Saturday, September 3, 2016

رحلات حجاج شرق إفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين

د.صالح محروس
الحياة : 3/9/2016

يسمي البعض قارة إفريقيا بالقارة المسلمة، فـ 65 في المئة من سكانها مسلمون، وتضم 25 دولة غالبية أهلها يدينون بالإسلام، وهي ثاني قارة تضم مسلمين بعد قارة آسيا. فلا غرو أن أول منطقة دخلها الإسلام بعد مكة المكرمة كانت شرق إفريقيا وبالتحديد الحبشة. انتشر الإسلام في شرق إفريقيا من طريق التجار المسلمين، وكان للهجرات العربية دور مهم في هذا الأمر. وكان النصيب الأكبر من حظ الدور العُماني، إذ حكم العمانيون زنجبار لنحو ثلاثة قرون. وأكبر عدد من حجاج بيت الله الحرام يأتي من آسيا ثم إفريقيا، وكانت طرق حجاج شرق إفريقيا البحرية تبدأ من موانئ دار السلام في تنجانيقا وممباسا في كينيا وزنجبار، وكانت السفن تتوقف عادة في ميناء عدن ومنه إلى ميناء جدة ثم براً إلى مكة المكرمة. كان ميناء زنجبار من أهم موانئ حجاج منطقة شرق إفريقيا التي تضم كينيا وأوغندا وتنجانيقا وبورندي ورواندا، من طريق القوافل التجارية. ومن هذه الطرق ذاك الذي يبدأ عند بجمايو في مواجهة زنجبار ويتجه جنوباً ثم ينحني في اتجاه الشمال الشرقي لتجنب المرتفعات، وتقع عليه أكبر المستعمرات العربية (تابورة) على بعد 600 ميل من الساحل وينتهي عند بحيرة تنجانيقا. ومن تابورة يبدأ طريق آخر ينتهي عند بحيرة نياسا ويتفرع منه طريق بمحاذاة سهل نهر روفما بين الممتلكات العربية والبرتغالية. ومن أطول هذه الطرق ذلك الذي يبدأ من بمبا وتابورة بالطريق الأول ثم يستمر في الاتجاه شمالاً حتى بحيرة فيكتوريا. ووصل التجار العرب إلى عاصمة مملكة بوغندا وأصبحوا على مقربة من التجار العرب الذين يأتون إلى هذه المناطق من السودان. واهتم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بتقديم الرعاية لسلاطين زنجبار وأسرهم عند قيامهم بأداء فريضة الحج؛ من طريق ولاته على الحجاز. وتجلى ذلك فى رحلة الحج التى قام بها السيد برغش؛ سطان زنجبار، وأسرته في 1312هـ. وترتَّب على رحلات الحج هذه وجود محطات تجارية وازدهار النشاط التجاري على طرق الحج وانتشار الإسلام واللغة العربية. وكانت ولاية الحجاز ولاية مميزة في الدولة العثمانية، فهي معفاة من الضرائب وتخصص لها اعتمادات مالية. وكانت الدولة العثمانية تنظم أربع قوافل رسمية لأداء الحج، وأنشئت الآبار على طول الطرق المؤدية الى الحجاز وأقامت في البادية حصوناً لحراسة الآبار وشجعت على تشييد الخانات. وكانت تلك القوافل تتحرك في مواعيد محددة في رفقة قوة عسكرية يقودها أحد كبار العسكريين يسمى «سردار الحج»، وكان يرأس كل قافلة أمير للحج، وهو شخصية رسمية رفيعة المستوى. وتضم تلك القوافل قافلة الحج الشامي وتضم حجاج بلاد الشام والجزيرة وكردستان وأذربيجان والقوقاز والقرم والأناضول والبلقان وحجاج اسطنبول نفسها، ثم قافلة الحج المصري وتضم حجاج مصر وشمال إفريقيا، ثم قافلة الحج العراقي وتضم حجاج العراق وفارس، ثم قافلة الحج اليمني وتضم حجاج اليمن والهند وماليزيا وإندونيسيا وحجاج شرق إفريقيا. وكانت رحلة حجاج السودان ونيجيريا تستغرق أحياناً سنوات عدة، فقد حكى عبدالله فيلبي صاحب كتاب «حاج في الجزيرة العربية»، أنه التقى خلال رحلته للحج عام 1931م التكارنه (الأفارقة من غرب إفريقيا) وأنهم كانوا يعملون في مزارع القطن في السودان وهم في طريقهم للحج وقابل رجلاً حكى له أنه بدأ الرحلة وكان لديه طفل واحد ثم أصبحت أسرته ستة أفراد بعد انتهاء الحج، فالرحلة استغرقت 14 سنة. وحكى معاناة الحجاج الأفارقة وأن بعضهم كان يؤثر البقاء في مكة على العودة إلى بلده. وكانت لقوافل هؤلاء الحجاج محطات تعد مراكز تجارية عامة انتشرت فيها اللغة العربية واللغة السواحيلية التي هي مزيج من اللغة العربية ولغة البانتو الإفريقية، وكانت لغة الحوار والمعاملات التجارية.

الأسرة العُمانيّة التي حكمت جزر القمر

د.سليمان المحذوري
ملحق أشرعة - جريدة الوطن
4/9/2016


تُعدّ التجارة البحريّة من أقدم أوجه النشاط الاقتصادي التي مارسها الإنسان العُماني منذ قديم الزمان؛ بسبب موقع عمان الاستراتيجي واطلالتها على سواحل ممتدة؛ الأمر الذي أدّى إلى نمو علاقاتها التجارية مع المراكز والمحطات التجارية في الخليج العربي والمحيط الهندي شرقاً وغرباً.
وتعود صلات العُمانيين باقليم شرق إفريقيا إلى القرن الأول الميلادي وربما قبل ذلك كما تذكر لنا المصادر.
وقد أدّت هذه الصلات التجارية وفقاً لمواسم التجارة المرتبطة بمواقيت الرياح الموسمية إلى استقرار بعض العُمانيين في مدن وجزر ساحل شرق افريقيا مثل زنجبار ومدغشقر وموريشيوس وجزر القمر1 وغيرها.
إلا أنّ المُتتبع للعلاقات العُمانيّة القمرية بشكل خاص يجد من الصعوبة بمكان تحديد فترة بعينها لنشأة تلك العلاقة؛ نظراً لغياب الشواهد والوثائق التي تُشير إلى ذلك؛ بيد أنّ المصادر التاريخية تُؤكد على أنّ أغلب المهاجرين العرب إلى جزر القمر هم من العُمانيين والحضارمة؛ إلا أنّهم تركوا الانتماء إلى القبائل العربية رفضاً للمفاخرة التي تُفضي إلى التعصب والتشعب ولأجل ذلك ينسبون إلى مكان اقامتهم فيقال لهم “القمري”،وهذا الاتحاد قد لم شعثهم وألف بين قلوبهم كما يذكر ذلك المغيري في جهينته.
وفي هذا الصدد يُشير المغيري كذلك إلى أنّ العُمانيين منذ قديم الزمان كان لهم ممتلكات في جزر القمر من قبل نزول أئمة اليعاربة في إفريقيا الشرقية، وكانت هناك علاقة تجارية نشطة قائمة بين العُمانيين وتحديداً أهل صور2 وجزر القمر.
على سبيل المثال يذكر البحّار الإنجليزي William Jones أنّه التقى بمجموعة من تجار مسقط في جزر القمر في نهاية القرن الثامن عشر، كما أنّ الفرنسيين خلال منتصف القرن التاسع عشر أثناء احتلالهم لجزيرة “مايوت”Mayotte – احدى جزر القمر-عام 1841م وجدوا أنّ التجار العُمانيين يستقرون في المنطقة ويمتلكون عددا من مزارع قصب السكر والفانيليا والبن، وينقلون بضائعهم على متن سفنهم الخاصة رافعين العلم العُماني.
على أنّ الصلات السياسية بين الجانبين بحسب المصادر المتوفرة تعود إلى أسرة اليعاربة عندما أقام الإمام سيف بن سلطان اليعربي (1692-1711م) تحالفاً مع سلطان جزر القمر بعد طرد البرتغاليين من ساحل شرق إفريقيا.
وفي هذا السياق تذكر بعض المصادر أنّ أسرة عُمانية من قبيلة المناذرة كانت ذات ثروة وسمعة لدى السكان المحليين وقد تزوج أحد افراد هذه العائلة ويُدعى صالح بن محمد بن بشير المنذري بإبنة سلطان مايوت القمرية، وبعد وفاة هذا السلطان تقلد صالح المنذري مقاليد الحكم في الجزيرة عام 1750م خلفاً لصهره.
وفي خضمّ التنافس العُماني الفرنسي على جزر القمر لا سيما بعد أن أضحت زنجبار مركزاً سياسياً وحضارياً للدولة البوسعيدية في إفريقيا الشرقية منذ عام 1832م؛ أصبح الأرخبيل محط أنظار القوتين المتنافستين، وبعد أن تولى الحكم في موهيلي Moheli– احدى جزر القمر- رامانيتكا Ramanetaka3عام 1832م أعلن ولاءه وتبعيته لزنجبار على الرغم من عدم رضا الفرنسيين عن هذا التقارب.
كما تذكر لنا المصادر كذلك أنّ سعيد بن محمد البوسعيدي 4 المُلقب بـ مكدارا أو مقدارا M’kadara5 نجح في الزواج عام 1852م من جومبيه فاطمة التي خلفت والدها رامانيتكا في الحكم؛ ونتيجة لهذا الزواج أصبح سعيد بن محمد بمثابة الحاكم الحقيقي في موهيلي شرع في تطوير النشاطات التجارية بالجزيرة، كما أدّى هذا الزواج إلى تقوية نفوذ العرب وتعاظم نفوذ زنجبار في موهيلي؛ الأمر الذي نتج عنه زيادة حدة الصراع السياسي بين زنجبار وفرنسا خاصةً بعد أن سيطرت على جزيرة مايوت القمرية 6.
لذلك سعت فرنسا إلى ابعاد الأمير البوسعيدي زوج السلطانة الذي أصبح حجر عثرة في طريق المخططات الفرنسية الرامية إلى فرض نفوذها وسيطرتها على الأرخبيل؛ ولعل مساندة سعيد بن محمد البوسعيدي للسيّد ماجد في صراعه مع أخيه السيّد ثويني على الحكم بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م اعتُبر سبباً رئيسياً في عزله واستبعاده من موهيلي، ومن ثم اجباره على تطليق زوجته جومبيه فاطمة وبالتالي الخلاص من نفوذ زنجبار على موهيلي.
ونتيجة لذلك تنازلت السلطانة عن العرش لإبنها الأكبر من زوجها العُماني محمد الذي حكم خلال الفترة 1867-1871م، وتمّ رفع علم سلطنة زنجبارعلى الجزيرة؛ إلا أنّ صغر سن السلطان الجديد، وعدم مقدرته على تسيير العمل السياسي تسبب في تزايد النفوذ الفرنسي في مملكته، وتمّ اقناعه بضرورة استقلال موهيلي عن سلطنة زنجبار.
وفي عام 1878م بعد وفاة جومبيه فاطمة انتقل الحكم إلى الابن الثاني عبدالرحمن بن سعيد،وقد كان السلطان عبدالرحمن يبغض بشدة السيطرة الفرنسية على الجزيرة مما أدّى إلى تدبير فتنة انتهت بمقتله عام 1885م، وبعد عام واحد خضعت موهيلي رسمياً للحماية الفرنسية.
أما الابن الثالث محمود بن سعيد فقد حكم خلال الفترة 1888-1898م ونفاه الفرنسيون إلى جزيرة “رينيون” التي توفي بها7، وبذلك انتهى النفوذ العُماني في جزر القمر لا سيما خلال النصف الثاني من القرن 19 الذي شهد حدة احتدام التنافس السياسي والاقتصادي بين عُمان وفرنسا للسيطرة على مناطق اقليم شرق إفريقيا.
ولسبر أغوار العلاقات التاريخية والحضارية بين عُمان وشرق افريقيا بشكل عام والعلاقات العُمانية القمرية على وجه الخصوص هناك كثير من الأسئلة التي ما زالت تحتاج إلى اجابات شافية، وما من شكّ أنّها تحتاج إلى مزيد من التقصي والبحث المعمّق من خلال الغوص في الوثائق العربية والفرنسية وكذلك الزيارات الميدانية ورصد التاريخ الشفهي؛ للخروج بمادة علمية تُسهم في اماطة اللثام عن جوانب مهمة من التاريخ العُماني خاصةً فيما يتصل بالعلاقات التجارية بين عُمان وجزر القمر وما ترتب عليها من جوانب حضارية متبادلة سياسية وثقافية واجتماعية.
المراجع:
* كرهيلا، حامد. العلاقات التاريخية بين الدولة البوسعيدية وجزر القمر(1806-1964).بيبلوس كونسالتينغ للطباعة والنشر والتوزيع، موسكو: 2007.
* كرهيلا،، حامد. صراع الحب والسلطة السلطانة جومبيه فاطمة.
دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق:2012.
* المحروقي، محمد. مقال بعنوان “جومبيه فاطمة والصراع العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمرية “، القدس العربي، أغسطس 2011.
* المغيري، سعيد بن علي. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار.
تحقيق محمد علي الصليبي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط:2001.
هوامش:
1 هناك روايات متعددة حول من أطلق اسم جزر القمر على الأرخبيل إحداها تقول إنّ العرب هم من سموها بهذا الاسم وان كانت هذه الرواية تحتاج إلى تثبت، أما بالنسبة لنطق الاسم فهناك رأي يسير إلى أنّ النطق الصحيح هو “القُمر” بضم القاف وسكون الميم أو “القُمُر” بضم القاف والميم نسبة إلى طير “قُمر”، وهناك رأي بأنها تنطق بفتح القاف والميم نسبة إلى القمر وهي التسمية الرسمية للأرخبيل، والتسمية الغربية لها هي “كومور” Comores حيث يرى البعض أنّ هذه التسمية هي ترجمة حرفية للتسمية العربية.
2 يذكر حامد كرهيلا في كتابه “العلاقات التاريخية بين الدولة البوسعيدية وجزر القمر” نقلاً عن المغيري أنّ العرب المناذرة وبني هناءة والبروانة والغيلانين وبني ريام والحكمان واليحيائيين وغيرهم من قبائل عُمان نزولوا في جزر القمر، أما العرب الذين تزوجوا ونسلوا بجزر القمر فهم أهل صور حيث يشاهد أولادهم وذراريهم في انحاء الجزيرة كما سادت عناصر من سكان صور على الحياة الاقتصادية بتلك النواحي.
3 رامانيتكا أو رومنيتيكا ملغاشي الأصل حكم جزيرة “موهيلي” القمرية عام 1832م اعتنق الإسلام واصبح اسمه عبدالرحمن.
4 سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي أحد أقارب ومستشاري السيد سعيد بن سلطان أوفده السيد سعيد عام 1836م للقيام بدور الوسيط في الصراع الدائر على السلطة في جزيرة موهيلي، توفي عام 1864م.
5 بخصوص لقب “مكدارا ” يشير د.محمد المحروقي في مقاله “جومبيه فاطمة والصراع العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريَّة: صراع الحب والسلطة” الذي نشر في:القدس العربي ” وقد عرفت أن هناك منطقة بممباسا، يقطنها البلوش تسمّى ‘مكدارا’.وأصل تسميتها أن سكّانها نقلوا، لأسباب نجهلها، من مساكنهم إلى مواضع أخرى.
فكان الناس يسألونهم: لماذا نُقلوا؟ فيقولون: ‘قدّر الله وما شاء فعل’.ويقولون أيضاً: مقادير. وبمرور الزمن سمّيت المنطقة ‘مقدارا’ أو ‘مكدارا’ بالنطق السواحلي.
وربما سكن سعيد هذا بهذا المكان، فـُنسب إليه على عادة الثقافة السواحليّة” إلا أنّ المصادر لا تذكر لنا أنّه سكن في ممباسا ومن خلال بحثي عن معنى هذه الكلمة في اللغة السواحيلة تمّت افادتي بأنها تدور حول المقادير أو الأقدار أو المقدرة وبشكل عام الألقاب في شرق افريقيا عادة مألوفة.
6 لمزيد من التفاصيل انظر كرهيلا كتاب: صراع الحب والسلطة السلطانة جومبيه فاطمة.
7 بالنسبة لاحفاد سعيد بن محمد البوسعيدي ذكر د.محمد المحروقي أنّه زار جزر القمر في صيف 2010م والتقى بحفيدين من نسل هذا الأمير، كما اطّلع على الوثائق الفرنسيّة والعربيّة التي تثبت أصولهم العُمانيّة.



العمانيون في ماليندي : كفاح من أجل الحفاظ على الهوية

أحمد بن مبارك النوفلي
مجلة الفلق الالكترونية
15/7/2012
ملاحظةتم نشر هذا المقال في جريدة عمان بملحق شرفات، بتاريخ 28 ذو الحجة 1433هـ/ 13/11/2012م، ويعاد نشره هنا لإضافة الهوامش، وتعديل بعض العبارات.
فكرة السفر لم تكن واردة في جدولي لهذا العام ولكن صديقاً اسمه سعود بن خليفة السعدي طرح علي الفكرة ثم شرع يحثني ويشجعني عليها حتى استقرت في بالي، وبعد تفكير مني وإلحاح منه اخترنا السفر إلى هذا البلد الذي أكتب لكم منه الآن.
أكتب لكم من هنا من داخل أحد الثغور الماليندية الكينية وبالضبط من مدينة ماليندي من قرية بوماني من الغرفة الملحقة بالمسجد الصغير، حيث الساعة متأخرة في إحدى الليالي الباردة لشهر شعبان من عام 1433هـ موافق 2012م.
ولم تكن هذه أول مرة أسافر فيها إلى هذه البلدة فقد زرتها عام 2009، ثم زرتها في العام الذي بعده، وكانت مدة الزيارة في هذين العامين تتراوح بين الشهر والشهر والنصف، أما هذه السنة فكانت الزيارة أقصر مدة منهما فقد بقينا في كينيا عشرة أيام فقط .
في كل مرة أزور فيها ماليندي أود أن أكتب لكم عنها وعن العمانيين فيها، خاصة حينما يخالجني هذا الشعور العاطفي نحو ما أراه من معاناتهم في الحفاظ على الهوية العمانية.
حينما جثم الليل وسجى، وهجع الأنام ورقدوا، تصارعت في قلبي الأفكار والعواطف لتخرج من مكمنها، فأيقظتني من فراشي، وقادتني إلى حاسوبي، حينها حاولت أن ألملم المواقف التي هيجت أفكاري ودغدغت عواطفي حتى شارفت الدموع على السقوط بسبب سلوى الحزن وألم الحسرة وهمّ الندم وهدهدة الرحمة والشفقة وعاطفة الود والإخاء، في هذه اللحظة الموجعة زفر قلمي بهذه السطور المفعمة بصدق الهتاف والتعبير.
البوسعيدي والبوعلي والنحوي والخصيبي والبداعي والصقري والزكواني والدرمكي وغيرها هي قبائل الأسر العمانية القاطنة في محافظة ماليندي الساحلية الكينية، يمزجها تماسك اللحم والدم، والدين والمذهب، والهوية والتاريخ.
عايشتُ هذه الصفوة الطاهرة هناك، في كل مرة أشعر بقوة صبرهم وتحملهم لضروب المعيشة وقساوتها عليهم، أود البكاء غير أن المانع هو ما أراه فيهم من صدق المودة والمحبة، وأدب التسامح والألفة، وطيب الأخلاق ورقيها، وصفاء القلوب وإخلاصها، وتكاتف الأيدي وبرّها.
أجل يعاركون الحياة هناك، من أجل لقمة العيش والحفاظ على الهوية العمانية والدين، فسعود بن محمد البوسعيدي رجل كبير في السن (شيبة)من ذوي الأصول العمانية في ماليندي، يعيش في بيت بإيجار، يملك مصنع حلوى، وسمى هذا المحل بالحلوى الأصلية، وتنطق باللغة السواحلية (هلوى أسلي)، لا يجد تلك الفائدة المرجوة من المحل، إلا أن اعتزازه بتراثه وهويته العمانية في الشرق الأفريقي هو الذي جعله متمسكاً به، لا ينظر إلى المادة بل ينظر إلى المعنى والرسالة.
وهذا الشاب منصور بن حمود البوعلي، يملك مطعماً في سوق ماليندي، أطلق عليه تجارياً مطعم جبرين، هو لم ير جبرين العمانية ولم تصل إليه صورتها، لكنه يعلم أن هناك في بلاده التي لم يرها قط بلدة اسمها جبرين وفيها حصن جميل ورائع يسمى حصن جبرين، فعشق الاسم والمسمى، لا لشئ إلا لأنه يعبر عن معلم عماني ضارب في التاريخي والقدم.
وهناك الكثير من الأمثلة يصنعها ذوو الأصول العمانية في كينيا من أجل الحفاظ على الهوية.
أما من حيث اللغة والتعليم، فلا يزالون يحافظون على لغتهم العربية، لكن هذا الحفاظ يتفاوت فيما بينهم، فمنهم من يتحدثها بطلاقة، ومنهم من يتحدثها بصورة أقل، ومنهم من يعرف معظم مصطلحاتها، ومنهم من يعرف بعضها، إلا أنهم جميعا متساوون في غيرتهم عليها غيرة الرجل على زوجته.
تلك الفئة ذات الأصول العمانية سعت بجهود متكاتفة لبناء مدرسة لتعليم أبنائهم، وسمتها مدرسة التوفيق، أملاً منهم وتفاؤلاً في توفيق الله لهم إلى تحقيق أهداف التعليم نحو اللغة العربية والدين، دخلتُ المدرسة وفي صحبتي سعود السعدي، حينما رأى سعود اجتهاد الطلبة وكفاحهم في تعلم اللغة العربية كادت أن تذرف من عينيه دمعة، عبر لي عن هذا الشعور بقوله: (كدت أن أخرج من المدرسة لأبكي مما رأيت ثم أرجع).
هل تكفي هذه السطور البسيطة لأعبر عن هذه المدرسة وروحها العمانية الخالصة؟ لقد تفاجأت عندما وجدت أن المنهج الدراسي لها هو نفس المنهج الدراسي والكتب الدراسية التي رأيتها في المدارس العمانية، كيف استطاعوا الوصول إلى هذه الكتب وهذه المناهج، كم من الجهد وكم من التضحيات وكم من الأموال بذلت حتى يحصلوا على بعض النسخ من هذه الكتب .
أجل المدرسة وجوها العماني لا تكفيها هذه السطور البسيطة، ولو لم يكن إلا المنهج المعتمد عليه في التدريس لكفى، فهو منهج المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في سلطنة عمان، وفي كل عام يبحثون عنه هنا وهناك بحث المهندس الأثري في الآثار، عبر أهل الخير والإحسان.
لا يرتدون في المدرسة إلا الزي العماني، الدشداشة والكمة للطلبة الذكور والمعلمين، وأما الطالبات والمعلمات فالجلبية والليسو والوقاية والستر هو زيهن الرسمي لهذه المدرسة.
حضرنا الحفل الختامي السنوي للمدرسة لتكريم الطلبة والمعلمين آنذاك، رأينا معظم الطلبة والمعلمين والحضور يرتدون الزي العماني، وقد علق الطلبة والمعلمون على صدورهم شعار علم سلطنة عمان على شكل وردة وفي وسطه صورة السلطان قابوس .
هذا المشهد أثر فيَّ إعجاباً ودهشاً، وفرحاً وحزناً، وألماً وتوجعاً، كادت تذرف دموع عيني لولا أن أمسكتها وأبقيتها في مقلتيها محبوسة، لئلا يشعر أحد بي في وسط الحضور.
صلينا مع الجماعة في المسجدين المعروفين في ماليندي الأول بالمسجد الإباضي الكبير، والثاني بالمسجد الإباضي الصغير، يصلون صلاتهم على المذهب الإباضي، ويفقهون أبناءهم في المسجد والمدرسة على الفقه الإباضي وعمدتهم في الصلاة بعد القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب تلقين الصبيان للسالمي.
رأينا بعد صلاة المغرب أبناءهم يتعلمون صلاة الجماعة بطريقة الصلاة الجهرية، بحيث يتقدم كل يوم أحد الأبناء بالدور ليصلي بزملائه صلاة الجماعة جهراً فيجهر بالنية والتوجيه والتكبير والفاتحة والسورة وتكبيرات الانتقال وتسبيح الركوع وتسبيح السجود والتحيات والسلام من الصلاة، والمأمومون من الأطفال يرددون خلفه جهراً كل الصلاة، اللهم إلا الفاتحة والسورة، وإنما الإمام وحده يقرأهما جهراً، وهم يقرؤون الفاتحة سراً والسورة يستمعون إليها، ثم يسلمون جميعاً خلفه جهراً.
أعجبتني هذه الطريقة كثيراً، كما أنها أدهشت صديقي سعود إعجاباً واستغراباً، وبتلك التلاوة العطرة المجودة وبصوت جهوري من الإمام الذي صلى بزملائه الطلاب محمد بن يوسف بن ماجد البوسعيدي، فقام له سعود متأثراً بعد الصلاة وانحنى له انحناء الأم على طفلها وقبله من رأسه وحياه، وكادت عيناه تذرفان الدموع فرحاً وآسى.
بناء المسجدين مازالا محافظين على التراث العماني مع الأصالة والقدم، بل يرفضون دخول الحداثة فيه، فهما مسجدان بلا فرشة حديثة بل فرشوا فيهما بساط من السعف، ودون مكبر صوت، هنا أن لم يتدارك العمانيون في عمان لمساعدتهم وتنوريهم فكراً فسوف يذوبون في معارك الحضارة وحينها يتلاشى كل شي.
في المسجد الكبير وجدنا بعض أجزاء كتاب قاموس الشريعة(1بطبعته الزنجبارية القديمة مصفوفاً على الأرفف، مع غيره من الكتب المطبوعة قديماً.
يرفض الآباء أن يصلوا صلاة الجمعة، تمسكاً بأحد الآراء في المدرسة الإباضية بأنها لا تجب إلا في الأمصار السبعة(2).
متمسكين بمعظم العادات والتقاليد العمانية، في زي الملابس، رجالاً ونساء، تحدثت ذات مرة مع طالب صغير عمره ثلاث عشرة سنة فقلت لهلماذا حينما تلعب تلبس السروال والقميص، وحينما تصلي تلبس الدشداشة؟
قالهذا لباسنا العماني.
فقلت لهحسناً هل تستطيع أن تأتي المسجد وأنت مرتدي السروال والقميص؟
قاللا.
فبادرتهلماذا؟
قاللأن أبي سيضربني.
تبين لي من هذا الحوار البسيط القصير مدى تمسكهم بالعادات والتقاليد العمانية لحد التعصب، إنها غيرة الحفاظ على الهوية.
ومن العادات العمانية والعربية المتمسكين بها إكرام الضيف، لقد وجدنا إكراماً عظيماً محفوفاً بالفرح والمسرات، من الكبار والصغار، ولولا خوف الإطالة على القارئ لسردت عشرات المواقف في ذلك بيد أني أقتصر ها هنا على موقفين:
الموقف الأول: عند وصولنا مطار ممباسة استقبلنا سعود البوسعيدي وابنه سميح، وأخذا بناء إلى الفندق الذي استأجرناه في ممباسة ولما أردنا أن ندفع القيمة وجدناها مدفوعة عنا، وبعد حوار طويل مع سعود البوسعيدي أخبرنا بأنه لم يدفع هو بل الجالية العمانية في ماليندي هي التي تعاونت على ذلك.
الموقف الثاني: حينما وصلنا ماليندي الساعة التاسعة صباح يوم الثلاثاء، وفي صحبتنا سعود البوسعيدي أنزلنا بيته، وقدم لنا الإفطار مباشرة، ثم خيّرنا في السكنى في غرفة خاصة في بيته اعتدتُ السكنى فيها في العاميين الماضيين، أم في غرفة في المسجد هُيئت لنا، فاخترنا غرفة المسجد، والتي أعدت بسريرين نظيفين وزولية وطاولة وكرسي ومبخرة باللبان، وأُعدت بطريقة جميلة جذابة مريحة.
ثم بعد صلاة الظهر قالوا لنابأن الغداء في مدرسة التوفيق، فذهبنا وإذا بوليمة وصنوف من الطعام المتنوعة أعدت لنا، مع حضور مجموعة منهم من الكبار والشباب، وقالوا لناهذا أعددناه لكم فرحاً بقدومكم إلينا.
هذان الموقفان وغيرهما لم يشعرانا بالغربة بل شعرنا حينها بأننا بين أهلنا وآبائنا وإخواننا وأبنائنا، لقد عبر سعود السعدي عن ذلك بقوله ليلقد شعرت بالراحة والاطمئنان في هذا المكان وكأني في عمان.
حين التأمل والوقوف عند الأسماء تجدها متمسكة بالمسميات العمانية ذكوراً وإناثاً، فمن أمثلة أسماء الذكور:
سعود، وسالم وسيف وراشد، وحميد، وثاني، وسعيد، وغريب، وعبدالله، وناصر، وعيسى، وأحمد وإسماعيل، ومحمد، وحمود، وعلي، وقيس، ويوسف، ولقمان، ويحيى، وغيرهم الكثير وكلها أسماء عمانية بحتة.
ومن أسماء الإناث، نصرى، وعائشة، وخديجة، ووحيدة، ومريم، وراية، وجوخة، وصفية، وزينب، وحميدة، وميمونة.
بعد هذا الطواف في ماليندي بين ذوي الأصول العمانية، أقولأفعالهم وصورهم الحسنة، سلوكهم وأخلاقهم الراقية، تعلميهم ومعيشتهم المكافحة، كلها تنطق بصوت واحد نحن مازلنا عمانيين، عاش آباؤنا قديماً هنا فأحيوا البلاد والعباد بلا تنازل عن الهوية وعلى طريقهم نسير يأبى من يأبى ويرضى من يرضى، لا يرجعنا عن الهوية الإسلامية والعمانية شئ إلا الحتوف.
إنهم بهذه المعاني السامية وبهذه الحياة المكافحة يؤرخون عصرهم الحاضر في كينيا، وفي الآن نفسه يؤرخون عصر عمان اتجاههم خارج وطنهم الأصلي. 
1 قاموس الشريعة من تأليف جميل بن خميس السعدي، من قرية القرط بولاية المصنعة، يقع الكتاب في 92 جزءاً، الموجود في ماليندي، 21 جزءاً، وطبعت منه حالياً وزارة التراث والثقافة العمانية 21 جزءاً.
2 انظر: أبا الحسن علي بن محمد البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ج2، 1092، دراسة وتحقيق الحاج سليمان بابزيز وداود بابزيز.
ويحتج أهل ماليندي من ذوي الأصول العمانية أيضاً بأن الحاكم والدولة لا تنضويان تحت لواء الإسلام.

تراكم الغبار على جزيزتي لامو وباتي

أحمد بن مبارك النوفلي
مجلة الفلق الالكترونية
7/12/210
ما عقدت العزم على تسطير شيء في سفري، بيد أن القلم أبى إلا وأن ينطق ويكتب الحقيقة المنسية كما يريد لا كما يراد منه، قائلاً:
تراكم الغبار على جزيرة متروكة خربة منسية..
وحينما تزداد توغلاً في مناطقها المجاورة يزداد التراكم مثنى وثلاث ورباع..
البيوت سوداء.. والناس فقراء..
عصرها عالم الحداثة وما بعد الحداثة، بيد أن آثارها قد شوهت ، وحروفها قد محيت ، وعلومها جفت ، ومعالمها قد طمست..
لا ترى فيها الأنوار إلا قليلا..
لا سيارة فيها.. ولا دراجة نارية ولا هوائية.. وسيلة النقل لديهم هو الحمار أو المشي على الأقدام..
لا تعرف النظافة ولا النظام..
مزدحمة بالمارّة من عرب وأفارقة وأجانب..
بها الضجيج الصخب.. والصراخ المزعج.. والحركة المستمرة ذهاباً وإياباً..
من يسقط مريضاً إما أن يسعف على الحمار، وإما أن تقتله الملاريا..
موقعها في الشرق الأفريقي، إنها جزيرة لامو([1])..
ساقنا القدر إليها، وكنا ثلاثة..
تجولنا في سوقها.. ومررنا بين بيوتها.. وتعرّفنا على أهلها..
دكاكينها متواضعة متآكلة، وبضائعها هي الفواكه والأسماك والأدوات التراثية، وبعض الأشياء الضرورية المستوردة عبر القوارب الخشبية والزوارق الحديثة الصغيرة.
بيوتها من الطراز القديم، ونوافذها شبابيك خشبية، يبنون بيوتهم من الأحجار أو الطين وبعضهم من الأسمنت والمواد الحديثة، بيد أن طريقة البناء الكلاسيكية وهيكل الممار السككية كأنك في مطرح القديمة أو نزوى بيضة الإسلام..
اشترى الأجانب ما يقارب 400 بيتاً، منها ما حوّل إلى فنادق، ومنها ما يسكنه الأجانب بأنفسهم..
من يكن غريباً عن الجزيرة يُعرف من بين الناس، فكنا غرباء عن الجزيرة، ولسنا بغرباء، فملابسنا ملابسهم، وطعامنا طعامهم، وهيئتنا كهيئتهم، وديننا دينهم، يرتدون الدشداشة العمانية، والكمة العمانية، بيد أني لا أعرف لغتهم السواحلية إلا قليلاً، وصهيب([2]) في أول زيارة له للشرق الأفريقي فلا يعرف شيئاً من لغتهم، وعليان([3]) فهو المتكلم بلساننا ولسانهم، ومنهم من يتحدث العربية التي تلقاها من خلال مدارس القرآن..
وفجأة.. صرخ أحدهم بأعلى صوته حينما رآنا قائلاً: لامو أصلها عمانية..!!
زرنا المدارس والمساجد وبعض الآثار القديمة، فمساجدها كمسجد قصرى ونزوى ومنح وبهلا..
إن مسجد الوالي سيف بن سالم بن خلفان بن عامر البوسعيدي مسجد شيّده العمانيون، قالوا لنا حينما زرناه: (هذا المسجد لكم فهو أصله مسجد عماني).
الأموات أموات، لا ينطقون، ولا يتحركون، ولا يعقلون، ولا روح لهم ولا نَفس ولا تحس لهم همساً ولا ركزاً، تلك حال المقبرة التي قرب مسجد الوالي سيف، بيد أنها تقول بلا كلام: أنا عمانية.. هكذا أخبرنا الأحياء منهم..
وبين الحين والآخر نتجول بين سكك لامو.. فحينما نرى بعض من نلمس فيه الروح العربية نسأله عن اسمه وقبيلته فمنهم من يقول: أنا فلان البوسعيدي، وآخر يقول: أنا فلان الزكواني، وبعضهم قال: أنا فلان المعولي، وهناك من قال: أنا فلان الكندي، ومنهم من قال: النبهاني والوائلي والنوفلي والحجري…
قبائل عربية عمانية أصيلة.. طوت صفحاتها مرارة الأيام، وقساوة الزمان، وهجرة الأخوان.. فلا يعرفون شيئاً عن أصلهم سوى أنهم من عمان..
قال لنا أحدهم: جدتي كانت تقول لي: نحن أصلنا من عمان.. يقول: كنت صغيراً يومها، كان شعرها طويلاً عربياً، وكان لسانها عربياً قحاً..
فبادرته بالسؤال: ما اسم جدتك؟
فأجاب: نورة بنت عيسى بن محمد النوفلي..
إنه اسم عماني أصيل..
الألم.. الحزن.. الأسى.. مشاعر طالما خالجت نفوسنا جميعاً في لامو وما بعد لامو..
حينما نجلس معاً على إنفراد وعلى طاولة الأطعمة اللذيذة من الفاكهة والعصائر الطازجة كان الحوار والنقاش للوضع القائم في لامو الشريك والرفيق..
وحينها نفضي لبعضنا بعضاً بخواطر الأفكار وسوانح الآراء علنا نصل إلى حل ناجع، ورأي صائب، بيد أن العين بصيرة واليد قصيرة..
فصهيب يتمنى أن يرجع التاريخ كما كان..
وعليان يتمنى أن يرجع العرب العمانيون إلى وطنهم الأم..
وأحمد يفكر في العلاج لهذه المأساة..
أجل.. إنها مأساة.. ومأساة المأساة.. في انتظار من ينفض عنها الغبار المتراكم منذ سنين طويلة الأمد..
بيد أن المأساة الأكبر منها، حينما رحلنا بعد لامو إلى مأساة أخرى وأخرى..
بدايتها كانت شاقة وصعبة.. والوصول إليها كان أصعب..
استأجرنا قارباً خشبياً قديماً ذا شراع، بقيمة (10000) شلنج كينياً، ذهاباً وإياباً، قيل لنا: خذوا معكم جميع المؤن الغذائية. فأخذنا الرز والطحين والسكر والملح والبصل والثوم وكل ما هو ضروري لطهي الطعام..
في بداية الرحلة كنا نتمتع بحسن أدب الحديث، وجميل المناظر الخلابة فنرى الأشجار اليافعة في وسط البحار، فتارة نصور، ومرة نعلق، وأخرى نسبح بحمدالله الذي أحسن كل شيء خلقه..
صهيب استلذ الجو لحفظ القرآن ومذاكرة النحو..
وعليان النحوي يشارك صهيب في مذاكرة النحو مرة، ومرة يتفكر في مخلوقات الله..
وأحمد مسك كتاباً وأخذ يقرأ، وتارة يمزج الجو بالمزاح والابتسامة السعيدة الحزينة..
بعد ساعة من انطلاقنا، وفجأة.. هبت عاصفة قوية في منتصف الطريق مع تساقط المطر، كلنا كنا خائفين، حتى قائد القارب ومساعدَيه.. بيد أنهم استطاعوا السيطرة على الوضع بعد نصف ساعة تقريباً..
ركب معنا شاب من أهل لامو اسمه سعيد بن عبد الرحمن العيدروس لزيارة أقاربه في باتي، وسعيد ممن يعشق النحو، فجاء قبل العاصفة إلى عليان وسأله هل تحب النحو؟
فأجاب عليان: لا.
فقال سعيد لعليان: ضاع نصف عمرك.
وأثناء هبوب العاصفة البحرية، سأل عليان سعيد العيدروس هل تعرف تسبح؟
فأجاب سعيد: لا.
فقال له عليان: إذن ضاع عمرك كله.
وصلنا إلى جزيرة باتي([4])، بعد طول عناء ومشقة..
بيد أن البحر كان جزراً ولتراجعه مسافة طويلة عن الشاطئ ولثقل القارب الخشبي لم نستطع الوصول إلى ضفة الشاطئ، وعلق القارب مكانه.. وتضاعفت علينا المشاق والصعاب..
سألنا قائد القارب: ما العمل؟
قال: اتصلوا بزورق صغير ليأخذكم من هنا، أو انتظروا إلى أن يرتفع البحر ويمتد إلى الشاطئ..
يكفي عليان شرف المحاولة، فقد حاول الاتصال لإنقاذنا.. غير أن المحاولات كلها بآت بالفشل.. قلنا ننتظر.. وبقي السؤال يجول في أذهاننا إلى متى؟!، وكان الجواب صمتاً، ثم لا أحد يدري.. فنحن نرى باتي من بعيد وهي تطل علينا بأشجارها المثمرة، نريد الوصول إليها، نريد التعرّف عليها، أهي كلامو أم أسوأ حالاً..؟.
حينها اقترح بعضنا قطع المسافة مشياً على الأقدام في البحر إلى شاطئ باته..
الحمل ثقيل.. والمسافة طويلة لا تقل عن كيلومتر ونصف تقريباً.. والسماء ملتحفة بالغيوم..
صرنا معلقين.. فكرنا طويلاً.. وتشاورنا مراراً..
ثم اتخذنا القرار.. المشي على الأقدام.. وخوض البحار..
أجل..
خضنا البحر..
الطريق في البحار وعرة وشاقة، فمن فوقنا تتساقط الأمطار، ومن تحتنا تجرحنا شعب مرجانية وأشجار، وتؤذينا الحفر والأحجار، فمرة نسقط في حفر عميقة، وابتلت ملابسنا، ومرة نتعب من المشي في الماء، فالمشي في الماء ليس كالمشي على اليابسة، كنا نتتبع آثار الرمال في البحر، فحيثما نرى الرمال واضحة فذلك دليل لنا على عدم عمق البحر، وعلى خلو المكان من الحفر، وهكذا قطعنا تلك المسافة بشق الأنفس.. والحمدلله على كل حال..
وصلنا إلى شاطيء باته وجلسنا نستريح من العناء والمشقة..
جاءنا طه([5]).. ليأخذنا إلى بيت الضيافة في باتي..
مشى أمامنا ومشينا خلفه.. مررنا على أطفال مساكين، البراءة في وجوههم.. ورجال عجّز ضعاف، الجوع أكل أجسامهم.. وشباب ناحلة أجسادهم لا من الزهد والرشاقة وإنما من قلة الطعام، ونساء أخفت القذارة والفقر والإهمال جمالهن، يطبخن على الحطب في قدور قديمة.. ورأينا بيوتاً بنيت من الطين والحجر وسعف النارجيل وبنفس طريقة بناء لامو أو مطرح القديمة أو نزوى.. لم نكن آبهين بكل ذلك..
كان همنا الوصول إلى بيت الضيافة للاستراحة وأكل وجبة الغداء..
ليس كل ما يتصوره الإنسان يكون كما هو، كنا نتصور أن بيت الضيافة بيتٌ راقٍ، يحتوي على المصابيح والأسرّة الناعمة، والصالة المريحة، والحمامات المتطورة، بيد أن كل ذلك لم يكن، وكما يقال لا تغرّك المسميات..
بيت الضيافة كان بيتاً به ستة غرف، كل غرفة بها سريران وبعضها ثلاثة أسرّة، والأسرّة خشبية قديمة كل سرير يحتاج إلى أسبوع لتنظيفه..
حاولت النوم بعد صلاة الظهر بلا وسادة، مع التفكير في الغداء الذي كنا ننتظر تجهيزه، ومن طبيعتي لا أستطيع النوم بلا وسادة، وبالليل من شدة التعب ولعدم وجود الإنارة نمت على وسادة شعرت بالراحة من نعومتها، بيد أني لما رأيتها في الصباح الباكر، قلت لصاحبي: الحمدلله أني لم أر البارحة شكل الوسادة وإلا لصارعت النوم كما صارعته ظهر أمس.. كانت رائحتها قذرة، وسواد القذارة غطى لونها الأبيض..
لا إضاءة في بيت الضيافة ولا كهرباء ولا شبكة اتصالات، القنديل القديم والشمع القصير، هما اللذان نستخدمهما لتمزيق ظلام الليل للذهاب إلى الحمام أو لأكل الطعام .. ولا طعام ولا ماء، بيد أننا جئنا بالأطعمة معنا لتطبخ في بيت الضيافة..
المطبخ قديم مهجور.. والنساء يطبخن في عريش على الحطب والفحم..
الحمام بلا ماء وإنما الماء يجلب إليه عبر الآنية ثم يسكب في حوض واسع ومنه نجلب الماء بوعاء صغير للسباحة أو التطهر أو الوضوء..
أفضل مكان في بيت الضيافة هو الشرفة، إذ أنها في الطابق العلوي، وتطل على البحر وشجر الموز والنارجيل، وبها سريران غير مفروشين للجلوس عليهن، فكنا نجلس نحن الثلاثة هناك فترة الصباح قليلاً وفترة الليل طويلاً، لكون ساعات الليل عندهم طويلة، ولا عمل لدينا حينها ولا نستطيع أداء أي عمل آخر غير التسامر مع بعضنا بعضاً وتارة نحدث النجوم ونتذكر الأهل والأصحاب والأوطان..
خرجنا عصر يوم وصولنا لنتعرّف على الجزيرة..
حالها أشدُّ بؤساً ومأساة من لامو، بل هناك مِن أهل لامو مَن يساعد أهل باتي خاصة في شهر رمضان الكريم..
بها الكثير من القبائل العمانية، مثل النبهاني والخالدي والخوالدي والكندي وغيرها، وأكثرهم النباهنة، ولديهم مسجد وحارة خاصة بهم، ويقولون: بأن أصلهم من عمان.. بيد أنهم لا يعرفون شيئاً عن عمان.. ولا يدرون متى هاجر أجدادهم من عمان إلى باتي..
ولكن يعلم الله مستقرهم ومستودعهم، وهو المتكفل برزقهم، بيد أن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت..
يشكون بثهم وحزنهم إلى الله..
وإذا ما خيم الليل يلجأ الأهالي إلى بيوتهم، كما تلجأ الطيور إلى أعشاشها، بعضهم يترك أبناءه وأهله في تلك البيوت الحجرية والطينية، ويخرج في ظلمة الليل ليطلب الرزق من التيه البحري، الذي لا عاصم من مخاطره إلا الله، وفي الصباح الباكر تراهم يعرضون ما اصطادوه للبيع والشراء بثمن بخس..
الطرق بين البيوت مرصوفة بالأسمنت رصفها لهم السياح الأوربيون..
بها مدرستان لتعليم القرآن الكريم واللغة العربية.. والبعض فتح بيته ليعلم أبناء الحارة وبناتها القرآن المجيد.. أطفالهم يقرأون القرآن العزيز بالترتيل والتجويد.. وقدمنا للآباء والأبناء بعض الإرشادات والنصائح، لكننا لم نستطع أن نقدم لهم سبل النجاة والإنقاذ، بيد أن زيارتنا لهم أدخلت في قلوبهم المسرة والفرحة والأمل والتفاؤل والرجاء بمستقبل جديد زاهر، حتى قال لنا بعضهم: أنتم أول أناس يزوروننا من عمان وطن أجدادنا..
هذه مأساة باتي..تنتظر من ينفض عنها الغبار المتراكم منذ سنين طويلة الأمد..
وفي اليوم التالي استأجرنا دراجات نارية لتقلنا من باتي إلى سييو([6])..
وهي منطقة تقع في جزيرة باتي..
أجل ركبنا الدراجات النارية.. إذ لا سيارة ولا شيء في باتي وسييو.. فالتنقل بينهن إما مشياً على الأقدام أو ركوباً على الحمار أو الدراجات النارية والتي تُعدُّ على الأصابع، فاخترنا الدراجات النارية، ومع هذا أيضاً ركبنا الحمار في سييو..
استقبلنا هناك بعض الشباب الصالحين، ونزلنا بيت شيخ القرية أحمد الوائلي..
حالها كحال باتي إذ هي جزء منها.. ليس في المناخ والتضاريس الجغرافية فحسب، بل حتى في التضاريس المأساوية..
بها الكثير من القبائل العمانية أيضاً، بها قبيلة السعدي([7])، والوائلي والكندي، وبعض القبائل اليمنية كالعمودي والسقاف..
وقفنا أمام حصن شامخ، ينطق بصوت مهموس في آذان الزائرين قائلاً لهم: مجدي عماني..
بها المساجد القديمة التي شيّدها العمانيون.. والمخطوطات العربية بالخط العربي الرائق..
إنه تاريخ قديم.. وعظيم..
تراكم عليه الغبار وطوته السنون والأيام.. مأساة هي الأخرى، تنتظر المخلص الذي سينفض عنها الغبار..
وأما منطقة فازا، والتي لم يسعفنا الوقت لزيارتها بيد أن الأهالي يقولون: أن حالها ليس بأفضل من حال لامو وباتي وسييو..
وبها الكثير من القبائل العربية والعمانية..
إنها حقائق مأسوية.. ما زالت تعيش في عمق التاريخ..
ليست بأضغاث أحلام، ولا قصة القصاص، ولا رواية من خيال، أو رواية تاريخية قد مضت وانقضى عهدها، بل حقيقة ناطقة يعيشها أولئك المساكين في زمن العولمة والحداثة..
والكل هناك يكافح العيش ويغالبه، كما يصارع المرض الفتاك وينازله، وحال لسانهم ينطق بلغة الإيمان قائلاً: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر..
أجل..
لقد تراكم الغبار على لامو وباتي وسييو وفاز([8]) مثنى وثلاث ورباع..
ومهما يكن من أمر، فلسان حالهم ينطق متسائلاً، مَن المخلص يا ترى الذي سينفض هذا الغبار..؟؟.
أهو السوبر مان..؟!
أم المهدي المنتظر..؟!
أم العقل المدبر والحركة الفاعلة والمتفاعلة مع السنن الإلهية الكونية..؟
ومتى..؟ وكيف..؟ ومن أين..؟ وبماذا..؟؟
أم سيستمر طي صفحاتها كطي السجل للكتب..؟!
هذا ما أتركه لك أنت يا صاحب التاريخ، يا من طوى صفحاته في جزر تأكل منسأتها الأرضة.. وتمزقها الأيدي العابثة، حتى لا يبقى لها أدنى أثر..
هذا ما أراد القلم تسطيره، بعد العودة من الجزيرتين في غرة شعبان 1430هـ ، الموافق 24/7/ 2009م، بماليندي في كينيا، تسطيراً بلا فخر، ولا إعجاب، بل بحبر يملؤه الأسى، وحزن يملؤه الألم، وعزاء يملؤه الأمل، وسطور سطرت لتذكر بالتاريخ المنسي، وتسمو بالتراث وسبل الحقيقة، ولترتفع بالفقراء والمساكين، وتحقق المقاصد من المعاني القرآنية في التعاون والمحبة والإخاء..
الهامش:

[1] ويسميها المغيري، لاموه.
[2] صهيب بن سيف القصابي، من ولاية سمائل معلم مادة الرياضيات، صاحبني في هذه الرحلة.
[3] عليان بن حميد النحوي، من الجالية العمانية التي تقطن منطقة ماليندي بكينيا، درس المرحلة الثانوية بمعهد السلطان قابوس للثقافة الإسلامية بخصب.
[4] تسمى باتي أو باته، ويسميها المغيري في جهينة الأخبار بتّة، وقد حكمها النباهنة، وأول سلطان عليها من النباهنة سليمان بن سليمان النبهاني، وآخر ملوك النباهنة عليها أحمد شيخ فوم لوط، و(فوم لعلها قوم) لقب ملوك بتّة، وعدد سلاطين النباهنة الذين حكموا بتّة 32 سلطاناً. انظر: المغيري، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، ص169-170.
[5] كيني من أصل يمني.
[6] يسميها المغيري سيؤا.
[7] من بني سعد.
[8] يسميها المغيري فازة.

مغامرة للبحث عن المخطوطات العمانية في جزيرتي لامو وباتي



مجلة الفلق الالكترونية
4 /3/2012

ملاحظة/ سبق نشر هذه الورقة في ملحق شرفات بجريدة عمان بتاريخ 3 ذي القعدة 1431هـ، الموافق 12 /10/ 2010م العدد 10724، وأعيد نشره هنا لأنه يحتوي على إضافة يسيرة ومهمة.

جزيرة لامو
في جزيرتين منسيتين بالشرق الأفريقي حياة عجيبة غريبة بيد أنها لا تخرج عن مألوف الناس المعيشي هناك، وكلما تسافر إليهما وتتوغل في أعماقهما تكتشف فيهما ما لم تعرفه من قبل، ففيهما استوقفتني حقائق إنسانية، واستغرقتني مخطوطات يدوية.
حينما تقف على تراب جزيرتي لامو وباتي اللتين مرّ عليهما حين من الدهر تحت الحكم العماني لتجد ما يبهر العقول ويدهش القلوب ويثير العواطف.

خريطة كينيا
لا أريد وصف الجزيرتين فقد وصفتهما من قبل في رحلتي الأولى لهما في السنة الماضية في مقال وسمته بـ”تراكم الغبار على جزيرتي لامو وباتي”، وفي هذه الرحلة الثانية أود الوقوف مع حقائق أثرت في مشاعري، وحركت أفكاري، منها المبكي المحزن، ومنها المضحك المفرح، وبعضها زاوج بين الضحك والبكاء، والسعادة والشقاء، غير أن جميعها تضم في باطنها وظاهرها العبر والفِكْر، فتستوقف ذا اللب والنظر، وتسلب شعور واسع الخيال والصور..
قصدت الجزيرتين في صيف هذا العام، وفي صحبتي ثاني بن سعيد بن حميد الخصيبي وهو من الجالية العمانية التي تقطن منطقة ماليندي بكينيا للبحث عن المخطوطات العمانية، لأني رأيت مخطوطات في الرحالة الأولى على وجه السرعة، فكنت ألتمس السبيل للتعرف عليها ولأجد ما لم يجده غيري، فتجشمت الصعاب، وتكبدت المشاق، وأخذت معي ذخيرة من الصبر والاحتمال، لكوني أعرف ما تحمله الرحلة إلى الجزيرتين من الصعوبات والعقبات، وما يقاسيه المسافر إليهما من المعاناة والعثرات، بل كلما تتخلص من عقبة تسقط في عثرة، وإن خرجت من عثرة واجهتك عقبة أشد وأدهى من التي قبلها، فتبقى تتجرع آلام المتاعب ووعثاء السفر وعناء الغربة.
حينما وصلنا جزيرة لامو عصر يوم الثلاثاء سألنا أهلها عن المخطوطات العمانية، فأخبرنا بعضهم: بأن الأوربيين أخذوا كل المخطوطات من لامو، منها ما أشتري، ومنها ما أخذ بطريقة أو بأخرى.
  وممن سألناه سألنا رجلاً يدعى أحمد بن سعيد بن سالمين العمري، وهو المسئول عن مسجد الوالي سيف بن سالم بن خلفان البوسعيدي المعروف بالمسجد الإباضي، فقال لنا: لقد كانت في المسجد المخطوطات كثيرة جداً وقد أخذها الأوربيون منذ فترة طويلة من الزمن. فشعرت بأننا وصلنا متأخرين عن الركب لكشف ومعرفة تلك الكنوز الثمينة.

محف لامو
زرنا المتحف الموجود في لامو وهو عبارة عن قلعة بناها العمانيون للعسكر في زمن الحكم العماني، وصحبنا حينذاك من أهل لامو عمر النوفلي، فنظرنا في بعض المخطوطات العربية في مكتبة المتحف، فلاحظنا أن الموجود أكثره مصاحف بالخط العربي، وكتبَ نحوٍ لم يخط عليها أسماء المؤلفين، ومخطوطتين في النحو والفقه خلطت أورقاهما مع بعضهما، وجلدتا تجليداً واحداً، ومخطوطة أخرى في النحو والصرف لم يدّون عليها اسم المؤلف، وكتب عليها من الخارج بخط حديث من قبل المجلِدين كتاب فقه، فنبهت القائم على المكتبة، فصحح الخطأ، ثم أخبرنا بأن الذين يقومون بتجليد المخطوطات غير مسلمين.
وذهبنا إلى مكتبة الرياض بمعهد الثقافة الإسلامي، فاستقبلنا المشرفون عليها أحسن استقبال، وأطلعونا على المخطوطات التي معهم، وهي مخطوطات معظمها مطبوع ومنشور، كالقرآن الكريم، والسبع المنجيات، وشرح ابن عقيل، وبعضها قصائد في المولد والأدعية والأذكار، وبعضها في الفقه الشافعي، وهجرت في رفوف خشبية مقفلة قد نخرت الدويبة الكثير من أوراقها.
ركبنا البحر في زورق صغير وذهبنا إلى منطقة شيلة واستُقبِلنا استقبلاً طيباً، من الكرم والتضييف لدى عبدالله بن فاضل المخزومي وأخوته، سألنا هناك عن المخطوطات فقيل لنا: أنها كانت كثيرة غير أن أهل شيلة رموها في البحر جهلاً منهم بقيمتها. فخالجتني حينها الآلام والأحزان والحسرات والآهات…
في فجر يوم الخميس ركبنا سفينة خشبية كبيرة تسمى باللغة السواحيلية (جهازي) قاصدين جزيرة باتي، ومنهم من يسميها باته، لم نكن وحدنا في هذه السفينة، بل معظم من قصد باتي والمناطق التابعة لها ركب فيها، من رجال ونساء وأطفال، فكانت مملوءة بالناس والبضائع، بطيئة الحركة قديمة الصنعة، خرجنا في الساعة السادسة فجراً ووصلنا إلى ميناء متانكا واندا في الساعة التاسعة صباحاً، حينها كان البحر جزراً وهي المفاجأة التي كان يخشى منها الراكبون، فقد ضربت السفينة في الأرض قبل أن تصل ضفة الشاطيء، فاضطررنا النزول في البحر حاملين مئونتنا فوق رؤوسنا لأن الماء يصل إلى الصدر أو ما يقاربه، وعبرنا تلك المسافة بمشقة الأنفس، فما أشد ذلك الموقف.
وصلنا باتي ونزلنا في بيت طه كيني من أصل يمني، أي بيت الضيافة الذي وصفته في (نفض الغبار) لعدم وجود مسكن لنا أفضل منه.

جزيرة باتي
كنا متعبين ولم يكن طه لديه خبر بمجيئنا فأخذ ينظف الغرفة ويعدها من الساعة التاسعة والنصف صباحاً وإلى الثانية ظهراً، ولم ينته، غير أننا رقدنا في الأماكن التي انتهى من تجهيزها، ولما رأيت الوسادة الكريهة التي تحول لونها من البياض إلى السواد بسبب كثرة الاستخدام وانعدام التنظيف توجست في نفسي خيفة، من أن أقضي الليل بطوله في صراع معها، لكن ثاني الخصيبي فاجأني بفكرة بدرت في ذهنه، فأخذ يعطر الوسادة قبل النوم في كل يوم، فأعجبتني الفكرة وضحكتُ بكثرة، وقلت في نفسي: ليت هذه الفكرة واتتني في الرحلة الماضية لما عانيت من الأرق والسهاد في تلك الليلة المؤرقة.
سألنا في باتي عن المخطوطات، وممرنا بامرأة عربية عجوز لا تتحدث العربية ولا تقرؤها، فأخرجت لنا مخطوطة في المولد مع بعض سور القرآن، اختلط بعضها ببعض، فشكرناها ثم تركناها وذهبنا..
وقال لنا بعض أهل باتي: بأن المخطوطات كانت كثيرة جداً لكن الأوربيين أخذوها منذ زمن طويل.
وقال لنا معلم القرآن وهو رجل عجوز نبهاني من أصل عماني: بأن المخطوطات كانت كثيرة في بيت أبيه، بل كانوا يملكون غرفة مملوءة بالكتب المخطوطة ولضيق السكنى في البيت أُخِذت كل تلك المخطوطات ورميت في البحر!. فكادت مهجتي أن تسيل حزناً على تراث الأجداد وأسفاً على إرث حضاري ضاع من أيدينا.
في صباح يوم الجمعة ذهبنا إلى منطقة فازا، دون أية وسيلة نقل سوى المشي على الأقدام، وبعد المشي لمدة ساعة ونصف تقريباً صادفنا حافلة صغيرة، فحمدنا الله على ذلك، وتعجبنا من وجود سيارة في الجزيرة، فقيل لنا: أن بالجزيرة أربع حافلات فقط تنقل الناس من منطقة إلى أخرى، وصلنا فازا في الساعة الحادية عشر قبل الظهر، وسألنا أهلها عن المخطوطات فوجدناهم لا يعرفون عنها شيئاً، غير أن الأوربيين أخذوها، صلينا الجمعة وبعدها تناولنا وجبة الغداء، ومن ثمة ذهبنا إلى منطقة سييو..
وصلنا سييو عصراً، واستقبلنا نائب القاضي عبدالله بن محمد السقاف، كيني من أصل يمني، الذي أخرج لنا بعض المخطوطات من مكتبة مسجد بني سعد، فكان معظمها مصاحف وكتب مولد وأدعية، وقد تأثرت بنخر الدويبة لها من الداخل.
ثم جاء صدّيق السعدي كيني من أصل عماني وابن أخيه أحمد بن محمد السعدي فذهبنا معا إلى مكتبة المدرسة القرآنية ووجدنا فيها مخطوطة في فقه النكاح على المذهب الشافعي غير مكتملة.
ورجعنا إلى باتي، وجلست مع الشاب شيخ بن علاء الدين بن محمد النبهاني كيني من أصول عمانية وأراني بعض المخطوطات في مكتبة أبيه، وهي مصحف وتفسير الجلالين، وكتاب في الفقه الشافعي.
ولما رجعنا البيت أراد شخص من أهل باتي أن يحتال علينا لأخذ مبلغ منا، لكوننا غرباء، وكان يظن أننا لا نعرف اللغة السواحيلية، صحيح أن أحمد لا يفقه من اللغة إلا اليسير لكن ثاني الخصيبي كان يتحدثها وبطلاقة لأنها لغته في كينيا، فاستطار ثاني غضباً، وهب في وجهه يرد عليه رداً مسكتاً، وأحضر جماعة المسجد الذين يعرفون ثاني، وبينه وبينهم معرفة قديمة، حينها تفاجأ الرجل المحتال، وافتضح أمام الرجال، وقدم لثاني الاعتذار والإجلال..
وفي فجر يوم السبت رجعنا أدراجنا إلى لامو قاطعين المسافة مشياً على الأقدام من باتي إلى ميناء متانكا واندا، وممرنا بعد انبلاج الفجر على طفل عربي يبلغ من العمر تسع سنوات تقريباً ، يُعِدّ قاربه الصغير ومجاديفه قرب الشاطيء، ليركب البحر مع قرنائه، وليعود قبيل الظهر بصيد يسير يقدمه لأهله البائسين المساكين، لقد أدهشني هذا المنظر وأثار عاطفتي، فتدافعت في نفسي حينها عدة مشاعر، التعجب والألم، والحزن والفرح، والإكبار والإجلال لهذا التصرف الدال على الاعتماد على النفس والذات.
وصلنا الميناء، وأخذنا ننتظر السفينة للرجوع إلى لامو، وكانت نفس السفينة التي أتينا فيها، وحين الانتظار ازدحم الميناء من كثرة الناس المسافرين، فتعجبت!، فسألت بعضهم: هل كل هؤلاء الناس سيركبون في هذه السفينة؟
 فقال لي أحدهم: نعم.
 فقلت: وهل ستسعهم؟
 فقال: لو جاء أناس آخرون الآن وبنفس العدد لركبوا فيها معنا.
 فقلت: سبحان الله!. ووسعت تلك السفينة الجميع، لسعت قلوبهم اتجاه بعضهم بعضاً، ولكني لا أظن لو جاء نفس العدد ستسعهم، لأنهم كانوا متزاحمين متراصين.
ركبنا عصر يوم السبت في لامو زورقاً صغيراً قاصدين حفلة لطلبة مدرسة القرآن في شيلة، وتعرفت في الزورق على شاب يتقن العربية والسواحيلية معاً يدعى أحمد بن محسن جمال الليل كيني من أصل يمني ومعه أخوه عيدروس، وهما من ضمن الذين يشرفون على مكتبة الرياض، فأخبرني أحمد جمال الليل بأنه رأى صباح اليوم مخطوطة في مكتبتهم وهي لعماني ولعلها تتحدث عن التاريخ العماني في لامو، فاتفقنا أن يريني المخطوطة بعد رجوعنا من الحفلة، ففتح لنا الرفوف المقفلة على مصارعيها، ونظرت إلى بعض المخطوطات التي لم أرها من قبل، وكان من بينها المخطوطة التي أخبرني عنها، فأجلّتُ السفر لأجلها..
كان ينبغي أن يكون سفرنا صباح يوم الأحد، وقطعنا تذكرتين من مكتب حافلة توكل، غير أني خسرت تذكرتي بسبب المخطوطة، ففي تلك الليلة نظرت إلى المخطوطة على وجه السرعة، وكنت أظنها عمانية كما ظنها أحمد جمال الليل، كُتِب على الورقة الأولى منها بالخط العربي (هذا الكتاب الاعانة في ملك حمود بن سعيد بن محمد بن سليمان القصابي العماني) ثم كتب حرره (إبراهيم بن…) اسم الأب والجد للمحرر غير واضحين، فقلت لهما: هذه مخطوطة عمانية. وحاولت أن أشتري منهم المخطوطة غير أنهم رفضوا، فقالوا نسمح لك بتصويرها صباح الغد.
صورتُ في تلك الليلة الصفحة الأولى منها والتي تحتوي على اسم المؤلف والمحرر وأخذت قبل النوم أقلب الصورة، وأتهجى حروف كلماتها، وأساهر كواكبها ونجومها، إلا أني لم أصل إلى نتيجة، وفي صباح يوم الأحد سافر ثاني لموعد مسبق، وبقيت وحدي في لامو، ولا وحدة بين أولئك الأخلاء.
وفي الساعة التاسعة صباحاً ذهبت إلى المكتبة وجلسنا أنا وأحمد وعيدروس وعمر النوفلي الكيني ننظر في المخطوطة قبل تصويرها، وقد نخرت الدويبة بعض أطرافها، فحنوتُ عليها حنو المرضعات على الفطيم، وأخذت أتتبع أبوابها، وأقرأ مقدمتها وخاتمتها وبعض فصولها وفهرستها، فعرفت أنها مخطوطة في الفقه الشافعي، شرح لكتاب إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي لابن المقري، وتحتوي على أكثر من 800 صفحة من الحجم الكبير، وفي خاتمتها كتب (وقد وقع الفراغ من نسخة هذا الكتاب وقت الظهر من يوم الأربعاء وثاني من شهر رمضان سنة 1283 بقلم العبد المذنب سليّم بن سعيد بن محمد القصابي).
وكانت هذه المخطوطة سبباً في توثيق العلاقة والرابطة الأخوية بيني وبين الأخوين جمال الليل أحمد وعيدروس، وكان منهم الكرم والضيافة في ذلك اليوم وتبادلنا الحديث حول المخطوطات والدعوة والعلم والتاريخ والفكاهات المضحكة..
حينما كنا نبحث عن المخطوطات، جاء بعدنا بيوم مباشرة فريق من الأوربيين يبحثون عن المخطوطات، يحملون معهم كل العدة من آلات التصوير والنسخ والترميم وغيرها، وذهبوا إلى نفس الأماكن التي قصدناها، وعرضوا على القائمين على مكتبة الرياض بمعهد الثقافة بلامو ترميم وتصوير جميع مخطوطاتهم، وحمل الصور إلى بلدانهم لتبني مشروع طباعة وعرض هذه المخطوطات.
قالا لي عيدروس وأحمد: نحن نتمنى أن يقوم بهذا المشروع أنتم، لأنكم أصحاب هذا التراث في الشرق الأفريقي، ولأننا أصحاب دين واحد ولغة واحدة، وتراثنا وتراثكم واحد.
 فقلت لهم: جئت بجهد فردي شخصي، وأولئك أتوا عن طريق مؤسسات وحكومات تدعمهم.
ما زالت الآمال ماثلة، وما زالت الثقة بالله صامدة، وما زال التفاؤل مبتهجاً على وجود مخطوطات عمانية في أعماق هاتين الجزيرتين، وذلك لكون الباحث لم يطلب مستحيلاً، ولم يذهب بعيداً، بل يبحث في باطن جزيرتين كانتا يوماً ما عمانيتين، وما زال التاريخ يحفظ صفحاته عبر الطراز المعماري العماني للامو وباتي، وما زالتا تتحليان بالثوب العماني والدين الإسلامي، واللسان العربي، بيد أنه قد يكون التقصير مني في طريقة البحث والاستكشاف، ويبدو أن المستقبل لمعرفة وجود المخطوطات يرسمه أبناء الوطن، بالنفس العالية المحبة للبحث والإطلاع حيث لا تخضع لحوادث الدهر ولا لمشاق السفر..
وفي فجر يوم الاثنين بتاريخ 14/ شعبان/ 1431هـ/ الموافق 26/ 7/ 2010م، ودعت لامو، وركبت زورقاً إلى مُوكْوِي ومن ثمة ركبت حافلة توكل وتوكلت على الله إلى ماليندي، حيث تقطن الجالية العمانية هناك، وكان طريق الرجوع صعباً ومتعباً
معظمه غير معبد، ووصلت ماليندي في الساعة الثانية عشر ظهراً، وفي تلك الليلة حينما سكنت الحركات، وهدأت الأصوات، راودتني أصناف من المشاعر القلبية والنفسية نحو الجزيرتين، فكان منها حرقة الشوق وسلوى الحزن وآلام الحسرة وهموم الندم وهدهدة الرحمة والشفقة وعاطفة الود والإخاء فسال القلم بهذه السطور الصادقة.
وعثرت على مخطوطة واحدة في أحد المساجد والمعروف بالمسجد الإباضي الكبير بماليندي، وهي خطبة في عيد الفطر، ألقيت زمن الإمام سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي، فرجعت بصورة منها، وأما الأصل فما زالت موجودة هناك، إذ رفض جماعة المسجد إعطائي الأصل.
ومن بعد ذهبت إلى ممباسة ثم الرجوع إلى أرض الوطن الحبيب.