإسلام فقط عقيدة ولكن أيضا حضارة وكان عاملاً حيوياً في تكوين المجتمع السواحيلي
ومن أهم مظاهر التأثيرات التي أحدثها العرب في شرق أفريقيا انتشار الإسلام والذي بدوره أحدث تغيراً هائلاً في كل أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والسلوكية فقد أضفى الإسلام على حياة الذين اعتنقوه طابعاً اجتماعياً وحضارياً بعد أن استعربوا وقد شجع الإسلام بتعاليمه ومُثله الإنسانية على التزاوج بين العرب المهاجرين والسكان الإفريقية من المسلمين مما أدى إلى ظهور جماعات كثيرة اختلطت دمائهم العربية بالدماء الزنجية فولدت الشعب السواحيلي
جمع الإسلام أغلبية السكان في زنجبار رغم الاختلافات الإثنية للناس ولا يوجد أسرة عربية تدعى نقاء الدم العربي ولكن اختلطت دماؤهم بالتزاوج . وكان الطابع الإسلامي الغالب في النواحي القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية والمحاكم الإسلامية ولقد كان المسلمون في زنجبار حوالي 4/5 السكان أي ما يقرب 90% من السكان وذلك على المذهب السني وبينما الأقلية الحاكمة على المذهب الإباضى مذهب الارستقراطية العربية من السلاطين العمانية .
انظر الجدول رقم (1) الذي يوضح الديانات والمذاهب في سلطنة زنجبار عام 1948 م .
الديانات والمذاهب في زنجبار وبمبا عام 1948
الديانة أفارقة البر الأصلي الأفارقة المحليين عرب أسيويون قمريون إجمالي
مسلم( إجمالي))
وبتحليل الجدول السابق يتضح لنا :
1-أغلبية سكان زنجبار يدينون بالإسلام على المذهب السني من جميع السكان من أفارقة البر وأفارقة المحليين وعرب وأسيويين وقمريين 90% من إجمالي السكان آنذاك(265) ألف نسمة وهم حوالى255.510
أما باقي السكان ما بين مسيحي وهندوسي وديانات أخرى مثل السيخ وغيرها.
2- المسلمون على المذهب الإباضى أغلبهم من العرب لأنه مذهب عرب عُمان والفئة الحاكمة .
3- يوجد بعض المسلمين على المذهب الشيعي أغلبهم من الهنود. وبعض المسلمين على المذهب الشيعي.
4- يوجد بعض المسلمين أتباع الطرق الصوفية مثل القادرية والشاذلية.
5- يوجد ديانات أخرى مثل المسيحية حوالى3.390 أغلبيتهم من أفارقة البر من تنجانيقا والبعض من الأفارقة المحليين والهنود .
6- يوجد عدد من الذين يدينون بالهندوسية 3.800 كلهم من الهنود.
7- كما يوجد ديانات أخرى مثل السيخ و بعض اليهود من أيام السيد سعيد بن سلطان.
والسبب في انتشار المذهب الشافعي (أهل السنة ) لأن السلطة الحاكمة التي جاءت بالإباضية من عُمان لم تهتم بفرض اعتناقه على الناس وإنما كان السيد سعيد يدعو إلى البقاء بين الجميع في جو من الإخوة والتفاهم دون التعصب لمذهب . فسمة التسامح والاعتدال الذي عٌرف المذهب الإباضى به فلم يكرهوا أحداً على الدخول في مذهبهم . ويقول ترمنجهام أن سبب انتشار المذهب الشافعي في منطقة شرق أفريقيا بسبب أن الإسلام الذي دخل في تلك المنطقة قدم إليها من جنوب الجزيرة العربية ( اليمن) . بالإضافة إلى سلاسة وبساطة المذهب الشافعي السني .
والجدير بالذكر أن المذهب الإباضى أحد المذاهب الإسلامية من الخوارج وترجع التسمية إلى أتباع جابر بن زيد نسبة إلى عبد الله بن إباض الذي تعتبره الغالبية العظمى من المصادر الإباضية مؤسس المذهب الإباضى لتلك الفرقة ولقد انتقلت قيادة الإباضية في الخليج العربي من البصرة إلى عُمان في القرن الثالث والرابع الهجريين
و الإباضيون هم أكثر الخوارج اعتدالاً وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً وأبعدهم عن الشطط والغلو وتسامحا مع الفرق الأخرى وهم أكثر بُعداً عن البدع حيث عارض أتقياء الإباضية تبجيل الأولياء الموتى وضد إقامة الأضرحة والاحتفالات الشعبية الخاصة بذلك وهو المذهب الذي يلتزم به أهل عُمان وأنتقل المذهب مع التجار إلى ساحل شرق أفريقيا وكان لدعاته دور كبير في نشر الإسلام واللغة العربية وترسيخ مبادئ الإسلام في شرق أفريقيا
ويطلق المذهب على المسئول عن الجماعة الإباضية كلمة (إمام )وهو الشخص الذي ينتخبه زعماء القبائل والمشايخ في عُمان ورجال الدين وأهل الحل والعقد ويجب أن يكون خالياً من العيوب الجسمية ويتصف بالورع والتقوى والتواضع والإلمام بالعلوم الدينية لقد تراجع المذهب الإباضى بعد الاتحاد بين زنجبار وتنجانيقا وتحولت المساجد الإباضية إلى المذهب الشافعي وحدث تراجع في العلم الديني في زنجبار منذ عام 1953 .
بالإضافة إلى ما سبق من الفرق الإسلامية في زنجبار كان يوجد أيضا الطرق الصوفية وأكثر هذه الطرق انتشاراً في شرق أفريقيا الطريقة القادرية والتي كانت مرتبطة بالساحل ولها أتباع كثيـرون ويرجع انتشار الطريقة القادرية في زنجبار إلى جهود الشيخ عويس بن محمد البراوى الذي ولد في براوه في ساحل الصومال الجنوبي في عام 1847 ومنها إلى المناطق الداخلية في تنجانيقا ثم امتدت إلى حوض نهر الكونغو , وصارت هذه الطريقة من أكبر الطرق انتشارا وصار أقطابها من أبرز رجال الدعوة الإسلامية في أفريقيا الزنجية بشكل عام . ولقد ساهمت هذه الطرق في نشر الإسلام , ومن هذه الطرق الطريقة الشاذلية.
وانتشرت المساجد في سلطنة زنجبار , ففي مدينة زنجبار بالأخص مدينة ستون تاون ston townالقديمة الجزء الغربي من مدينة زنجبار تغطى حوالي 80 فدان انجليزي هكتار hectares وعدد سكانها 18.000 بها حوالي خمسون مسجداً , ويرجع ذلك إلى معرفتهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (من بني لله مسجداً بني الله له بيتاً في الجنة)، ولأهمية المساجد في حياة المسلمين حيث تعد مراكز تعليمهم وإقامة شعائرهم والاتصالات الاجتماعية الهامة وكان لكل من هذه المذاهب السابقة مسجده الخاص .
واعتنق الهنود الإسلام وكان منهم عدد من المسلمين على المذهب الشيعي مثل الشيعة الإسماعيلية والإثنا عشرية ولقد اعتنق بعض الهنود في زنجبار الهندوسية وهى ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند , وهى ديانة تضم مجموعة من العادات والتقاليد وعبادة الأجداد وعبادة البقر بشكل خاص وتتخذ آلهة عديدة فلكل منطقة إله يتقربون إليه بالعبادة والقرابين وتعنى بتناسخ الأرواح ويوجد للعقيدة الهندوسية العديد من المعابد في زنجبار وبمبا لخدمة الجماعة الهندية لديهم , ويوجد عدد من عائلات السيخ في الجزيرتين ليس لديهم معبد ويؤدون شعائرهم في بيوتهم ولكن عددهم قليل .
ورغم التعددية الدينية في زنجبار وكذلك المذهبية كان التسامح هو عنوان الحياة في سلطنة زنجبار إلى أن وقعت تحت الحماية البريطانية 1890 فتبعت بريطانيا سياسة خلق الطائفية مستغلة التعددية العرقية والدينية لزنجبار إلي أن أنهت على الحكم العربي لزنجبار في يناير 1964 بمؤامرة دولية .

Saturday, March 12, 2016

يوميات عُماني في جزر القمر

 
الفلق الالكترونية 16 ديسمبر 2013
 
سليمان المعمري
 
عن القمر وجُزره سأكتب .. عن أهله الذين يشبهوني وكأنهم أنا ، أو كأنني هم .. عن دشاديشهم البيضاء وكمتي الملونة .. عن قرنفلاتهم التي ترقبني وأنا أغذ السير في طريق أخضر .. عن موائدهم العامرة بالحُبّ والحَبّ .. عن مائهم الذي تهرقه السماء دون أن تدري أن الأرض كسولة .. سأفرك يدي باللانج لانج لتطير الرائحة من موهيلي حتى الردة .. سأكتب عن عينين مكحولتين بالفقد تتذكران أمجاد زمن غابر .. عن شمس تعرف متى تشرق بالضبط بدون واسطة، عن نور لا يعترف بالكهرباء .. سأكلل عنقي بورد النسوة المجللة وجوههن بالبياض والزغاريد .. سأفتح عيني على رجل يُحْمَل إلى الحياة في محفة موتى .. سأرسل قبلة هوائية إلى شاعر قمري علمني أن “الجبيرة توضع في العضو المكسور” .. سأستحم في بحيرة عذبة تنذر ماءها للزهاد .. سأسقط دلوي في بئر مليئة بالذهب  .
الأربعاء 12 يونيو 2013 : عرس سلطاني في دوموني
 3ors
“العادات العربية تموت في بلاد العرب وتحيا هنا” ، هكذا لخص د. محمد المحروقي رئيس وفدنا إلى جزر القمر في كلمته إحساسنا نحن العمانيين ونحن نشاهد رقصات عمانية يؤديها قمريون وهم يرتدون زيهم التقليدي ، أي الدشداشة والكمة، متلفعين بعباءات خُضْر .. كان هذا حفل استقبالٍ مبيتاً من البارحة كما أخبرنا قاسم القمري مترجمنا الذي ينتمي إلى هذه المدينة الجميلة “دوموني” ، المدينة الثانية في جزيرة هنزوان بعد عاصمتها “ماتسامودو” .. لم تكن صدفة أن يحملونا إلى هذه الحارة بالذات التي يطلقون عليها هنا “حارة عُمان” ، نسبة إلى المسجد الذي بني فيها منذ مئات السنين واسمه “مسجد عُمان” .. لعله هو عينه المسجد الذي تحدث عنه الدكتور سيد هاشم في محاضرته في هنزوان وهو الذي قال انه أسسه العمانيون في القرن الثامن الميلادي ، ومع مرور الوقت سقطتْ العين من اسمه فتحول إلى “ماني” فقط .. أدخلونا بقايا قصر لأحد حكام عُمان كما قيل لنا ، ولم نجد كبير صعوبة في تصديق ذلك فقد كان طرازه المعماري يحاكي الطراز العماني بالفعل ، دهاليز تسلمنا إلى دهاليز أخرى كبيت جحا ، سلالم حجرية كبيرة .. وروزنات كبيرة  .. تذكرت كلام مهنا السعدي في محاضرته في موروني قبل يومين عن وضوح تأثير المعمار العماني في البيوت القمرية، في النوافذ والأبواب وغيرها .. وعندما خرجنا لفت نظرنا رجل يرتدي العمامة البوسعيدية وخنجرا فوق دشداشته وكأنه من الأسرة الحاكمة في عُمان فتناوبنا التصوير معه .. عرفنا أن هذا هو أحد الأزياء التقليدية لأهالي هذه الجزر .. كان الرجل كريما معنا .. احتملنا بصبر وأناة ونحن نصور معه واحداً تلو الآخر ولسان حاله يقول : “لا أصدق أنكم لم تصوروا مع رجل مثلي في بلادكم ” .. في الخامسة عصرا بدأ حفل الاستقبال بالرقصات والأهازيج الشعبية بينما النسوة ترقبن المشهد من أسطح المنازل ، ينظرن بحبور لرجالهن وهم يرحبون بضيوف منتَظرين .. صاحب العمامة السعيدية يقتحم المشهد بعرسه السلطاني .. ويا له من عرس هذا الذي يُحْمَل فيه العريس على محفة خشبية تشبه طارقة الموتى .. أربعة رجال يحملون الطارقة ويمشون بها بين الحضور كما يمشون بجنازة، بينما يتربع العريس بعمامته السعيدية و”بشته” وابتسامته الكبيرة على كرسي أعلى المحفة .. فهمنا بعد ذلك أن حمل العريس بهذه الطريقة مقصود لإرسال رسالة له بأنه غير مسموح له فك ارتباطه بزوجته إلا في القبر ، تماماً كالزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه .. لم تفت هذه الإشارة على السياسي الذكي حامد برهان – رئيس البرلمان القمري الذي يتبعنا أينما يممنا – عندما خاطب رئيس وفدنا بالقول “لأنك دكتور فلن يصعب عليك قراءة رسالة غير مكتوبة من هذا” ، وأضاف : ” انه عرس العلاقة العمانية القمرية ، هذه العلاقة التي ستستمر إن شاء الله إلى الأبد”
الأثنين  8 يونيو 2013 : “زواج كبير” في قاعة صغيرة
“مما يُروى أن الزواج الكبير جاءنا من عُمان” ، هكذا علق الدكتور نور الدين باشا أستاذ النقد الأدبي بجامعة جزر القمر وهو يعرض علينا رواية “مثل كل الأشياء الرائعة” .. كان لافتاً أن يحضر روائي سعودي في أمسية سردية عمانية قمرية .. ولكن إذا بطل العجب عُرف السبب .. فالرواية الصادرة عام 2004 لمؤلفها الدكتور عبدالله صالح العريني، والفائزة بجائزة المركز الوطني للتوثيق للبحث العلمي بموروني ، تقدم بشكل أدبي الحياة في جزر القمر وعاداتها والتي من أهمها عادة “الزواج الكبير” .. لم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذه العادة ، فقد سبق أن عرفتُ عنها قبل يومين من سعيد القمري ونحن عائدون في السيارة  – هو وسليمان الصقري ومحمد الحضرمي وأنا – من السوق الشعبي في فولو فولو .. يقول سعيد : “قبل حفلة الزواج الكبير يمنع المرء من ارتداء العمامة السعيدية ، ولا يُقدم في المجالس ، ولا في الصف الأول في الصلاة .. وقد يكون المرء تزوج منذ سنوات طويلة وأنجب أولادا كبارا ، ولكن لن يُعترف به أو يحظى باحترام ما لم يقم حفلة “الزواج الكبير” هذه التي هي بحق بمثابة إعلان إفلاس هذا المحتفِل ، فهو يدعو الناس من كل حدب وصوب ، ولا يكتفي بتقديم وليمة الغداء أو العشاء ، بل ويقدم لكل ضيف منهم مبلغاً من المال كمصاريف للتاكسي الذي سيعيده لبلدته ! “.. سأصدق الآن إشارة نور الدين باشا بأن هذه العادة وصلتهم منا نحن العمانيين ، خير من يتفنن في قصم ظهور الشباب بالمصاريف الباذخة ، الفرق فقط أن “زواجنا الكبير” وتكاليفه الباهظة تتم قبل أن يهنأ الشاب بزواجه كما لدى القمريين ، بحيث يبدأ حياته بدَيْن كبير قد تنقضي حياتُه قبل أن ينقضي .. ومن هنا بدأ تمرد الشباب على مثل هذه العادات البالية : لدينا في عُمان بإقامة حفلات الزواج الجماعي التي كان آخرها – قبل كتابة هذه السطور بأيام – احتفال عرس جماعي في صحم ضم أكثر من مائة شاب.. أما في القمر فإن هذه العادة في طريقها للتلاشي – كما يقول سعيد – بفضل الوعي المتنامي للشباب ، خاصة أولئك الذين أوتوا نصيبا من التعليم . ويضرب مثلا بشاب حاصل على ماجستير في الحديث من السعودية منعه أهل قريته من أن يؤمهم في الصلاة لكونه لم يقم حفل “زواج كبير”، لكن أقرانه الشباب دافعوا عنه وأقنعوهم أن هذه عادة بالية ..
          وإذا كان “الزواج الكبير” عادة رجالية ، فان ” مْسِندَانُ ” عادة نسائية ، وهو معجون أبيض تضعه النساء القمريات على وجوههن للزينة، شبيه إلى حد كبير بالـ”دهان” الأصفر الذي تضعه جداتنا العمانيات على وجوههن .. يقول سعيد القمري إن هذا الـ ” مْسِندَانُ” يستخرج من ثمر شجرة ويطحن ، ثم يوضع على الوجه لزيادة نضارته وتقوية النظر .. وكم من ” مْسِندَانُ” رأيناه في هذه البلاد ..
السبت 14 يونيو 2013 :  هل استعبدناهم ؟ 
” نيلسون مانديلا مات” .. قال بدر الشيباني ونحن نقتعد استراحة فندق ليزابو في موهيلي .. انه لأمر محزن أن يغادرنا هذا الرجل الأسطورة الذي علم العالم معنى الحرية .. لحسن الحظ لم يكن الخبر أكثر من “إشاعة واتسب” .. كل ما في الأمر أن حالته الصحية حرجة وهو يرقد في المستشفى .. عندما أعود إلى عُمان سأسمع وزير خارجية العالم بان كي مون يقول “إن العالم بأسره يصلي من أجل مانديلا” .. في هذه الفانية التي تعد نحو سبعة مليارات إنسان فان بشرا قلائل لا يختلف الناس بشأنهم ، منهم هذا الرجل التسعيني النحيل الذي قضى نحو ثلث عمره في السجن ليحرر أقرانه من عنصرية الرق والاستعباد .. الاستعباد صفة التصقت بالقارة السمراء ، لأن خيراتها كثيرة وأهلها فقراء ومصابون بالمرض ولجهل .. تكالب الاستعمار الفرنسي والبريطاني والبلجيكي على خيراتها واسترقُّوا أهلها ، ثم رموا التهمة على العرب الذين لهم وجود في أفريقيا منذ آلاف السنين .. عندما يقولون “العرب” فلا أشك أن العمانيين الذين كان لهم وجود كبير في أفريقيا منذ مئات السنين هم المقصودون .. هل حقاً استعبد العمانيون الأفارقة ؟! .. قال زميلنا المصري زين العابدين كمال مخاطباً أهل جزيرة موهيلي وهو يعض على حروفه : “أمضيت عشر سنوات أكتب عن تاريخ جزر القمر ، العمانيون جاؤوا إليكم بالخير والبركة .. لم يستعبدوكم “. قبلها بعدة أيام كان الباحث سليمان الحسيني صاحب الكتاب المهم “الحملات التنصيرية في عُمان” يقول في محاضرته بمبنى البرلمان بجزيرة انجازيجا بجرأة يُحسَد عليها : ” إننا لا نستطيع أن ننكر أن العرب والعمانيين كانوا يستعبدون الأفارقة ، ولكن ليس بالطريقة التي يصفها الغرب في مؤلفاتهم ، وهم – أي الغرب –كانوا أشد بشاعة في هذا الرق من العرب” ، وأضاف : “إن علينا لتجاوز هذا الأمر أن نمتلك شجاعة الاعتذار من الأفارقة على ما حصل” .. كلام كهذا أثار حفيظة بعض أعضاء الوفد الذين يرون أن في هذا تجنياً على الدور العماني في أفريقيا التي أدخلوا إليها الإسلام منذ القرن الثامن الميلادي .. وهذا التاريخ بالذات هو تاريخ دخول العمانيين جزر القمر ونشرهم الإسلام فيها في عهد الإمام الجلندى بن مسعود ، ويؤكد المسعودي في “مروج الذهب” أن مدينة كمبالو القمرية فتحت عام 828 م على يد الأزد الأباضيين .. استمر الوجود العماني في أفريقيا حتى مذبحة عام 1964، أي بعد 59 سنة فقط من وفاة تيبو تيب، هذا الرجل العماني الأسطورة الذي لعب دورا في ترسيخ الوجود الأوروبي في أفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .. لقد كان له نفوذه الواسع في البر الأفريقي، وقضى على بعض الحكام الزنوج وتحكم ببعضهم الآخر بشكل مطلق ، عزلا وتثبيتا، وذلك بغرض توطيد تجارته بالسيطرة المطلقة على مصادر العاج، خاصة ، وتأمين طرق تلك التجارة.. وقد نجح تيبو تيب في تأسيس وتوطيد النفوذ البلجيكي فيما يعرف بمنطقة الكونغو، من خلال تأسيس مدن متفرقة ورفع العلم البلجيكي عليها، ومن خلال استمالة الزعماء العرب والزنوج لهذا الدولة، وفرض العشور – حسب تيبو تيب – أو الضرائب على تجارة العاج…  كان د. محمد المحروقي مترجم سيرة تيبو تيب إلى العربية حريصا على تعريف القمريين به في الأمسية السردية بمبنى البرلمان .. لكن النص الذي قرأه من سيرة حمد بن محمد المرجبي  ( وهذا هو الاسم الحقيقي لتيبو تيب ) سيثير بعد ذلك تساؤلا نصف بريء من أحد الحضور .. يقول تيبو تيب فيما نقله عنه المحروقي : ” كانت المجاعة متفشية في ساحل مريما. عبرنا طريق (أوروري) باستخدام رجال من قبيلة (كينيا مويزي) ، الذين رفضوا عبور الطريق مما اضطرني إلى مفاوضة قبيلة (وزارامو) المعروفين بأنفتهم من الاستخدام لكنهم قبلوا لما عانوه في الفترة الأخيرة من الجوع والتعب . عمل عندي سبعمائة رجل ، غادرنا بتجارتنا زنجبار .كان طعام الحمالين الذرة التي نفدت في الطريق مما جعل الحمالين يقاسون ضغط الأحمال على بطون خاوية . وما إن وصلنا إلى مكامبا حتى اشتريت مؤونة تضمن عدم نقص التغذية على الحمالين مرة ثانية . وزعت المؤونة لكل شخص ما يكفيه مدة ستة أيام واحتفظت بالكمية المتبقية . في اليوم المضروب للسفر لم أجد الحمالين فقد تفرقوا في القرى المجاورة ، وقد هالني الأمر إذ لم أجد أحدا البتة . بعثت إلى أخي محمد بن مسعود الوردي وأمرته أن يلحقني ببندقيتي وملابسي وبمجموعة من الخدم … وبعد ساعات قليلة كانت لدي قوة من السلاح والرجال ، وفي الصباح توجهت إلى قرية الحمالين ، وجمعت كبار السن بها وأقارب الحمالين فبلغوا على الجملة مائتي رجل . ضرب أهل القرية طبولهم للتجمع فجاء الحمالون الذين رأوا ما صنعت فأظهروا لي الطاعة وعادوا معي . واصلت الطريق لتجميع الحمالين فجمعت ثمانمائة رجل . لقد لقبوني بعد هذه العملية بـ (كينجوجوا) أي الضبع الأرقش ذلك الوحش الذي ينقض خاطفا هنا وهناك . وأطلقوا لقب (كومبا كومبا) على أخي وهو لقب يطلق على الشخص الذي يفتك بكل أحد ” .
ما إن فرغ أبو ميسون من قراءة هذه اليومية التيبوتيبية حتى باغته الباحث عبدالله الغافري بسؤال : “هل كان الحمالون عبيدا؟” .. نفى المحروقي بشدة ، مؤكدا أنهم لو كانوا عبيداً للمرجبي لما تفرقوا في القرى المجاورة بدون علمه ، ولما لاقى مشقة في تجميعهم .

الأحد 9 يونيو 2013 : الرقص في امبيني
 raqs
نحن اليوم مدعوون لحفل غداء في بيت الدكتور حامد كارهيلا ، السفير والدبلوماسي السابق في جزر القمر ، وقبل هذا الباحث المتمكن الذي أخرج للمكتبة العربية كتابين مهمين عن العلاقات القمرية بحكام دولة البوسعيد ، وعن السلطانة جومبيه فاطمة .. تبعد “امبيني” عن موروني العاصمة سبعين كيلومترا فقط ، ولكن لا يظنن ظان أن الطريق إليها قصير .. في الطريق توقفنا في مدينة باغوي ( أو بانجوكوني حسب النطق الفرنسي ) .. إنها مدينة أسسها قبل مئات السنين رجل عماني من صور اسمه سالم .. كان أهلها فرحين بنا واستقبلونا بالأهازيج ، وعلمتُ من مرافقنا في الرحلة أن الرقصة الصورية التي شاهدناها في حفل افتتاح الأيام الثقافية العمانية القمرية قبل يومين كانت من رقص هؤلاء .. وقفنا في صفين متقابلين في مجلس القرية حديثِ البناء .. كانوا يرحبون بنا بـ”السلام عليكم” و”كيف الحال” وبعض الكلمات العربية السهلة ،.. كانوا يشبهوننا تماما ، بتعبير أدق يشبهون أهلنا في صور حد التطابق وان لم يكونوا يجيدون العربية .. كلا، لم تكن مجرد دعابة أن يقول صديقنا المصور عامر فليت انه يشعر أنه في “العيجة” .. ولم تكن مبالغة أو محض دبلوماسية من محمد المحروقي عندما خاطبهم بالقول :”كأننا أسرة واحدة تفرق أعضاؤها ثم تلاقَوا بعد أمد طويل”، وليست شطحة أكاديمي أن يقول رئيس الفرع الهنزواني لجامعة جزر القمر بعد ذلك بثلاثة أيام أنه ” لو التقطنا بعض القمريين من الخارج وأرسلناهم لعُمان فلن يستطيع الناس هناك التفريق بينهم وبين العمانيين”.
          تركنا باغوي وغذذنا السير.. في الطريق توقفنا للتصوير أمام بحيرة لاكساليه ، لون مياهها كالح كلون البحر ، ومع هذا يقولون إن مياهها عذبة .. تقول الأسطورة القمرية إن أحد العباد الزهاد بلغ منه العطش مبلغا عند هذه البقعة التي كانت صحراء قاحلة ، وما إن رأى امرأة عجوزاً حتى توسل إليها أن تسقيه ، ولكنها رفضت رغم وجود الماء وتركته يواجه ظمأه ، فكان أن أجرى الله تحته هذه البحيرة .. قلتُ لأحد سائقي الرحلة أن يصورني أمام البحيرة بحيث تكون في الخلفية ، ولكني اكتشفتُ بعد أن غادرنا أنني نسيت تضبيط الهاتف النقال فكان أن صور السائق وجهه ! .
          وصلنا امبيني في الساعة الواحدة والنصف ظهرا ووجدنا بانتظارنا في مجلس الدكتور كارهيلا مائدة عامرة بأطايب الطعام .. وبعد أن تلا الشيخ خميس العدوي دعاء الانتهاء من الأكل ، وتبادلنا الخطب المرحبة والشاكرة توجهنا إلى ميدان الاحتفال في امبيني .. حشد كبير من أبناء المدينة كانوا بانتظارنا ، والنسوة يسيجن ساحة الحفل بزغاريدهن .. أنشد أحد أبناء امبيني بلغة عربية فصيحة : ” في الأراضي القمرية ، جزر القوم النقية ، كم بدت شمس زهية ، في البروج العلوية” .. ثم بدأ الرقص .. رقص المضيفون أولاً .. ثم قام الدكتور كارهيلا حاملا عصاه وهو يتبختر كأسد نشوان ، تبعه المحروقي بعصا مماثلة ، ووراءهما سيف الحارثي ، الذي ما لبث أن سلمني عصاه فرقصتُ وتراقصتُ كسنجاب نشوان وأنا أنظر للنسوة المبتسمات في الشرفات ..
لقد كانت امبيني مدينة يشعر فيها المرء بالسعادة .
الأحد 9 يونيو 2013   : البحث عن حامد برهان
hamed
يحدث أن يتأخر المرء عن حامد برهان .. يحدث أن يكون منهمكا في الصلاة فيفضل إكمالها في الغرفة 125 من فندق رتاج على الرد على المكالمة التي ترن بشدة … ويحدث ألا يكون حامد برهان بحاجة إلى برهان لإثبات أنه رئيس برلمان .. البارحة كان يعاتبنا أننا نحن العمانيين نسينا القمريين في زحمة انشغالنا بالتنمية ولقمة العيش .. ولكني كنت أصلي ، وﻻ أظنني بحاجة لبرهان لإثبات أن صلاتي أهم من برهان ..
لم تمض أكثر من ثلاث دقائق على الاتصال حتى كنت في بهو الفندق لأجد اللا أحد .. انشقت الأرض فابتلعت الحشد الذي كان يجعل “رتاج” يرتج بفوضاه … لا بأس .. أنا متعب من رحلة “امبيني” وهذه فرصة ﻷخلد إلى الراحة .. ولكن مهلا .. انه حامد برهان .. كيف يذهب هؤلاء الأوغاد بدوني !!.. ألم يستقبلنا يوم الجمعة في يوم إجازته ليقول إننا – نحن العمانيين – الذين علمناهم الحفاوة والكرم ؟! .. ألم يسمعوه يقول وهو تخنقه العبرة : “هل العمانيون الذين علمونا وربونا، نسونا ؟!”.. ألم يسألنا إن كانت الخارجية القمرية قد قصرت في استقبالنا وضيافتنا ليحاسبها في البرلمان ؟! .. أبَعْدَ هذا كله أتخلف عن دعوته ؟! .. تا الله ﻷتبعن هؤلاء الأوغاد في تاكسي … وما هي إلا دقيقة حتى وقف السائق أمام مدخل الفندق .. قلت له بإنجليزية مكسرة :
” i want  Hamed Burhan ” ..
بدا  أنه لا يعرف من هو حامد برهان ، ولا غرابة في هذا ، فلا كرامة لنبي في وطنه .. سألته :
“do you speak inglish?”
فهز رأسه بالنفي ..
“do you spesk arabic?”
هز رأسه مرة أخرى وأضاف:
“do you speak frinch?”
رددت بانجليزية فصيحة :” No”..
فكانت هذه كلمة السر .. فبمجرد أن نطقت الكلمة أشار لي بيده أن اركب .. لا بد أنه اهتدى لطريقة ما توصله لمنزل المدعو حامد برهان وإلا لما أمرني بالركوب .. يحدث أن يعرف رجلان أربع لغات كاملة دون أن يستطيعا التفاهم .. لا قمريته ولا فرنسيته قربته مني ، ولا عربيتي وانجليزيتي المكسرة هدته السبيل.، فأنا حتى نسيت معنى “رئيس برلمان” بالإنجليزي .. بعد أن سار مسافة دقيقتين سألته ليطمئن قلبي :
”  do you know were is Hamed Burhan ,s house
  رد كمن فهمني على الفور : No
قلت بعصبية : عب حال موه تقول لي : اركب ؟!!..
علي الآن أن أتصرف بحكمة وبدون عصبية .. فهذه بلده وهو يخبر طرقاتها ومنعرجاتها جيدا ، كما أنني سليل قوم كان لهم حضور فاعل في جزر القمر فنسوها لدرجة العتاب من رئيس برلمانها .. فليس عليهم الآن أن يتباكوا على هذا الحضور .. اقترحت عليه وأنا أعض على أسناني بما أوتيت من انجليزية مكسرة أن يقف ﻷسأل أحد المارة .. فما أكثر الذين يجيدون العربية في هذه البلاد لكن حظي العاثر هو الذي أوقعني بهذا “المتفرنس” .. وقفنا فوجدنا شابا أسمر يتمشى هو وحبيبته (أم تراها زوجته ؟! ) واتضح أيضا أنه “متفرنس” ولكنه لحسن الحظ يعرف حامد برهان على ما يبدو .. فبمجرد أن نطقت الاسم رفع يديه أعلى رأسه دلالة أن هذا الذي أسأل عنه رجل ضخم .. ثم سألني ليتأكد :  ?house  .. قلت :yes .. فتوجه إلى السائق وطفق يرطن كلاما قمريا كثيرا معززا بحركات يديه التي تشير إلى الاتجاهات فاطمأن قلبي أخيرا .. فقد بدا عارفا لمكان البيت بالضبط .. ركبت حبيبته بجانبي في المقعد الخلفي فيما يبدو انتهازا لفرصة وجود تاكسي ثم ما لبث أن غيرت رأيها وترجلت قبل أن يتحرك التاكسي ..
في الطريق كان السائق يتوقف ، على طريقة سائقي عُمان ، لكل من يرفع له يده ، حتى وان كان رجلا يتثاءب في الشارع في هذا النسيم القمري العليل الذي يغري بالنوم .. أربع لغات بيننا لم تستطع إفهامه أنني أريد هذه التوصيلة على حسابي! .. كنت أقضي الوقت باللعب في هاتفي وأنا أقول داخلي :” لا بد أن الأوغاد قد وصلوا الآن ” .. بعد حوالي ربع ساعة تخللتها عدة توقفات لحمل هذا وإنزال تلك وصلنا إلى منزل حامد برهان .. هكذا فهمت من إشارته لي بالنزول .. من فرط فرحتي سألته :
are you sure? …
وهبطت .. كان المكان مظلما بما لا يوحي أنها منطقة يسكن فيها رئيس برلمان .. توجهت والسائق ورائي إلى شابين يقفان على مقربة من المنزل ، واتضح أيضا أنهما لا يجيدان العربية .. ولكن بالإنجليزية المكسرة فهمت منهما أنه بالفعل منزل حامد برهان الذي خرج مع ضيوفه إلى مكان ما  لا يعلمانه ..
قلت لسائق التاكسي : أعدني إلى فندق رتاج
الخميس 13 يونيو 2013 : إلى موهيلي بطائرة خاصة
ليس إكليل ظنين عدواً للورد ولكن الرحلة إلى حديقة الزهور ضاعت بسببه .. وها نحن الآن نقاتل الانتظار في مكتب محافظ هنزوان أنيس شمس الدين لنودعه قبل أن نتوجه للطائرة الخاصة التي أمر بها فخامة الرئيس .. كان مفترضا اليوم أن نزور إضافة إلى حديقة الزهور بعض الأماكن التي بها مخطوطات على أن نغادر لموهيلي عصر غد الجمعة .. صباحاً أخبرنا المحروقي أنه تلقى اتصالا البارحة من موهيلي يخبره أن الرئيس اكليل ظنين أمر بتوفير طائرة خاصة تقلنا اليوم إلى موهيلي قاضماً بذلك يوما من أيام هنزوان ليضعه في أيام جزيرته التي ولد وترعرع فيها .. إن وراء الأكمة ما وراءها ، خاصة إذا ما علمنا أن هنزوان مازالت تسمي نفسها جزيرة هنزوان المستقلة .. قال حامد برهان الذي يتبعنا كظلنا أينما يممنا في الكلمة التي ألقاها في جامعة هنزوان : ” إن هذه الجزيرة عانت فترة من عدم الاستقرار ، وهؤلاء الشباب تقهقروا عشر سنوات إلى الوراء بسبب عدم الاستقرار” .. عشر سنوات للوراء تعيدنا إلى تأسيس جامعة جزر القمر في انجازيجا ، والتي صارت جامعة هنزوان اليوم فرعا منها..  وإذا ما عدنا القهقرى ست سنوات أخرى ، أي إلى العام 1997 ، سنتذكر أن هنزوان أعلنت في هذا العام انفصالها عن جزر القمر ورفعت العلم الفرنسي في عهد الرئيس الأسبق محمد تقي عبدالكريم الذي حاول إثناءها عن هذا الانفصال بالحوار ، ثم بالقوة ، ولكنه فشل … وفشلت محادثات مدغشقر في مارس 1999 بين الأطراف المتنازعة في جزر القمر ، والتي رفض خلالها الهنزوانيون التوقيع على اتفاقية المصالحة. مهد ذلك الطريق لرئيس هيئة الأركان عثمان غزالي للانقلاب على السلطة القائمة في العام نفسه ، ونجح في إتمام المصالحة عام 2001 قبل أن يقود البلاد لانتخابات مدنية فاز فيها هو نفسه رئيسا حتى عام 2006 .. عندما كنا نتجول في شوارع هذه الجزيرة بمنعرجاتها وحفرها الكثيرة التي تجعل السيارة ترقص كنا ندرك إلى أي مدى بالفعل تسبب انفصال هذه الجزيرة في تأخرها عن شقيقتيها انجازيجا وموهيلي .. أما شقيقتهم الرابعة مايوت فهي خارج المنافسة تماما ، لأن زوجة الأب ( فرنسا )  التي اختطفتها من أمها وشقيقاتها جعلتها في بحبوحة من العيش لدرجة أن راتب أصغر موظف فيها يعادل راتب مدير في جزيرة قمرية .. ونحن بانتظار إذن المحافظ بالدخول عاتبنا أحد أبناء مايوت على عدم وضعها في مخطط زيارتنا .. مايوت الآن مقاطعة فرنسية، وزيارتها تحتاج إلى تأشيرة من فرنسا ، ولكن هذا ليس عذرا كافيا ، فنحن فعلا لم نضعها في حسباننا من البداية .. أحد القمريين المجيدين للعربية علق قائلا إن فرنسا ستسمح لنا بزيارة مايوت ببساطة ، ولكنها بعد أن نعود أدراجنا لبلادنا سوف تُدخِل مسؤولي الجزيرة المنطلقين منها إلى مايوت في سلسلة من التحقيقات والمساءلات حول هذه الزيارة وهدفها ، ومن رتب لها ، ضارباً مثلا بقنصل سعودي في إحدى الدول الأفريقية رتب زيارة لمايوت سنة 2003 جعلت الفرنسيين يجرون تحقيقات حولها .. غير أن محمد المحروقي أوضح له أنه في ذلك التاريخ لم تكن مايوت مقاطعة فرنسية ، بل جزيرة قمرية محتلة ، ومن الطبيعي أن تستنفر فرنسا لأي وجود إسلامي فيها ، أما الآن ، وتحديداً منذ 1 أبريل 2011 عندما أعلنت فرنسا أن مايوت هي المقاطعة الفرنسية رقم 101  فالوضع بات مختلفا .
الجمعة 14 يونيو 2013 : تاريخ محنط !
باري زاهوشا يا أمي ، رغم أني رأيتك بعد الظهر .. باري زاهوشا لأن وجهك صبوح ومشرق وذاهب في الأمل ، وعيناك تشعان حياة، ولكن في مكان آخر ، عيناك بسهامهما اللامبالية ولسان حالهما : “لم يبق من العمر أكثر مما يكفي لابتسامة ساخرة”.. لعلك تسخرين في سرك من هؤلاء الحمقى الذين يستميتون الآن لالتقاط صورة معك وكأنك تمثال من رخام ، صورة تحنطهم معك في ألبوم ، كما حُنِّط من قبل مجدهم الغابر .. ليتني أستطيع أن أخترق هذا الحشد وأتحدث إليك قليلا .. ليتني أعرف بِمَ تشعرين الآن، وما سر هذه النظرة التي تشبه الموناليزا .. يا لهذه النظرة الغامضة الغارقة في البعيد .. تنظر إليَّ وهي لا تنظر إليَّ .. كيف دار الزمان عليك فأصبحتِ فرجة يا أمي، وأنت حفيدة السلطانة التي كان السلاطين يتهافتون لخطبتها .. ما هذه التجاعيد التي تسرد حكاية مُلك زائل .. من علمك هذه البسمة يا أمي ومدام درواة تحللت إلى تراب ! .. مدام درواة التي علمت جدتك السلطانة ابنة السلطان كيف تأكل وكيف تضحك وكيف تحب ..
ها نحن أكلنا وشربنا ما لذ وطاب في بيت الرئيس في موهيلي حتى شبعنا ، لكنني من عينيك لم  أشبع.. ما كل هذا الحزن ؟! .. وأيم الله لو أنهما تتكلمان لطفقتا تسردان حكاية مُلكٍ نزعتْه الأيام : كان يا ماكان، في قديم الزمان فتاة صغيرة اسمها سُودي مات أبوها السلطان فأصبحت سلطانة قبل الأوان.. وكان هناك فرنسيون أشرار يتربصون بالسلطانة فأرسلوا لها مربية تعلمها كيف تكون فرنسية أكثر منهم .. وكانت السلطانة تحب المربية كأمها وتحب موهيلي، وكانت المربية تحب السلطانة كابنتها وتحب فرنسا، ولم يكن بمقدور أي قوة أن تفرّق بينهما إلا السم الزعاف .. ولما ماتت المربية تزوجت السلطانة. وكانت وفية لجميع أزواجها الذين تعاقبوا واحداً تلو الآخر : العربي البوسعيدي ، والأنجواني والملغاشي والفرنسي .. وكان أن ولدت من ضمن من ولدت سلطاناً اسمه عبدالرحمن .. وكان أن خلف هذا السلطان أبناء وحفدة، منهم هذه التي تنظر إليها الآن وأنت تقول : “باري زاهوشا يا أمي “.
السبت 15 يونيو 2013 :  وداعاً
wafd
من المؤكد أن الذي أتى إليك أيتها الجزر الجميلة قبل تسعة أيام، ليس هو الذي يغادر مطارك الآن .. أودعك ممتلئاً بك، عاقدا العزم أن أكتب عنك .. عن أهلك الذين يشبهوني وكأنهم أنا ، أو كأنني هم .. عن  دشاديشهم البيضاء وكمتي الملونة .. عن قرنفلاتهم التي ترقبني وأنا أغذ السير في طريق أخضر ………
تمت .
باري زاهوشا : عبارة تعني باللغة القمرية : صباح الخير .

الجذور التاريخية للعلاقات بين عُمان وجزر القمر

 
الوطن 27 مايو 2015
 

باحث قمري يكشف “الجذور التاريخية للعلاقات بين عُمان وجزر القمر”

بمحاضرة نظمتها جمعية الكتاب والأدباء
مسقط (العمانية):
كشفت محاضرة نظمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء عن الجذور التاريخية للعلاقات بين عُمان وجزر القمر قدمها الباحث والمؤرخ القمري هاشم محمد علي.
وركز الباحث في محاضرته على العلاقات مع جزيرة هنزوان بشكل خاص وتتبع سبب تسمية جزر القمر بهذا الاسم وأعادها إلى مجموعة من العرب التائهين في البحر عندما رأوا ضوء القمر ينعكس على جزيرة (هنزوان) وقالوا هذه جزيرة القمر وعمت التسمية بعد ذلك وهذه القصة معروفة عند الكثير من الباحثين إلا أن هاشم محمد علي أكد أن هؤلاء العرب الذين أطلقوا التسمية هم عرب من عُمان.
وخلال تتبعه لدخول الإسلام إلى جزر القمر بعد سقوط دولة بني أمية في منتصف القرن الثامن الميلادي رأى الباحث أن العرب الذين عناهم المسعودي في كتابه مروج الذهب هم “أزد عُمان”.
ثم تتبع الباحث وصول القبائل العمانية إلى جزيرة (هنزوان) التي كانت في مقدمتها قبيلة الأزد وهم الذين فتحوا “قنبالو” أو “أنجوان”، كما تعرف لدى البعض عام 824م واستقروا فيها لاحقاً داعين إلى الإسلام مؤكداً أن قبيلة الأزد ما تزال لها سلالات في جزيرة “أنجوان”.
ومن بين القبائل العمانية التي وصلت إلى جزيرة “هنزوان” ولا تزال لها جذور هناك قبائل بني خروص والنباهنة والبوسعيد وآل سعد، على أن الدراسات التاريخية تثبت أن 90% من سكان جزيرة (بتي” هم عمانيون من قبيلة آل نبهان وكانوا سلاطين على الجزيرة، ولعبوا دوراً مهماً فيها منذ القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن التاسع عشر.
وبحسب الباحث فإن أول من نزل من العمانيين إلى جزر القمر كان أحمد بن عبدالله القاسمي من سكان مدينة صور وهو مسجل في أرشيف جزيرة “مايوته”.
ويتشابه النظام السياسي في جزيرة “هنزوان” في عصورها الماضية بالنظام السياسي العماني، وقد اتخذت الجزيرة النظام السياسي السلطاني حتى القرن العشرين.
وتحدث الباحث عن العادات والتقاليد في جزر القمر والتي ظهرت أنها نفس العادات والتقاليد العمانية وظل المجتمع في جزيرة “هنزوان” يحافظ بقدر كبير على المؤثرات العربية البارزة في الملبس وفي المناسبات الاجتماعية والدينية.
وما زال سكان الجزيرة من الأصول العربية يحافظون على أزيائهم العربية والأسماء العربية وعلى القبيلة والدين الإسلامي، وما زال الناس هناك يلبسون الدشداشة العمانية.
وجاء في المحاضرة أن اللغة العربية لا تزال موجودة في جزر القمر وتعتبر لغة رسمية رغم أن اللغة الفرنسية تسيطر أكثر من غيرها على الجزر، والناس ما زالوا يفهمون اللغة العربية رغم عدم قدرتهم على المجاراة بالحديث بها.
وأكد المحاضر على أن هناك مدارس لا تزال تدرس باللغة العربية ولكن بشكل أقل من المأمول في دولة كان للعرب فيها حضور كبير.
وتحدث الباحث عن علاقات سلاطين عمان بسلاطين جزر القمر والتحالفات التي تمت عبر القرون الماضية وركز على الارتباط الكبير بين الملاحين العمانيين والملاحين ” الهنزوانيين” مشيرا بأن الخبرة التي اكتسبها الأخيرون هي آتية من خبرة الملاحين في مدينة صور العمانية التي كان يفد أهلها كثيراً إلى جزيرة “هنزوان”.

جزر القمر ما زالت تحتفظ بالعادات العمانية


بوابة القاهرة ،1 يونيو 2015



باحث تاريخي "جزر القمر" ما زالت تحتقظ بالعادات العمانية
أكد المؤرخ والباحث القمري هاشم محمد المعلم باعلوي، أن بلاده جزر القمر تحتفظ بقدر كبير من المؤثرات العمانية البارزة المتوارثة، وكشف في محاضرة بمكتبة الندوة العامة بولاية بهلاب سلطنة عمان، عن بعض الكنوز التاريخية العمانية كاشفا العلاقات القديمة بين البلدين والحضور العماني في جزر القمر.

حيث أكد "باعلوي"  أن اسم جزر القمر اطلقه العرب، كما أشار إلى التشابه في النظام السياسي بين البلدين، وقال إن المجتمع القمري يحتفظ بقدر كبير من المؤثرات العربية البارزة في لباسهم ومناسباتهم والكثير يحتفظ بزيه العربي الأصيل ويحافظ على اسمه العربي وقبيلته ودينه الإسلام ويسير على نهج آبائه في العادات والتقاليد ويلبس الثوب العماني "الدشداشة" والكمة والازار والعمامة والبشت ويحمل العصا والسيف والخنجر.

 كما تلبس النساء أفخر الأثواب العربية وأثمن الحلي وغير ذلك من البصمات العمانية الواضحة التي طبعت الحياة القمرية حتى يومنا الحالي، كما نجد الحلوى العمانية والقهوة العربية على موائد المجتمع القمري وغيرها من العادات العمانية الأصيلة التي لا يزال المجتمع القمري متمسكا بها.

Thursday, March 3, 2016

عبدالناصر والثورة الافريقية


محمد فايق

ذكرياتي عن شعب وثورة زنجبار

حلمي شعراوي
جريدة الاتحاد 27 مايو 2014
 
ذكرتني زيارة سالم أحمد سالم السكرتير العام الأسبق لمنظمة الوحدة الأفريقية، وأحد قادة ثورة زنجبار عام 1964، للقاهرة في أبريل 2014 بذاك «الشاب» الزنجباري نفسه، وهو في منتصف العشرينات من عمره، قادماً للقاهرة آخر أبريل 1964 سفيراً لحكومة تنزانيا بعد نجاح ثورة زنجبار في يناير 1964، واتحادها مع تنجانيقا. استقبلناه وقتها في الرابطة الأفريقية بالزمالك رغم معرفتنا بأنه كان ضمن قيادة انتفاضة اتخذت المسار الدموي بالإطار العنصري الذي وقع، وأن كان هو والمفكر الراحل «عبد الرحمن بابو» قد دافعا عن نفسيهما بعد ذلك بما يبرىء ساحتهما من هذه الجرائم.
تذكرت علاقتي الخاصة والمتميزة التي قامت مع شعب زنجبار منذ أوائل 1959، حيث عُينت بعد تخرجي مباشرة من آداب القاهرة مشرفاً اجتماعياً على «بيت شرق أفريقيا» الذي ضم أكثر من أربعين صبية وصبياً ورُعاتهم من الزنجباريين، ومن بعض أنحاء شرقي أفريقيا. وجاء ذلك بناء على موافقة وتوجيه عبد الناصر شخصياً لمحمد فائق ، بعد مقابلته الشيخ «علي محسن البرواني» زعيم الحزب الوطني بزنجبار منتصف 1958.
                
حكى لي «علي محسن البرواني» في بيت شرق أفريقيا كيف رتب له محمد فايق، وعبده سلام (وزير الصحة بعد ذلك) مقابلة عبد الناصر، ليطلب منه فتح مكتب للحزب بالقاهرة، وبعض المساعدات التعليمية العاجلة لأبناء زنجبار في مصر، خاصة من أصول عربية لخوفه على اللغة العربية وثقافتها التاريخية بينهم ، بل وطلب وعداً بمساعدات واسعة لإقامة الدولة بعد الاستقلال.

حكى لي بعد إتمام المقابلة مباشرة - ولا أذكر التاريخ الآن بالضبط من عام 1958 - أنه عندما قابل عبد الناصر وحدثه عن أحوال شعب زنجبار مع الاستعمار الإنجليزي، وحتى عن ظلم العائلات العربية الإقطاعية للأفارقة، وضعف قيمة السلطان العربي « جمشيد بن عبد الله» في الجزيرة، ناهيك عن أوضاع الأفارقة الأصليين. تأثر عبد الناصر تأثراً عاطفياً شديداً ووجه بإقامة هذا البيت. رشحتني مهمتي في بيت شرق أفريقيا، ثم تعييني بالشؤون الأفريقية بالرئاسة آخر 1960 لأسافر في وفد مصر إلى احتفالات استقلال تنجانيقا ديسمبر 1961، ثم ترشحني مرة أخرى عضوا في وفد مصر إلى احتفالات استقلال زنجبار في ديسمبر 1963.
كان مكتب الحزب الوطني لزنجبار قائماً في الرابطة الأفريقية، كما كان هناك البرنامج السواحيلي بالإذاعة، بل وهناك اتحاد طلبة زنجبار بالقاهرة. كان لزنجبار «لوبي» في مصر من شخصيات في العمل العام، وأساتذة في الجامعة، والعبد الفقير، وبعض رجال التعليم إلى جانب حماس محمد فايق طبعاً)، كما كان بعض المحيطين بالشيخ علي محسن يعرفون رجال الأزهر.
كان هذا اللوبي في النهاية يصب في خانة عروبة زنجبار وأهميتها في شرق أفريقيا، وكان مبلغ وعيي هو أهميتها في العلاقات العربية الأفريقية عموماً ، إذا اهتممنا بدعم أفارقة زنجبار مثل عربهم، لأن صورة زنجبار بسلطان عماني الأصل لم تلق ترحيباً لدى كل عناصر اللوبي المذكور... كانت العائلات العربية بادية التسلط على المجالس المحلية وزراعة وتجارة القرنفل على السواء، وشعرت كثيراً أن علي محسن نفسه يريد التخلص من هذا العبء، وإنه تبادل هذا الشعور مع عبد الناصر في المقابلة، وإنه يريد ذلك بالتوافق لا بالاتجاه يساراً!
لذلك لجأ علي محسن لنمط من التوازن بتحالف مع حزب «الأفروشيرازي» المعتدل بزعامة محمد شامتي. وبمعنى ما أصبحت زنجبار عام 1962 و قبل الاستقلال بشهور تمثل عند زعماء شرق أفريقيا التقليديين أحد احتمالين؛ إما قنبلة عروبية، ناصرية، أو قنبلة ماركسية ماوية!. وكلاهما مر! ؟ لكن الذي حدث في يناير 1964 أن انفجرت القنبلة العنصرية! أو قل العرقية (أفارقة/ عرب) رغم القول بعد الاستقلال أنها أصبحت ، «كوبا أفريقيا».
بدا أن الإعداد لاحتفالات الاستقلال في زنجبار هو قمة التعبير عن مأزق الشركاء هناك، وأنه مطلوب من «علي محسن» إحداث توازن ذهبي لإنقاذ الموقف من انفجار أفريقي يعتبر الاستقلال جائزة للعرب وحدهم. وفي الوقت نفسه، أراد علي محسن أن يقيم احتفالاً كبيراً يضع زنجبار في قلب شرق أفريقيا رغم صغرها. أذكر أنه حدثني كثيراً عن إعجابه بعبقرية عبد الناصر في استخدام الإعلام لبناء شخصيته وشخصية مصر في أفريقيا. وكان يسألني- بحكم تصوره أني خبير خطير في الرئاسة ! كيف يرتب عبد الناصر ذلك؟ ولا أظن أني أفدته كثيراً! ولكنه ظل دائم الاهتمام بها حتي بدا لي أنه أوصلها مع طلب إنجاح الاحتفال الكبير لعبد الناصر نفسه، الذي فهمت أنه وجه محمد فايق بالاستجابة للشيخ علي محسن!
طلب الزعيم علي محسن حضور كل أشكال التعبير المصرية التي تفيد الاحتفال... من الشيخ محمود خليل الحصري، حتى فرقة رضا، وفريق كرة وصحفيين، ومذيعات. وبدا أن الشيخ علي محسن يريد تطبيق المقولة الشائعة «إن عزف المزمار في زنجبار، يرقص عليه الأفارقة على ساحل فيكتوريا..». كان الوفد يضم أكثر من مائة عضو من كل الفنون، ورأس أنور السادات الوفد، ومعه محمد فايق، واستمتعت شخصياً بصحبة الكثيرين. انزعج الإنجليز كثيراً، خاصة مع ترتيبات «علي محسن» لبروز أنور السادات في وضع نائب رئيس مصر (وكان رئيساً لمجلس الشعب على ما أذكر) مساوياً لمندوب ملكة بريطانيا - زوجها العزيز- وفي تحركنا بمواكب تثير الانزعاج. ولكن جو صمت الجمهور الأفريقي كان – بدوره - مريباً ، وكأنه يشير إلى ذلك الذي يسبق العاصفة.
سياسياً بدا التوازن يختل في إقليم شرقي أفريقيا، مع بروز تساؤل عن دخول زنجبار ترتيبات اتحاد شرقي أفريقيا أم يعوقها نيريري ..... الخ.
لم تمض أيام بعد عودتنا حتى وصل المرحوم «أحمد اللمكي» سفيراً لزنجبار لدى عبد الناصر! وراح يتحرك بسرعة مستخدماً «لوبي زنجبار» لإقامة أفضل العلاقات. ذات مساء متأخر يوم 12 يناير 1964- وبعد إقامة السفير أحمد اللمكي في القاهرة لبضعة أسابيع فقط- دق التليفون في منزلي حوالي الواحدة صباحاً، ثم حضر اللمكي يطلب مني الذهاب معه حالاً لمحمد فايق ليقابله بعبد الناصر الليلة لطلب تدخله العسكري فوراً في زنجبار ضد «الانقلاب المذبحة » الذي وقع تلك الليلة، وضرورة حماية العرب من المذابح التي يتعرضون لها في الجزيرة !
لم يقصر السيد محمد فايق في التعبير عن حزنه من ناحية ودهشته لمثل هذا الطلب من ناحية أخرى.. كما استبعد أن يوقظ عبد الناصر لإبلاغه في تلك الساعة...! وأخذ في تهدئة «اللمكي» مشيراً إلى صعوبات ذلك، رغم إشارة اللمكي إلى أن قوات مصر في اليمن أقرب وتستطيع الوصول بسرعة! وكان ذلك كله مستحيلاً، وبالضرورة وصل هذا الشعور إلى "اللمكي"، لأننا كنا أقمنا منظمة الوحدة الأفريقية حديثاً، ونستعد لاستقبال مؤتمر قمتها الأول في مايو1964 ونقر مبدأ عدم التدخل.. وأخيراً فإن مأزقنا في اليمن بات معروفاً.. وإذن لا سبيل إلا سرعة التدخل الدبلوماسي ..الخ
وتواترت الأنباء بسرعة عن مئات المسلحين الذين يبدو أنهم جاءوا من خارج الجزيرة ليقضوا على السلطنة ويقتلوا المئات والسيطرة على الجزيرة.. ويقودهم شرطي سابق من أوغندا يدعي«جون أوكللو» لإثارة الرعب، وتنفيذ خطة بريطانية للسيطرة على الجزيرة، بدليل مسؤولية القائد الإنجليزي للشرطة عن الموقف وتنظيمه خروج السلطان لبريطانيا وسجن علي محسن والقادة وعدم قتل « الثائرين» لهم وإتمام كل ذلك فيما وصفه أوكللو نفسه بثورة التسع ساعات!
وقد سُجن علي محسن لعشر سنوات، وطردت الإدارة الجديدة المدعو «أوكللو» بعد أن سمى نفسه «الفيلد ماريشال» ليسجن في كينيا خوفاً من إشاعته روح التمرد ولو المأجور. هذا الموقف الواضح لم يفهم لسنوات أعقبت ذلك، ولا مجال لتفصيله، لأن ما شاع عقب الثورة، هي قصص عن سلاح كان منقولاً من الجزائر لحركات تحرير المستعمرات في دار السلام، وأن السفينة حولت إلى زنجبار، أما بتعليمات من تنجانيقا، أو إلى ما ذهب إليه البعض للقول إن الجزائر كانت تقصد ذلك منافسة لمصر ! وترك البعض كل ذلك ليقول إن عبد الناصر كان قد اتفق مع علي محسن لعقد اتفاقية دفاع مشترك مع زنجبار، وإقامة قاعدة عسكرية لمصر هناك! وان ذلك هو ما أخاف الإنجليز ونيريري فتآمروا وضاعت زنجبار!
ومازال باحثون عرب يثيرون هذا التساؤل معي للآن، لأن كثيراً من الزنجباريين العرب ما زال يظن ذلك، وصحبت أحدهم وهو (ناصر الريامي) منذ عدة سنوات إلى محمد فايق شخصياً لإثارة دهشته وتأكيد النفي... كما أثار البعض في مصر التساؤلات نفسها عن وجود عسكري في زنجبار! وأقسمت لهم جميعاً أني لم أسمع بذلك! وصحبت بعضهم ثانية إلى محمد فايق ليؤكد الشهادة إزاء هذا التصور... ولأفهم أنا كيف تبني الأساطير سلباً أو إيجاباً!
ارتبط تأكيدنا لكل ذلك بأن سارعنا بالاعتراف بالأوضاع الجديدة في زنجبار مع وعود- بعد زيارة فايق للجزيرة ولتنجانيقا- بتخفيف الضغط القائم على العرب بالاعتقالات أو التعرض لحياتهم، وبالتأكيد لدار السلام أننا لا نريد التدخل وإنما العمل الأفريقي الوحدوي.. وسهل الأمور وجود اليساريين لبعض الوقت في السلطة لكن سرعان ما تم التخلص منهم أيضاً فأبعد سالم أحمد سالم سفيراً، وذهب عبد الرحمن بابو فيلسوف الثورة إلى دار السلام.
عندما مررت يوماً وأنا في زيارة لتنزانيا بعد فترة وجيزة من الانقلاب/ الثورة، عرجت على مقهى مشهور بشارع الاستقلال بدار السلام، وجدت عبد الرحمن بأبو الزعيم الزنجباري اليساري السابق جالساً وحده، في حالة تأمل، وعندما فاجأته بوجودي وسؤالي، قال أفكر في الثورة المهدرة!