Saturday, June 10, 2017

أزمة ساحل البنادر الصومالي بين سلطنة زنجبار وايطاليا (1888-1889م)

أحمد بن خلفان الشبلي
قلعة التاريخ: العدد 5 يونيو 2017
بعد حوالي شهر ونصف من تولي السلطان خليفة بن سعيد مقاليد الحكم في سلطنة زنجبار , وبالتحديد في الخامس عشر من مايو عام 1888 م , بعث ( فليوناردي ) القنصل الإيطالي بزنجبار , وبرسالة توبيخ إلى السلطان خليفة , يلومه فيها على تعمده عدم الرد على رسالة ملك إيطاليا ( فيكتور عمانويل ) التي بعث بها إليه[1]. وقد طـالب لتصـحيح هذا الخطأ أن تتنازل سلطنة زنجبار عن مدينة كسمايو الواقعة على ساحل البنادر الصومالي لصالح الحكومة الإيطالية , وقد أفهم ( فليوناردي ) السلطان خليفة أن بريطـانيا وألـمانيا سـتؤيدان هذا الطلب [2].
أصاب هذا الموقف السلطان خليفة بن سعيد بالحزن الشديد , وقد طلب من الجنرال ( ماثيوس ) أن يبلغ القنصل الإيطالي , أنه لم يتعمد اهمال رسالة ملك إيطاليا , وهو يأسف لهذا التأخير الذي حدث بسبب  وصول الرسالة في شهر رمضان , الذي تتباطأ  فيه معظم الأعمال الرسمية  , وأنه لم يتمكن بعد من الاطلاع عليها [3]. إلا أن القنصل الإيطالي أصر على موقفه , وفي 6 / 6 / 1888 م , أبلغ قناصل كلا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا أنه أنزل علمه من على القنصلية الإيطالية , وقطع علاقته بسلطنة زنجبار [4].
وعلى الرغم من أن الخطوة التي أتخذها السفير الإيطالي تبدو لحظية , إلا أن إيطاليا كانت مهتمة بساحل البنادر منذ مدة طويلة , حيث كانت تهدف  من خلال السيطرة على ساحل البنادر للضغط على الحبشة لإدخالها قسرا في دائرة نفوذها وتحت حمايتها [5]. لذا أرسلت حملة استكشافية على متن السفينة الحربية ( بارباريجو ) بقيادة الكابتن ( تشكي ) , إلى مصب نهر جوبا , وذلك للوصول إلى آخر نقطة صالحة للملاحة يمكن الوصول إليها فيه . وكتابة تقرير عن أحوال الناس وحركة التجارة وإمكانية استغلال المنطقة لصالح إيطاليا [6]. ويبدو أن البعثة لم تحقق أي معلومات من شأنها دفع إيطاليا نحو احتلال المنطقة حينها , فاكتفت بعقد معاهدة تجارية مع السلطان برغش بن سعيد في مايو من عام 1885م[7], حصلت بموجبها على امتيازات تجـارية مع حرية التنقل في أرجاء السلطنة [8]
ولزيادة الضغط على السلطان خليفة بن سعيد للتنازل , طلب ( فليوناردي ) في اجتماع مع السلطان وبشكل صريح ومباشر أن يتنازل له عن كسمايو , من دون قيد أو شرط , وعندما رفض السلطان خليفة هذا الطلب , قام ( فليوناردي ) في اليوم التالي بإنزال العلم الإيطالي من على بناية القنصلية الإيطالية , وقطع العلاقات مع سلطان زنجبار [9], وهو ما كان يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع سلطنة زنجبار , تمهيدا للقيام بعمل عسكري [10].
وعلى الرغم من الضغوط التي مارسها القنصل الإيطالي على السلطان خليفة للتنازل عن كسمايو إلا أنه لم يلتفت إلى هذا المطلب[11]. حيث أن السلطان خليفة قد حصل على تطمينات من جانب الألمان والبريطانيين , تضمنت تعهدهما بعرقلة مشروع استيلاء إيطاليا على ساحل البنادر[12]. وهذا ما أكده القنصل الفرنسي في زنجبار ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  في رسالته الموجهة لوزارة الخارجية في باريس بتاريخ 10 / 6 / 1888 م [13].

ــ موقف بريطانيا وألمانيا من رغبة إيطاليا الاستيلاء على ساحل البنادر :

لم يكن التصرف الذي قام به القنصل الإيطالي ( فليوناردي ) , للاستيلاء على ساحل البنادر ليرضي الألمان والبريطانيين على الأقل في ذلك الوقت , حيث لم يمضي وقت طويل على استيلاء الدولتين على مساحات واسعة من أراض سلطنة زنجبار , ولا تزال تداعيات ذلك مستمر , متمثلة في الغضب الشعبي الذي بدأ يجتاح البر الأفريقي من السلطنة والذي سيطر عليه الألمان , حيث كانت البداية بالامتعاض الذي انتاب العرب والأفارقة من سكان السلطنة نتيجة الممارسات الألمانية , والتي تسببت فيما بعد بنشوب ثورة ضدهم بقيادة سالم بن بشير الحارثي , بدءا من أغسطس عام 1888 م [14].
وقد اعلنت كلا من بريطانيا وألمانيا في 11 / 6 / 1888 م , عدم تأييدهما للمطالب الإيطالية . بل أن المستشار الألماني بسمارك[15], أعلن صراحة أنه لن يسمح لإيطاليا باستخدام القوة العسكرية ضد سلطنة زنجبار[16]. كما أمر في الوقت نفسه قنصله في زنجبار بتوجيه إنذار إلى القنصل الإيطالي لوقف هذا الابتزاز ضد السلطان خليفة[17].
وفي ذات الوقت وعلى الرغم من المعرضة الشديدة التي أبداها الألمان ضد رغبة الإيطاليين التوسع في ساحل البنادر , والتي هددت فيها باستخدام القوة ضد التوسع الإيطالي , فإن المعارضة التي أبداها الإنجليز ضد رغبة التوسع الإيطالي في ساحل البنادر كانت أقل حدة من الألمان , بل أنها كانت أكثر دبلوماسية في التعاطي مع الأمر . حيث سعت بريطانيا لاستغلال الموقف وحاجة إيطاليا للسيطرة على ساحل البنادر , لتشكيل حلف بريطاني إيطالي للحد من توسع ألمانيا والفرنسي في شرق أفريقيا , كما أن بريطانيا كانت بحاجة إلى حليف أوروبي يدعم احتـلالها لمـصر[18]. وقد ظهرت بوادر هذا التحالف في إعلان رئيس جمعية شرق أفريقيا ( وليم ماكنون ) [19], في 20 / 8 / 1888 م , والذي قال فيه : " إن نشر الحضارة والمدنية في شرقي أفريقيا يحتاج إلى التعاون مع أمة فتية ورثت النشاط والحكمة الرومانية "  [20].
لذا فقد ناورت بريطانيا سياسيا من جديد , لتحقيق مصالحها في منطقة شرق أفريقيا , على حساب سيادة أراض سلطنة زنجبار . وقد أبلغت إيطاليا بضرورة التريث حتى تدخل في مفاوضات مع السلطان خليفة لإقناعه بالتنازل عن ساحل البنادر لإيطاليا[21]. مع إعطائها لضمانات بعدم وقوع منطقة ساحل البنادر بيد دولة أخرى[22]. وفي الوقت نفسه كانت حكومة رئيس الوزراء الإيطالي ( كرسبي ) حريصة على توثيق علاقتها ببريطانيا , وذلك من أجل تنسيق سياستهما في حوض البحر الأبيض المتوسط [23].
 ولإظهار بأن الأزمة قد انتهت بين السلطان خليفة بن سعيد والإيطـاليين , وأن المطالب الإيطالية بالسيطرة على ساحل البنادر بالقوة قد توقفت , حثت  السلطات البريطانية للسلطان خليفة على كتابة رسالة اعتذار لملك إيطاليا , بالإضافة إلى إطلاق وحد وعشرين طلقة ترحيبية بعود العلاقات بين سلطنة زنجبار وإيطاليا [24]. كما أن الأزمة بين إيطاليا والدول الأوروبية في شرق أفريقيا قد انتهت في ديسمبر من عام 1888 م , حيث تم قبول مشاركة إيطاليا كلا من ألمانيا وبريطانيا والبرتغال في فرض حصار على سواحل شرق أفريقيا لقطع الإمدادات عن الثورة التي قامت ضد ألمانيا في البر الأفريقي[25].
وكمكافئة لموقف إيطاليا ورغبة في خلق توازن بين الدول الاستعمارية في ِشرق أفريقيا سعت بريطانيا للضغط على السلطان خليفة بن سعيد لتأجير ساحل البنادر لها أولا , بحيث تقوم فيما بعد بتأجيره لإيطاليا .  وقد وقع السلطان خليفه وفي 31 / 8 / 1889 م , على بنود تأجير ساحل البنادر للشركة البريطانية , على أن تقوم هي بالتنازل عن المنطقة بمعرفتها [26], وبنفس الشروط المتضمنة في عقد الامتياز الممنوح لها أو بأفضل الشروط التي يمكن أن تحصل عليها الشركة من السلطان مستقبلا . وبعد شهرين ونصف تقريبا من ذلك , أي في 18 / 11 / 1889 م , تنازلت الشركة البريطانية بدورها لإيطاليا عن كافة حقوقها وامتيازاتها في موانئ ساحل البنادر باستثناء كسمايو[27].
وقد كرست إيطاليا خلال تلك الفترة وجودها في المنطقة , وهو ما نتج عنه في النهاية الدخول في مفاوضات مباشرة مع السلطان علي بن سعيد لتأجير ساحل البنادر الصومالي للحكومة الإيطالية مقابل ( 160 ) ألف روبية سنويا مكافأة للسلطان . وقد تم التوقيع على الاتفاقية بين الطرفين [28], في  12 / 8 / 1892 م [29].
ولم تكتفي الحكومة الإيطالية بذلك بل عملت على الحصول على تنازل من قبل سلطنة زنجبار عن ساحل البنادر لصالح إيطاليا , ودخلت في مفاوضات مباشرة مع السلطان حمد بن ثويني , وبوساطة بريطانية , تمخضت عن عقد اتفاق في 13 / 1 / 1895 م , تدفع على أساسه إيطاليا مبلغ وقدره ( 144 ) ألف جنيه [30]. مقابل تنازل السلطان عن ساحل البنادر الصومالي والممتد حوالي 1800 كيلوا متر[31]. وبذلك يكون ساحل البنادر قد خرج بشكل نهائي من سلطة سلطنة زنجبار . وقد عملت إيطاليا على فرض سيطرتها المباشرة على الصومال , واعتبرت ساحل البنادر مستعمرة إيطالية في عام 1898 م .



[1] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرق . دبي , دار الغرير للطباعة والنشر , 2012 م . ص 40 .
[2] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . زنجبار . القاهرة , مكتبة الأنجلو المصرية , ب ت . ص 215 .
[3] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . المرجع السابق . ص 40 .
[4] ــ رسالة من القنصل الفرنسي في زنجبار السيد لاكو ( Mr . Lacaus ) موجهة بتاريخ : 10 / 6 / 1888 م , إلى إدارة الشؤون التجارية والقنصلية بباريس .
[5] ــ قاسم , جمال زكريا . مرجع سابق . ص 321 .
[6] ــ عبار , عبدالقادر , الدولة والقبيلة في الصومال من الاستقلال إلى الحرب الأهلية , تقديم السيد فليفل , مقديشو , مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية , 2013 م..
[7] ــ العقاد , صلاح . وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 215 .
[8] ــ عبار , عبدالقادر . المرجع السابق . ص 70 .
[9] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . المرجع السابق . ص 41 .
[10] ــ قاسم , جمال زكريا . دولة البوسعيد في عمان وشرق أفريقيا  . العين , مركز زايد للتراث والتاريخ , 2000 م. ص 321 .
[11] ــ العقاد , صلاح . وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق , ص 215 .
[12] ــ قاسم , جمال زكريا . المرجع السابق , ص 321 .
[13] ــ رسالة موجهة من القنصل الفرنسي ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  إلى وزارة الخارجية بباريس بتاريخ 10 / 6 / 1888 م . المصدر : الأرشيف الوطني بأبوظبي . ب ر .
[14] ــ الريامي , ناصر بن عبدالله . زنجبار شخصيات وأحداث. مسقط : بيت الغشام , ط 3 , 2016 م , ص 330 ــ 331 . والموسوعة العمانية . مرجع سابق . المجلد : 3 , ص 497 ــ 499 .
[15] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 215 .
[16] ــ قاسم , جمال زكريا . مرجع سابق . ص 321 .
[17] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر , مرجع سابق , ص 41 .
[18] ــ مصلحي , محي الدين محمد . المخططات الاستعمارية الإيطالية في شرق افريقيا في الفترة ما بين 1914 ــ 1939 م , القاهرة : مجلة الدراسات الأفريقية , العدد : 13 و 14 . 1984 , 1985 . ص 4 .
[19] ــ كانت جمعية شرق أفريقيا  تعنى بمتابعة وتنمية مصالح انجلترا في أفريقيا .
[20] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق ص 321 .
[21] ــ الإسماعيلي , مرجع سابق , ص 42.
[22] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . المرجع سابق . ص 216 .
[23] ــ نفس المرجع . ص 216 .
[24] ــ رسالة موجهة من القنصل الفرنسي ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  إلى وزير الخارجية الفرنسي , في 15 / 9 / 1890 م . المصدر : الأرشيف الوطني بأبو ظبي . ب ر .
[25] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 216 .
[26] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق , ص 217 .
[27] ــ كان الاهتمام بالغا بميناء كسمايو باعتباره أفضل الموانئ حينها , بالإضافة إلى أشرافه مباشرة على نهر جوبا الذي كان يأمل منه أن يكون ممرا مائيا يقود إلى داخل القارة ومنطقة الحبشة بالتحديد .
[28] ــ مثل الحكومة الإيطالية قنصلها في زنجبار ( السنيور كوتوني ) بينما مثل الحكومة البريطانية وسلطنة زنجبار القنصل البريطاني ( جيرالد بورتال )
[29] ــ عابر , عبدالقادر , والسيد فليفل . مرجع سابق , ص 74 .
[30] ــ جريدة الفلق : 21 / 4 / 1954 م .
[31] ــ عابر , عبدالقادر , والسيد فليفل . مرجع سابق , ص 74 .

Monday, May 15, 2017

رحلات المراكب الصورية إلى بلاد السواحل

د.سليمان المحذوري
ملحق اشرعة، جريدة الوطن 14 مايو 2017
مدينة صور العُمانية هي أول مدينة عربية تُشرق عليها الشمس، وهي مدينة بحريّة تطلّ بوجهها على مياه المحيط الهندي؛ كنقطة التقاء ما بين بحر عُمان شمالاً وبحر العرب جنوباً . ورغم شهرة البحارة الصوريين إلا أنّ مدينة صور لم تحظ بالاهتمام التاريخي الذي يليق بها كمدينة عُمانية بحريّة عريقة . ومن المعلوم أنّ الموانئ العُمانية مثل قلهات ومسقط ومطرح وصحار وغيرها كانت تتناوب فترات الازدهار طبقاً للظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية. وبالنسبة لمدينة صور يذكر محمود أبوالعلا في كتابه “موانئ سلطنة عُمان قديماً وحديثاً” أنّ الأهمية التجارية لهذه المدينة بدأت منذ القرن السادس الميلادي وكانت تجارتها أساساً مع الساحل الشرقي لإفريقيا، وأصبحت من أكبر الموانئ العُمانية في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20م.
وكما هو معلوم أنّ علاقة العُمانيين بالبحر موغلة في القدم؛ الأمر الذي يسرّ لهم الاتصال والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب القاطنة على ضفاف المحيط الهندي بذراعيه الشمالي متجهين إلى الموانئ الفارسية الجنوبية وموانئ الخليج العربي وصولاً إلى العراق، وطريق آخر يتجه إلى الهند والصين. أما الذراع الآخر من المحيط الهندي ؛ فقد نال حظاً وافراً من ريادة البحارة العُمانيين؛ حيث جابوا غماره وبمهارة فائقة مستغلين حركة الرياح الموسمية Monsoon للتجارة مع موانئ شرق إفريقيا ابتداءً بالصومال شمالاً وانتهاءً بموزمبيق جنوباً.
استطاع العُمانيون عن طريق استخدام حركة الرياح الموسميّة القيام برحلتين منتظمتين في السنة؛ ففي فصل الخريف تدفع الرياح الشماليّة الشرقيّة (الأزيب) السفن العُمانية باتجاه شرق إفريقيا، وموسم هبوب هذه الرياح يبدأ عادة من أواخر شهر سبتمبر، وينتهي موسمها في أوائل شهر مايو تقريباً؛ حيث تخرج السفن من الموانئ العُمانية إلى المحيط الهندي ثم تسير بمحاذاة الساحل الإفريقي الشرقي لترسو في زنجبار العاصمة التجاريّة في ساحل إفريقيا الشرقية ، والمحطة الرئيسية للتجارة في المحيط الهندي. وفي فصل الربيع تعود السفن إلى عُمان محمّلة بسلع إفريقية مُتنوعة مع الرياح الجنوبيّة الغربيّة (الكوس). وبمضي الزمن اكتسب العُمانيون خبرة تامّة بمواقيت الرياح واتجاهاتها، وأضحت رحلاتهم التجاريّة إلى بلاد “السواحل” ومدة استقرارهم فيها أكثر تنظيماً . كما أنّ من ضمن العوامل والأسباب التي كانت تقف وراء تفوق عُمان في الملاحة البحريّة هو التطور الكبير في حقل العلوم البحريّة؛ فقد ألف أساتذة العلوم البحرية العُمانية عدة كتب ومُؤلفات في علوم الملاحة ومن بينهم أحمد بن ماجد وسليمان المهري.
وفي هذا الخضمّ لم تكن صور مدينة متفرجة على ما يدور في مياه المحيط الهندي؛ بل كانت في قلب الحدث وجزءاً لا يتجزأ من صناعة التاريخ البحري العُماني. وواحدة من أعرق المدن البحرية العُمانية. إذ ارتبطت بالبحر وارتبط البحر بها منذ زمن بعيد؛ لذلك كانت مدينة صور مشاركة في جلّ تاريخ عُمان البحري بحكم موقعها على بحر العرب كبوابة لعُمان من الجهة الشرقية، وملتقى للطرق البحرية ومحطة لانطلاق التجارة والأسفار من خلال أسطولها البحري الذي لعب دوراً تاريخياً هاماً في الحركة التجارية إلى الهند ومنطقة الخليج العربي واليمن إلى جانب موانئ شرق القارة الإفريقية. إذ اشتهرت المدينة بتجارة “الترانزيت” ، وكانت مركزاً تجارياً بين موانئ المحيط الهندي لتجميع السلع واعادة تصديرها. كما شكلّ خورها الطويل ملاذاً آمنا للسفن من الرياح والأمواج العاتية. إلى جانب المهارة العالية التي تمتّع بها البحارة الصوريون في ركوب البحر واستثماره لفائدتهم، أضف إلى ذلك أنّ الاستقرار الذي نعمت به المدينة لفترات زمنية طويلة ساهم في استمرار نشاطها التجاري.

صور وصناعة السفن
وفي هذا الاطار لا بد من الإشارة إلى أنّ من أسرار التفوق الملاحي لأبناء مدينة صور وما ميزهم دون سواهم شهرتهم الواسعة في مضمار صناعة السفن والمراكب الشراعية. حيث نالت المدينة منذ وقت مبكر صيتاً في صناعة السفن خاصةً السفن ذات الأحجام الكبيرة التي كانت تُستخدم للتجارة مع شرق إفريقيا، وكانت معظم المراكب أحادية الصاري تُزود بشراعين لرحلاتها الطويلة؛ أحدهما للأحوال الجويّة العاديّة، والآخر للأحول الجويّة المضطربة.
ومن هذه السفن البدن والبغلة والبوم والغنجة والجالبوت إضافة إلى السنبوق. وكانت بعض الأنواع من هذه المراكب تُصنع في مدن أخرى بالإضافة إلى مدينة صور؛ فيما انفردت هذه المدينة بصناعة مراكب الشحن التي تستخدم في الابحار لمسافات طويلة مثل الغنجة والسنبوق. وفي هذا الصدد يذكر النوخذا خميس بن راشد بن ناجم المخيني أن السفن التي كانت تسافر للتجارة مع زنجبار هي البدن، والجالبوت، والسنبوق، والبوم، وكانت كل سفينة تحمل في حدود 30-35 بحارا.
وكانت هذه المراكب تُصنع باستخدام الأخشاب المحلية كالسدر والقرط خاصة صناعة أجزاء (الشلمان) في السفينة، أو الأخشاب المستوردة كالساج والميط والكرنج التي كانت تجلب من كاليكوت بالهند وشرق إفريقيا. وفي مراحل صنع السفينة يشترك في إنجازها عدد كبير من الرجال ومن ضمن أناشيدهم:
بو سلامة تمدن.. يشرب شاهي ملبن
إن بغيته في الأكواب .. وإلا داخل فناجين
حالي يا موز حالي.. يا صباح السلاطين
إلا أنّ مجد صناعة السفن في صور تراجع مع ظهور السفن البخارية الحديثة التي حلّت تدريجياً محلّ السفن الشراعية التي اشتهرت المدينة بصناعتها.

الطرق التجارية والسلع المتبادلة
ذكر لي النوخذا سعيد بن راشد بن عبدالله المخيني في مقابلة معه في ديسمبر 2005م – آخر رحلة له كانت عام 1973م على سفينة فتح الخير- أنهم كانوا في رحلاتهم يستفيدون من حركة الرياح الموسمية؛ حيث تدفعهم رياح الشمال “النيروز” جنوباً باتجاه بلاد السواحل .
وموسم السفر إلى شرق إفريقيا عادةً يبدأ من شهر نوفمبر وينتهي في نهاية إبريل وبداية مايو؛ حيث يُعد فصل الصيف فترة زمنية للراحة والاستجمام، إضافة إلى صيانة السفينة، وإعادة دهنها بالمواد المانعة للتسرب. وكان من عادة البحّارة العُمانيين عندما ينطلقون من موانئهم في عُمان باتجاه مناطق إفريقيا الشرقيّة ملازمة الساحل دون التعمق في مياه المحيط الهندي ؛ من أجل المرور على أكبر عدد ممكن من المرافئ أو الجزر المُتناثرة قبالة السواحل الإفريقية.
تبدأ المراكب الصورية رحلتها مارّة بخور جراما كمحطة أولى قبل الإبحار إلى زنجبار، ومن هذا الخور تنطلق المراكب إلى رأس الحد ، ثم تأخذ المراكب طريقاً محاذياً حتى تصل إلى رأس مدركة وصولاً إلى جزيرة مصيرة فميناء مرباط في ظفار؛ للتزود بالمؤن الضروريّة كالأسماك المُجفّفة والمُملحة والماء والخشب والفحم ، ومنها إلى رأس فرتك ثم تتجه المراكب في خط مستقيم محاذية الساحل مروراً بالشحر والمكلا حتى تصل عدن، وبعد الانتهاء من مهامها التجاريّة تبحر جنوباً بمحاذاة الساحل صوب رأس الغضروفي. وبعض المراكب كانت تسلك طريقاً مباشراً إلى زنجبار حيث تنطلق السفن من ميناء مرباط باتجاه جنوبي غربي مروراً بجزيرة سقطرى إلى جزيرة عبد الكوري ومنها إلى رأس حافون . ثم تبدأ المرحلة الثانية من الرحلة باتجاه زنجبار؛ حيث تنطلق السفن التجاريّة بمحاذاة الساحل الإفريقي الشرقي حتى تصل إلى محطات مثل مقديشو ومركة وبراوة ، والتي تُشكّل مراكز مهمّة لعمليات التبادل التجاري ومحطات لتوقف السفن. ثم تدخل السفن أرخبيل لامو وبعد ذلك تتجه السفن جنوباً إلى مالندي وممباسة التي تُعتبر من أكبر المدن الساحليّة في الشرق الإفريقي بعدها تلتزم في مسارها حتى تصل تانجا فإلى زنجبار المركز الرئيسي السياسي والتجاري للعُمانيين ، وبمبا (الجزيرة الخضراء). وبعض السفن كانت تكمل رحلتها إلى جزر القمر ومنها إلى مدغشقر، والبعض الآخر يصل إلى موزمبيق وكما يذكر النوخذا سعيد المخيني أن السفن الصورية وصلت إلى موزمبيق في أقصى جنوب ساحل إفريقيا الشرقي خاصة خلال الحرب العالمية الثانية بسبب غلاء المعيشة.
ونظراً لطول الرحلة التجارية بين عُمان وشرق إفريقيا فقد كانت تُنظّم بشكل قوافل تجارية لمجابهة أخطار الطريق وأهواله ؛ اذ كان عدد المراكب في القافلة الواحدة يصل أحياناً إلى ست عشرة سفينة. وقد اعتمد البحارة العُمانيون في تسيير سفنهم على مجموعة من الإشارات الملاحيّة (المجاري)، والتي تشتمل على معلومات عن النجوم ، وعلى جداول فلكية وخطوط العرض المتعلقة بالموانئ التي ترسو فيها السفن ، إلى جانب معلومات عن الرياح واتجاهاتها ومواسمها، وكذلك معلومات عن طبيعة السواحل وتعرجاتها. كما استخدم النواخذة والملاّحون عددا من الأدوات والأجهزة التي كانت تعينهم على تحديد مواقعهم في عرض البحر، والتعّرف على أحوال الطقس والمناخ مثل: الإسطرلاب، والكمال، والديرة (الابرة المغناطيسية أو البوصلة البحرية)، والباطلي.
أما عن أهم السلع التجارية المتبادلة مع موانئ إفريقيا الشرقية يقول النوخذا سعيد المخيني من لامو كانوا يستوردون خشب الجندل “المنغروف” الذي يستخدم في سقوف المنازل، ومن زنجبار القرنفل وغيرها من السلع. ويذكر لنا النوخذا خميس المخيني أن العاج يأتي في طليعة السلع المستوردة من كينيا ويقول رغم أنّها كانت سلعة ممنوعة إلا انّها كانت تجلب من داخل إفريقيا عن طريق تجار القوافل. وفي المقابل كانوا يصدرون إلى إفريقيا الليمون المجفف وأخشاب السمر والغاف، والسمك المجفف” العوال”، وتمر “الفرض”.
وكانت السفن تمضي قرابة الشهرين في معاملاتها التجارية وتحميل بضائع جديدة، وبعد رحلة تجارية مثمرة تعود مع هبوب الرياح الجنوبية الغربية “الكوس” في منتصف إبريل. وطريق العودة من بلاد السواحل هي نفس طريق السفر إليها، ولكن بعكس اتجاهها ، فمن الموانئ، الجنوبية كميناء كلوة وسفالة تساير المراكب الساحل الإفريقي إلى ميناء حافون ، ومن حافون تنطلق عبر خليج بربرة، إلى جزيرة عبد الكوري، ثم تواصل السفن السير مباشرة حتى تصل صور أو مسقط قبل منتصف مايو.
وعندما يقترب وصول البحارة الى أرض الوطن وعند لقاء الأهل والأصدقاء يغنون فرحاً فن “الشوباني” وهو من الفنون الإفريقية الأصل :
اسمع حنين ورنة .. فوق الغرفة
بدوية عسقت مولد.. وشقت ثوبه
لا إله الله يا ممبسة
عطوني بسرة خنيزي.. ما با زنجبار
ولد البحر بحراني.. لا تمشي وياه
لا إله الله يا ممبسة

قضية رفع الأعلام الفرنسية
ارتبط تاريخ عُمان الحديث بشكل عام وتاريخ صور على وجه الخصوص بقضية رفع الأعلام الفرنسية على السفن العُمانية. حيث تتلخص هذه القصة في منح السلطات الفرنسية تصاريح رفع الأعلام الفرنسية على السفن التابعة لمدينة صور التي كانت تربطها علاقات تجارية مع المستعمرات الفرنسية في المحيط الهندي مثل جزيرة مايوت القمرية ونوصي بيه- شمال مدغشقر-؛ وذلك من أجل التغلب على مُشكلة اعتراض السفن الإنجليزية التي كانت تحدّ من نشاطها الملاحي والتجاري في مياه المحيط الهندي.
وفي هذا الصدد يذكر القاسمي أنّ أقدم وثيقة تتعلق برفع العلم الفرنسي على السفن العُمانية تعود إلى عام 1845م، حيث وصل عدد السفن الصورية التي كانت ترفع الأعلام الفرنسية في عام 1896م إلى 44 سفينة. ورفع الاعلام الفرنسية خلال نصف قرن أسهم في ازدهار تجارة الصوريين بسبب عدم تعرض سفنهم للتفتيش من قبل الإنجليز. واستمر التجار العُمانيون في رفع الأعلام على سفنهم إلى أن أصدرت المحكمة الدوليّة حكمها عام 1905م بمنع أية دولة أوروبية من منح حق رفع علمها على السفن العُمانية.

الحوادث البحرية للسفن الصوريّة
كما هو معلوم أنّ رحلات السفن العُمانية لم تكن دائماً كما تشتهي السفن؛ إذ كانت تصادفها الصعاب وهي تمخر عباب البحار كارتفاع الموج، وشدة الرياح، واشتداد العواصف والأمطار الغزيرة؛ ينطبق عليها وصف المسعودي في كتابه “مروج الذهب” أنّ البحارة عندما يدخلون خليج عدن ويقتربون من المنطقة المحاذية للصومال تكون الأمواج عالية يرتجزون ويقولون: بربرا وحافوني… وموجها المجنوني/ حافوني وبربرا … وموجها كما ترى.
ويتضمّن كتاب “التاريخ البحري المروي لولاية صور” بعضاً من حكايات وقصص السفن الصورية؛ فعلى سبيل المثال تُعد غرقة السفينة “سمحة” من أسوأ الفواجع التي مرت على المدينة في رحلة عودتها من زنجبار عام 1959م وعلى متنها 174 بسبب زيادة وزن السفينة. كما تعرضت السفينة “الوشار” في رحلة العودة من إفريقيا لرياح شديدة وأمواج عاتية أدت إلى غرق السفينة. إلى جانب قصص وحوداث أخرى يرويها البحارة تروي قصة الكفاح والمغامرات للبحارة الصوريين. هذه القصص لو تمّ الاشتغال عليها وتوظيفها فنياً وسينمائياً من قبل المختصين؛ لأنتجت لنا أفلاماً سينمائية توثق جانباً مهماً من تاريخنا البحري ولربما لقيت رواجاً عالمياً.

قصة سفينة فتح الخير
سيكتمل مشهد التاريخ البحري لمدينة صور بالحديث عن قصة سفينة “فتح الخير” التي كانت ضمن الأسطول التجاري الكبير للمدينة خلال النصف الثاني من القرن 20م. وقد صنعت السفينة وهي من نوع الغنجة عام 1951م بمدينة صور كسفينة تجارية؛ حيث كانت تجوب مياه المحيط الهندي مدة 43 سنة حاملة البضائع العُمانية كالتمور والليمون المجفف والأسماك المملحة وغيرها، تتجه به إلى السواحل الإفريقية وغيرها من البلدان ثم تحمل البهارات والتوابل والبضائع المختلفة من تلك البلاد، وتعيد تصديرها إلى الهند والبصرة في العراق.
وقد انتهى المطاف بهذه السفينة في دبي ثم اليمن إلى أن اعادها أهل صور إلى أحضان موطنها الأصلي في صور عام 1993م لتبقى شامخة تحكي جزءاً من التاريخ البحري العريق لمدينة صور، وتحفة فنية شاهدة على براعة الصناعة الصورية للسفن العُمانية.
وأثناء زيارتي للمدينة في ديسمبر عام 2005م عرّجت على مشروع متحف “فتح الخير” التي كانت هذه السفينة جزءاً أساسيا منه، وبعد مضي أكثر من عشرة أعوام زرت المدينة مرة أخرى في ديسمبر عام 2016 وما زال المشروع يراوح مكانه ينتظر أن يرى النور سأترك الإجابة مفتوحة للقائمين على هذا المشروع عموماً وأهل صور خاصة .
وهكذا يتضح لنا أنّ السفن العمانية كانت لها تجارة قديمة ومنتظمة مع بلاد شرق إفريقيا ؛ فقد مكّنت خبرة العُمانيين بشؤون الملاحة وفنونها من معرفة طرق الملاحة البحريّة وقوانينها ، كما أنّ مهاراتهم الملاحيّة أهّلتهم لمعرفة نظام هبوب الرياح الموسمية في منطقة المحيط الهندي ، ومن ثم فقد سخّروا مهاراتهم الملاحيّة لخدمة أغراضهم التجاريّة مع شرق إفريقيا؛ وبالتالي لعبت هذه العلاقة المبكرة دورا في الاتصال الحضاري بين الشعوب القاطنة على ضفاف المحيط الهندي. وكانت السفن الصورية بمثابة جسر تعبر من خلاله مختلف المؤثرات الحضارية المتبادلة بين عُمان ومناطق إفريقيا الشرقية . وكانت زنجبارآنذاك تنعم بالخير الوفير، وكانت مصدر التجارة شبهها النوخذا خميس المخيني بـ “اللؤلؤة”، وكان أغلب التجار هناك عُمانيين إلى جانب وجود أجناس أخرى ليشكلوا معاً لوحة حضارية ما زالت آثارها ماثلة إلى يومنا هذا ومما ميز العُمانيون دون سواهم أنهم لم يعيشوا بمعزل عن الأفارقة بل تزاوجوا معهم وكانوا يأكلون معا ويشربون معاً. ورغم ذلك ما زال كثير من هذا الإرث البحري العُماني مدفوناً في صدور البحارة والتجار وقد اندثر أغلبه بموتهم، إلى جانب أن بطون المخطوطات المتفرقة هنا وهناك خاصة المتعلقة بعلم البحار والفلك ما زالت تكتنز علماً غزيراً تنتظر من يُقلب صفحاتها وينفض عنها الغبار علّه يحظى بكنز عُماني ظل حبيساً ردحاً من الزمن.

المراجع:
• لقاء مع النوخذا خميس بن راشد بن ناجم المخيني، مدينة صور، 29 ديسمبر 2005م.
• لقاء مع النوخذا سعيد بن راشد بن عبدالله المخيني، مدينة صور، 29 ديسمبر 2005م.
• حسن صالح شهاب. رحلات المراكب البحرية ، مجلة نزوى، اكتوبر 1998م.
• حمود بن حمد الغيلاني & محمد بن حمد العريمي. التاريخ البحري المروي لولاية صور، وزارة التراث والثقافة، 2012م.
• حمود بن حمد الغيلاني. التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العُمانية، المطابع العربية،2006م.
• سلطان بن محمد القاسمي. الوثائق العربية العمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية، ط1، 1993م.
• محمد بن مبارك العريمي. “مدينة صور العمانية” الدلالة اللغوية والبعد الزمني، مجلة نزوى ، العدد 21، يناير 2000م.
• محمود أبوالعلا. موانئ سلطنة عُمان والتنمية قديماً وحديثاً، الكويت 1985م.
• المنتدى الأدبي. صور عبر التاريخ، ط2، 2000م.
• وزارة الإعلام ، عُمان في التاريخ ، لندن ، دار أميل للنشر المحدودة ، 1995م.
• وزارة التراث والثقافة. عُمان وتاريخها البحري، ط2 ، وزارة التراث والثقافة ، 2002م.

Wednesday, April 19, 2017

السيد سعود البوسعيدي أحد الحائكين لبردة الزمن العماني وآخر الحكائين للحلم

بقلم : حمود بن سالم السيابي
مسقط 19 ابريل 2017
انت زنجبار حلما جميلا عشناه .
ومع أول ضوء لشمس إفريقيا كان الحلم يوشك أن يتبدد ، فأسرعنا للمفسري للأحلام قبل أن تخوننا الذاكرة فنفقد التسلسل المنطقي لفصوله وتفاصيله .
وحين قبضنا على تلابيب ما تبقى على الأرض كشواهد وعناوين للحقيقة ، فإذا بالشواهد زئبقية كالحلم نفسه ، وشفافة كقناديل البحر مثله ، لندخل بها ومعها في ضبابية الحكايات عن سلاطين عاشوا هنا ، وقصور شمخت هناك ، وعن قرنفل شعشع ونارجيل تطاول ، وعن سيوف ومدافع وأشرعة وسفائن تغزل المتاهات الزرقاء بين شطري الإمبراطوية .
وكان الحلم الزنجباري على طوله جميلا ، وعلى نسياننا لبعض مشاهده مؤثرا ، و قبل ان نفرك عيوننا مع سطوع شمس ذلك اليوم المشؤوم كانت إفريقيا تدق طبولها ، وجمشيد آخر السلاطين يغادر بيت العجائب الى كوخ في "بورتسموث" على خطى فاروق الذي ترك "عابدين ورأس التين"  ليسفح ما تبقى من العمر في الضفة المقابلة للأبيض المتوسط .
وإذا كان جمشيد آخر انكساراتنا ، فالسيد سعود بن أحمد البوسعيدي آخر المتطوعين لسرد الحلم ، فقد عاش قرنا بأكمله ، وسفح نصفه على الأقل هناك .
ولم يكن السيد سعود مجرد شاهد على العصر ، بل أحد الحائكين لبردته ، فجده لأبيه هو السيد حمد بن أحمد السمار الذي يرقد بسلام تحت نارجيلة في "لامو"  وجده الأكبر لأمه هو السيد سليمان بن علي البوسعيدي والي مقديشو ، وشقيقته السيدة نونوه هي زوجة السلطان خليفة بن حارب ، وجده المباشر هو رئيس بلاط السلطان خليفة  ، والسيد سعود نفسه هو رئيس الحاشية السلطانية،  و بعد تخرجه من أوكسفود أضيفت له مهام التشريفات السلطانية فكان أحد أركان بيت العجائب ورجال دولة السلطان والمسؤول عن راحة ضيوف السلطان من الملوك والأمراء  ، فكان بحق أهم الحائكين لقطيفة الزمن العماني ، وأقرب الحكائين للمشهد  .
وفي كتابه "مذكرات رجل عماني من زنجبار" كان عنوان الكتاب يغرق في الحلم ولا يبوح بما يتمناه القاريء من رجل بقيمة وقامة السيد  .
وكان السيد سعود يركض في صفحات كتابه متعمدا الإبتعاد عن التفاصيل وكأنه في ماراثون مع الأزمنة .
وكان يلهث وهو ينقلنا لليل إفريقيا ويحدثنا عن مشاركة  الفلاحين اصطياد الخنازير البرية ، بينما كنا نطمح في المزيد من الصور عن لهاث الأرض في مطاردتها للنزقين على اجتثاث مجد أول سلطنة عربية في الشرق الإفريقي .
وفي صفحاته يسهب السيد في الحديث عن طفولته التي  تربت على الصهوات بين حصاني خليفة بن حارب وعن سقطته من جواده ليفسح الطريق لجموح "كحيلا"  حصان السلطان خليفة الذي آل بعد موته لاسطبلات حفيده جمشيد .
وفي مذكراته يخبرنا السيد سعود عن إفتتان الأميرة البريطانية مارجريت برقصة "الكونجوبيا"  حيث الزنجيات يرتعشن أجسادا وريشا وخرزا فكانت مهمة السيد أن يشرح للأميرة الزائرة اللوحات الزنجية الراقصة ، بينما تمنينا عليه أن يأخذها لأطلال المتوني حيث سيوف سعيد بن سلطان لا تزال على أغمادها في الأوتدة ، أو يطوف معها بقصر الساحل حيث الشطآن الراعفة بالأساطيل .
وفي سطور كتابه حكاياته عن  زيارة الملك الأوغندي "كباكة" وعن زيارة أميرة أردنية لا يجيء على ذكر اسمها،  والتي زارت زنجبار بعد أن خلت سارية بيت العجائب من راية سلاطين البوسعيد وينقل لنا تأثر الأميرة برؤية دموع حصاني السلطان "كحيلا والدهماني"  وقد تركهما جمشيد يبكيان خليفة بن حارب ، وكان السيد سعود ينسى أن زنجبار كلها كانت تنوح .
ويطل من صفحات المذكرات ذلك الطفل العاشق للقطارات ولعبة "الإمداكو" .
وذلك اليافع المحب للخيول والبولو وسباق الدراجات .
وذلك المغامر المهووس بمطاردة الخنازير البرية .
ولم تكن زنجبار السياسية هي مادة الكتاب ، رغم ان صاحب المذكرات ركن الدولة وسيف السلطان ، ولا كانت أسرار القصر الزنجباري شاغل  الكاتب رغم ان شقيقته السيدة نونوه تنام على مخدة السلطان .
ولا كان البحث عن تفسير لحلم الليلة  الأخيرة في زنجبار قضية المذكرات ، رغم ان المؤلف استفتح بها كتابه فأبقى كل الأقواس مفتوحة ، وجميع علامات الاستفهام في عنق علامات الإستفهام. 
ويبدو أن الكاتب كان على موعد مع منعطفات التاريخ لتضيف الصدف لكوابيس الحلم ما يعمق الحلم،  ويبعده عن الحقيقة .
وفي سرده لحياته نتوقف عند فقده لابيه بانفلونزا إفريقيا،  وتيتمه وهو ابن ثلاث سنين في ماليندي ، وفقدان السيد علي بن حمود لعرشه بتولي السلطان خليفة بن حارب مقاليد الأمور ، 
وحين يكبر الشاب يسوقه طالعه ليكون  اول عماني تبتعثه زنجبار لجامعة أوكسفورد .
ومع تولي جمشيد مقاليد السلطة تتسارع الأحداث بخروج بريطانيا من زنجبار ، وإعلان الاستقلال .
الا ان القراءة الإفريقية للاستقلال كانت قراءة سوداء سواد المكان نفسه  ، فهي لا تستقل عن بريطانيا بل تخرج على الراية البوسعيدية بدعم بريطاني وتآمر إقليمي وصمت عربي وعدم اكتراث أممي ، فتخرج زنجبار بعد عام من استقلالها على سادة المكان  لتحز  الرقاب وتنهب وتقتل وتدمر ، ليجد السيد سعود نفسه وراء القضبان ، فالثورة تصفي رجال العهد وتجتث كافة الأزمنة قبله ، وكالكثيرين من أبناء زنجبار بات السيد سعود طريد إفريقيا السوداء .
وما يزيد طينته بلة ان زنجبار تنفصل ومعها يفقد السيد روابط الزوجية من سميرة بنت سالم المعمرية فيواجه معاناة انفصالين مؤلمين عن الأرض والبيت ، وعن بلاط السلطان ودفيء عيني ابنته ريان. 
وبعد أن كان الآمر الناهي في بيت العجائب تقدفه إفريقيا السوداء بعيدا عند شمالها الأبيض حيث البحر المتوسط والملك الليبي إدريس السنوسي ينشر عمامة  الطوارق وجلباب عمر المختار ، ليتحول السيد سعود إلى مجرد موظف بسيط  في مصنع تبغ في ليبيا ، بعيدا عن السيدة نونوه وعيون  الحصانين "كحيلا والدهماني" وشقاوة مطاردة الخنازير .
وفي جو التبغ الخانق كانت ليبيا هي الأخرى تغلي على نار هادئة ليشهر القذافي سيفه في وجه الملك السنوسي فيلجأ الملك إلى أرض الكنانة ، بينما السيد سعود يختنق تبغا وقلقا .
وبعد عام على ليبيا في ظل القذافي يسطع في الشرق العربي سيد عمان ليوجه للعمانيين في كل مكان نداء العودة فيعود السيد مع العائدين إلى أرض الأجداد وإلى مزارع الأنبا في بركاء ونخيل أم السلا وبيوت السيد السمار ، فيلتحق بالخارجية العمانية ويزامل اسماعيل الرصاصي في السفارة العمانية بطهران ، ويعيش ارهاصات ثورة الكاسيت ومؤشرات عودة الخميني من "نوفيل لوشاتو".  
إلا ان السيد سعود يترك طهران قبل عودة الخميني فيعود الى مسقط ليكون شاهدا على نهضة الشطر الآسيوي من الوطن .
وفي عصر سلاطين وأئمة عمان كان العمانيون يتسابقون ليمشوا في مناكب الأرض ، وفي عصر سيد سادات عمان يستميت العمانيون للعودة إلى بلادهم حيث العزة والكرامة وحيث الافلاج والاودية والنخل والحصون والخيول.
وتبقى "مذكرات رجل عماني من زنجبار"  إطلالة من الزاوية التي اختارها المؤلف لبانوراما الجغرافيا والتاريخ كما رآها من بيت العجائب ، ولعلها تتكامل يوما مع مذكرات ابنته معالي السيده الدكتورة راوية البوسعيدية ، أو مع يوميات أحفاد وحفيدات المؤلف او مع غيرهم ، ليتخيروا شرفات أخرى للإطلالة على المشهد الزنجباري كقصر المتوني او مئذنة جامع قصر الساحل او دريشة بيت أبي مسلم الرواحي أو من مطبعة خليفة بن حارب او بالقرب من أحبار الفلق والنجاح ، أو صارية سفينة مسكونة  بغزل الموج بين المرافيء في شطري الوطن .
لنؤكد ان زنجبار حقيقة ، وان القرون التي سفحها الاجداد أكثر من الحلم ، وأكبر من البحث عن تفسير له .

Tuesday, April 11, 2017

صفحات مشرقة من نصرة العمانيين للقضية الفلسطينية منذ جذورها الأولى

بقلم .د. محسن الكندي .

في صيف العام 1993، قدِّر لي أن اتصل بالصحافة العمانية المهاجرة وأن تلامس يداي أوراقها الصفراء المبهرة، الحاوية لكثير من التفاصيل المتصلة بالحضور العماني في الديار الإفريقية.

كانت رحلتي مضنية ورغم ما فيها من مصاعب ومضانك البحث والتقصي والكشف والمقاربة في الأراشيف والخزائن الخاصة؛ الا أنها أضفت عليّ بنتائج أحسبها جيدة، فقد حققت لي مطلب شغفي المعرفي، ولبّت غايتي العلمية الرامية إلى تأصيل ما أثراه اجدادنا العمانيون من فكر أدبي وفقهي وتاريخي وثقافي، جسّده خطابهم التنويري في تلك الديار..

كانت أوراق هذه الصحف ملأى بكل تلك التدفقات المعرفية، وﻻ تحتاج منا سوى من ينفض عنها غبار الزمن، ويعيدها الى سابق تألقها المجيد، حينما كانت تروي عطش الطبقة المثقفة المستنيرة من أبناء عمان والعرب القاطنين تلك اﻵفاق.

كانت جهودي أوّليّة في جمع كل ما أجده وأطال تصويره.. ثم ما برحت توثيق ما وجدته لتكون محصلة ذلك أوّل مقال نشرته في مجلة "نزوى" الغرّاء، بتشجيع ومؤازرة من رئيس تحريرها الشاعر المثقف الكبير سيف الرحبي ثم سرعان ما تحول ذلك المقال الى كتاب اتخذ عنوان "الصحافة العمانية المهاجرة وشخصياتها "وصدر عن مؤسسة رياض الريس ببيروت في طبعتين اﻻولى صدرت عام 2000 والثانية 2009 .

ومع تواصل المكتشف والعثور على أعداد متفرقة وأخرى مكتملة من صحف ومجلات ودوريات بلغ عددها ثلاث عشرة صحيفة ونشرة تعود أقدمها إلى العام 1911 حيث صحيفتي "النجاح"، و"النادي"، وإلى العام 1929 حيث صحيفة "الفلق"، وإلى العام 1951 حيث صحيفة "النهضة"، إضافة إلى صحيفة "المرشد" ، و"الأمة" و"المعرفة"، ومجلة "المعلمين"، وصحيفة "الإصلاح" التي أصدرها الشيخ الأمين بن علي المزروعي، زعيم حزب الإصلاح في ممباسة، بالساحل الكيني قرابة العام 1930. وكانت كل هذه الصحف والنشرات تهدف الى تأسيس خطاب إعلامي معرفي يسهم في بلورة الهوية الثقافية للعمانيين والعرب،  وبناء مؤسسة إعلامية تامّة الشروط، إضافة إلى اهتمام بالغ بالدور الوحدوي النهضوي ذي الطابع الإسلامي العربي الذي يحمل على عاتقه تكوين  خطاب سياسي عربي، يعنى بقضايا العروبة، ويبحث في مستلزماتها وسط منعرجات ذلك الزمن البعيد.
من هنا برز في هذه الصحف الخطاب القومي ممثلاً في البحث في قضايا العرب الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين، إذ سجلت صحيفة "الفلق" وحدها ما مجموعه 15% من خطابها السياسي المفعم بالثورة واﻻستنهاض، فوجدنا فيها مقاﻻت بعنوان "فلسطين الشهيدة"، و"فلسطين الثائرة" و"يوم فلسطين"، و"تهويد فلسطين"، و"فلسطين تناشد الإنسانية"، وكلها مقاﻻت استنهاضية مبكرة  كتبت بين العامين 1938 و 1939م ، بأقلام عمانية، على رأسها قلم المحرر الشيخ الوجيه هاشل بن راشد المسكري، وزملائه أعضاء الجمعية العربية بزنجبار، لترسم لوحة شرف صفحاتها بيضاء ناصعة، تسجل أسماء الكرام البررة الأسخياء من العمانيين وأهل الخليج وأهل حضرموت وعدن وجزر القمر والطوائف غير العربية ، وغيرهم ممن قطن تلك الديار، الذين جادوا بما يملكون من مال في سبيل نصرة القضية، لينالوا الجزاء الأوفى في لحظة فارقة من تاريخ ذلك الزمن العصيب . فتطلعنا تلك الصحف على  أسماء النساء قبل الرجال بكثرة واضحة، نفضت عن بعضها غبار الزمن المدوَّنة اﻹلكترونية حين طالعتنا بالأمس رسالتها المتداولة المنقولة اصﻻ من صحيفتي:    " الفلق" ، و"المرشد" الصادرتين خﻻل الفترة من    ( يونيو _سبتمبر  1948 ) والتي تقدم قائمة تضم أكثر من مائتين وسبعين اسماً تتقدمهم المحسنة زوجة سعيد بن سيف بن سالم البوسعيدي التي تبرعت وحدها بالفين  شلنجا تلتها نساء ورجال أمثال  : السيد محمد بن سعيد بن سليمان البوسعيدي  ،والشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي رئيس الجمعيةالعربية بزنجبار ، والشيخين محمد بن هﻻل البرواني وهاشل بن راشد المسكري محرري صحيفة الفلق ، و اﻻديب محمد بن علي بن خميس البرواني صاحب المقامات المعروفة في عمان وأسماء أعيان ورشداء وشيوخ قبائل أمثال : الشيخ مسعود بن علي الريامي ، وعبدالله بن صالح الفارسي ، وعيسى بن سعيد بن ناصر الكندي ، ومحمد بن علي المسكري ومحمد بن سليمان اللمكي ، و محسن بن علي البرواني وابنه علي محسن الذي صار فيما بعد وزيرا للخارجية في حكومة اﻻستقﻻل ، وأطباء أمثال الدكتور علي بن سعيد بن سيف المعمري ، والدكتور سعيد محفوظ  ورجال من الجاليات القمرية والحضرمية أمثال  : اﻻستاذ صالح بن يحيى القمري ، والشيخ محمد برهان اﻻموي ، ومحمد بن عبدالرحيم باوزير..  ومؤسسات المجتمع المدني من مثل  : النادي العربي بزنجبار ، ونادي السيدات العربيات بمالندي ، ونادي السيدات القمريات . ومدارس حكومية من مثل :  مدرسة الحكومة بالبلد منازموجه  ،و مدرسة الحكومة بمييراني . واتحادات الطوائف غير العربية كاتحاد مالندي  ،وصحف كجريدة " المرشد " ومساجد كمسجد حمود بن أحمد البوسعيدي . وشخصيات غير عربية كالمستر م. قرشي وفدا حسين النهري وغير ذلك من الشخصيات اﻻعتبارية وﻻسيما شخصيات المراة التي حضرت بقوة في هذه القوائم مما يعني حضورها اﻻجتماعي ووعيها المبكر بقضايا التحرر الوطني وأمور السياسة وتضامنها مع القضايا العربية واﻹسﻻم  .

وما أثار انتباهي في تلك القوائم اسم المناضل الوطني  البحريني عبدالرحمن الباكر، الذي برز اسمه بجوار زوجته العمانية التي ابتنى بها في تلك المرحلة الزنجبارية، ومعروف عن الباكر أنه أقام في إفريقيا ردحاً من حياته (1946 _ 1948) وعُرف بموقفه الوطني المناهض  للاستعمار الذي أبان عنه بإسهاب كتابه المهم "من البحرين إلى المنفى: سانت هيلانه".

وغير بعيد عن هذه المقاﻻت العمانية، وقصائد الشعر والأعمدة والتحقيقات الإخبارية، وجدنا في طيات هذه الصحف إشارات إلى أسماء تشارك في الكفاح المسلح، وتنخرط في الجيوش العربية الأولى عندما حلت النكبة العربية الدهياء ، فتقدم أرواحها فداء لفلسطين الجريحة.

ولم تقتصر مشاركة العمانيين والعرب في نصرة القضية على خطابات ثقافية وهتافات شفوية، بل شارك أبناء عمان في كل بادرة تشجع نصرة القضية، فكانت قوائم التبرعات تمتلئ بها مخطوطاتهم الدفينة  وقد بلغت فيما تم نشره فقط قرابة 37581 شلنجا بقيمة الشلنج المالية في ذلك الوقت.
لقد وقع في نفسي ورود اسم الشيخ عبدالرحمن الباكر ضمن قوائم المتبرعين موقعاً بالغ الأهمية،  وأحاطني بهالة من اﻻستغراب، بل بدوّامة من الأسئلة عن مدى الترابط الخليجي، وعن وحدة الجذور والأرومة والمصير المشترك، والأهداف السامية المشتركة بين أبناء الخليج، ولم أخف أوج فخري بكون عمان،  بلدي العزيز، جذرٌ عميق ممتد لكل مناضل ومستنير منذ أقدم العصور. فهي الحاضنة والأم الرؤوم، والداعم لكل مشروع حضاري عربي طليعي  يخدم الإنسانية، ويدعم العروبة والإسلام.

فرحم الله الباكر، وأثاب أهل عمان والعرب الأسخياء الكرام البررة الذين ناصروا القضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى، وكانوا اليد الطولى الممتدة إليها كرماً وسنداً وإحاطة تهدف نصرة الإسلام والذود عن المسلمين.

آخر سلاطين زنجبار


منذر عبدالله الغربللي
الكويت في١٠إبريل٢٠١٧

السلطان جمشيد السلطان جمشيد بن عبدالله البوسعيدي.
من قبل 3 أسبابيع كنت أتصفح معلومات عن (سمرقند وزنجبار) وكانت من المعلومات التي تخطرفت أمامي هي عن آخر سلاطين زنجبار، والسلطان الحادي عشر في سلالة الأسرة التي جاءت من مسقط في القرن التاسع عشر لإقامة أول مُلك عُماني على ساحل أفريقيا الشرقية في المحيط الهندي.

يذكر المؤلف ناصر بن عبدالله الريامي صاحب كتاب "زنجبار شخصيات وأحداث والذي أجرى لقاء مع جلالة السلطان جمشيد في منزله بإنجلترا عام 2006م ، "انه في حدود الحادية عشر من صباح أول أيام سقوط نظام سلطنة زنجبار الذي صادف يوم الأحد 12 يناير 1964 خرج السلطان جمشيد من قصره المعروف بإسم (بيت الساحل) واتجه إلى ميناء زنجبار البحري الذي يبعد مسافة خمسمائة متر تقريبا، ومعه حاشيته وأسرته ، وركب سفينة (السلامة) دون أن يعلم وجهته تحديدا، بقدر ما كان يعلم بأن عليه الخروج من البلد فحسب، لينأى بنفسه وأسرته من مذبحة محققة" .

في هذه الأثناء، وفي تمام الساعة الحادية عشر صباحا تلقى السلطان جمشيد اتصالاً من مفوض الشرطة  يستأذن جلالته بأن يرسل له ضباطاً على رأس قوة مسلحة لإخراجه وأهله من القصر ومرافقته إلى الميناء البحري ، فخرج السلطان متهيئا لأسوأ الاحتمالات، وبيمينه بندقيته، يقود سيارته بنفسه مرفوع الهامة، ويصطحب معه زوجته وأبناءه ، وأما بقية عائلته وحاشيته رافقته كذلك بسيارات الشرطة إلى المرفأ، ليغادر السلطان قصره للأبد منكسراً ، محفوفا بعلامات التعجب والإستفهام يعتلي ظهر سفينة يودع من خلالها القصر الذي بناه جده الأكبر سعيد بن سلطان بعدما تعرض للخيانة حتى من أقرب الناس إليه كمرافقه الشخصي.

بعد ذلك انتقل السلطان جمشيد وعائلته من السفينة (سلامة) إلى السفينة المسماه ( السيد خليفة ) ليبحر حيث  المجهول إلى وجهة ليست في تلك اللحظات معلومة ، وحينما حاول السلطان التوجه إلى ممباسا تم منعه من النزول من قبل الإنقلابيين خشية حدوث  الاضطرابات ليتجه إلى دار السلام التي وافقت على استقبال السلطان وأتباعه بتدخل انجليزي، ووضع السلطان قيد الاقامة الجبرية في أحد المنازل بدار السلام لمدة 6 أيام، ليغادر بعدها بيوم تاريخي في 18 يناير من مطار دار السلام، وبحراسة أمنية مشددة إلى مطار نيروبي، ومنها إلى مطار بنغازي، ومن ليبيا أقلتهم الطائرة إلى انجلترا وتحديداً إلى مطار (مانشيستر)، وعن طريق القطار توجه السلطان جمشيد وعائلته إلى مدينة لندن، واستقر مؤقتاً هناك حتى قرر الرحيل والإستقرار النهائي في مدينة (بورتسماوث) بعد إلحاح من الشيخ سالم بن مسعود الريامي الذي كان يدرس هناك، فما كان من السلطان إلّا الإستجابة لطلب صديقه الحميم، فاشترى منزلاً متواضعاً في حي( فكتوريا جروف) في سوث سي ليستقر فيه حتى يومنا هذا.

ويعيش جمشيد حياة خاصة جداً مع أولاده وبقايا أفراد حاشيته التي لجأت معه من الذين لم يعودوا لا إلى زنجبار ولا إلى عُمان منذ أكثر من ربع قرن. وكان من شروط البريطانيين للسلطان جمشيد تسليم نفسه للسلطات البريطانية في زنجبار على متن السفينة " كينيا " إلى بريطانيا والتخلي عن العرش وعدم مقاومته للثورة، وعقدت بريطانيا اتفاقا شخصياُ معه بأن تدفع له معونة سنوياً 11 ألف جنية أسترليني ما دام مقيماً في بريطانيا، أما إذا ترك بريطانيا إلى بلد آخر ليقيم فيه فتدفع له مبلغاً مقطوعاً قدره 350 ألف جنية إسترليني، والتزم السلطان جمشيد بالاتفاق الأول حتى الآن.