Thursday, February 18, 2016

إلغاء الصفة القانونية للرق في زنجبار


الجريدة
الخميس 4 فبراير 2016
خليل علي حيدر

ظرت الإدارة البريطانية إلى محميتها في زنجبار كمجتمع من عدة مجتمعات منفصلة عرقيا، ويقول د. تركي إن الإنكليز شجعوا وثبتوا هذا التقسيم: "فالعرب يمثلون الطبقة الحاكمة وملاك الأراضي ومزارعي القرنفل، في حين كان الهنود يمثلون التجار والممولين ووسطاء العمليات التجارية، أما السواد الأعظم من السكان، ونقصد بهم الأفارقة ومعهم الأرقاء، فكانوا مجرد أيدٍ عاملة لخدمة الإدارة البريطانية والعرب والهنود".
لجأ الإنكليز، في تحليل الباحث، إلى حيلة قانونية في قضية إلغاء الرق، فـ"أشاع البريطانيون بأن هناك فرقا شاسعا بين إلغاء الرق وإسقاط صفته القانونية، فالحالة الأولى تعني إعتاق جميع الأرقاء فوراً ودون تردد، بينما تعني الحالة الثانية عدم الاعتراف بالرق وعدم شرعيته، وإلغاء الرق في زنجبار معناه إعتاق جميع الأرقاء الذين كانوا يشكلون، حسب ما ذكرناه، ثلثي عدد السكان، وكان ملاك هذه الأعداد الكبيرة يتكفلون، في ظل وجود نظام الرق، بتوفير مستلزمات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، والإدارة البريطانية كانت تتخوف من أنه حالما يتم إعتاقهم فلن يكون هناك إجبار لمالكيهم السابقين بتوفير مستلزمات احتياجاتهم لبدء حياة مستقلة، وفي الوقت نفسه كانت غير مقتنعة بإمكانيتها في توفير البديل إذا لم توفر لهم أراضي للسكنى.
كما كانت إمكانية إيجاد فرص عمل لهم خارج نطاق الزراعة "محدودة"، أضف إلى ذلك أن توفير البديل إن وجد يكلف خزينة الدولة أكثر من طاقتها، ولم يكن لدى الإدارة البريطانية الرغبة في ضخ أموال باهظة لمصلحة الأرقاء، مما حدا بالإدارة البريطانية إلى اللجوء إلى إلغاء الصفة القانونية للرق كبديل لإلغاء الرق". (زنجبار وجوارها الإفريقي 2010، ص24).
ويرى الباحث في هذا الموقف البريطاني تبريرا يعزز شكوكه في عدم جدية الإدارة البريطانية في محاربة الرق وتجارته لأسباب إنسانية، ولكن ما من قانون إنساني إلا ويحتاج في تطبيقه إلى الوقت وحسن التخطيط والتبصر، وخصوصاً أن الملاك العرب والوسطاء الهنود كانوا غير متعاطفين مع أي شكل من أشكال تحرير الأرقاء، وبخاصة تحرير الأفارقة السود.
 وقد رأينا كذلك في العقود الراهنة كيف فشلت دول وغرقت مجتمعات إفريقية عديدة في بحور الفوضى والفساد، رغم وجود "الأفارقة الوطنيين" على رأس حركات الاستقلال، وتوافر الثروات والمحاصيل في هذه الدول، وانتهاء الاستعمار والإدارة الأجنبية، ولا يدافع أحد بالطبع عن السياسة البريطانية في مستعمراتها ومحمياتها، ولكن لا الأفارقة في بلدانهم المستقلة، ولا نحن في العالم العربي، نجحنا دائما في تقديم إدارة أفضل. وما يورده د. تركي في الفقرة اللاحقة، يظهر لنا في الواقع بُعد نظر الإدارة البريطانية، مهما اتهمنا تلك الإدارة بعدم النزاهة والميكيافيلية، وبخاصة أن هذه الإدارة كانت أمام مجتمع بالغ التخلف والانقسام والمعاناة من الاستغلال، مثل زنجبار أواخر القرن التاسع عشر! ويشرح د. تركي هذه النقطة فيقول: "خشيت الإدارة البريطانية أن يؤدي الإعتاق الفوري للأرقاء إلى وجود مجتمع متذمر، وتكون النتيجة الحتمية لهؤلاء المعتقين القيام بأعمال ذات صبغة ثورية؛ لذا نجدها تصرّ على فكرة التدرج في إلغاء الرق والاكتفاء بإلغاء صفته القانونية، وكانت تهدف من جراء ذلك إلى امتصاص نقمة الأرقاء المعتقين، وزيادة في الحيطة والحذر، فقد لجأت الإدارة البريطانية إلى اتخاذ إجراءات احترازية ضد طالبي الحرية من الأرقاء، إذ أصرت على أن يكون عبء الحصول على الحرية منوطا بالرقيق نفسه، كما لا يحق له الحصول على حريته ما لم يكن لديه إفادة إثبات مورد دخل من أي مصدر كان، وكما سنرى لاحقا فإن الإدارة البريطانية شجعت الأرقاء على البقاء في أراضي أسيادهم والعمل معهم بظروف جديدة ومناسبة لتضمن بقاء الأرض مزروعة وبقاء الرقيق عليها". (زنجبار وجوارها الإفريقي، ص25).
هل كانت الإدارة الإنكليزية متحمسة لاستمرار الرق في زنجبار، وتحاول مجاملة ضغوط جمعيات مكافحة الرق فحسب؟
ما يورده الباحث في دراسته ينفي هذا الاتهام، فقد كانت الأوضاع الاقتصادية في زنجبار تسير من سيئ إلى أسوأ، بعد أن فشلت الإدارة في إعادة زنجبار إلى وضعها كميناء، وكانت الزراعة في زنجبار كذلك تعاني قلة اليد العاملة والاعتماد على زراعة محصول واحد، وكان الملاك العرب بدورهم يعانون الديون المتراكمة عليهم، وكانت الإدارة البريطانية، يقول الباحث، مدركة ضرورة تغيير نمط الاقتصاد الزراعي التقليدي.
 كان أحد الحلول التي يريد الإنكليز تطبيقها زيادة العمالة، وإغراء أفارقة آخرين بالتقدم للعمل في زنجبار إلى جانب من يمكن جلبهم من عمال الهند والصين. يقول د. تركي: "واتخذت الإدارة البريطانية زمام المبادرة عندما حاولت تطبيق مبدأ استخدام العمال الأحرار في إقطاعياتها الزراعية، وكان ذلك عن طريق جلب عمال أحرار من الهند والصين، غير أن المحاولة فشلت بسبب عدم ملاءمة الأحوال المناخية في زنجبار لهؤلاء العمال؛ مما أدى إلى صرف النظر عنها، وكان المخزون البشري الخصب المرشح للحصول على اليد العاملة متوافراً في البر الإفريقي حيث العديد من القبائل الإفريقية التي كانت ترغب في العمل في زنجبار، إلا أن تلك القبائل الإفريقية التي كانت ترغب في العمل في زنجبار كانت تتردد خوفا من الوقوع في براثن العبودية، غير أن الإدارة البريطانية كانت تأمل أن يكون لإلغاء الصفة القانونية للرق وزوال شبح العبودية أثره في استقطاب أعداد كبيرة من عمال البر الإفريقي للقدوم إلى زنجبار للعمل سواء بصفة مؤقتة أو دائمة، مما يساعد في الحد من مشكلة نقص الأيدي العاملة". (ص28-29).
وهكذا صدر في النهاية مرسوم إلغاء الصفة القانونية للرق، وقام بتوقيعه السيد "حمود بن محمد" سلطان زنجبار في 5 أبريل 1897، وتم نشر المرسوم كذلك باللغة العربية، لغة المكاتبات الرسمية، لا اللغة السواحيلية، مما عرض الإدارة البريطانية لاحقاً للنقد من البعثات التبشيرية العاملة في زنجبار وجمعية مكافحة الرق في لندن، وكذلك البرلمان البريطاني، بحجة أنها كانت لغة الأقلية العربية من الملاك لا الأفارقة الأرقاء، وبينت السلطات البريطانية أن سكان زنجبار من الأرقاء غير متعلمين، ونشره بأي لغة لم يكن يعني لهم شيئاً. ورغم كل هذه الانتقادات كان جميع الأرقاء في جزيرتي "زنجبار" و"بمبة" قد سمعوا بالمرسوم، بما فيه حقهم بالتقدم للمحاكم مطالبة بالحرية، ولم تكن النخبة والأرستقراطية العربية في زنجبار مرحبة بالمرسوم خوفاً من نتائج تطبيقه على مصالحهم، إلا أن الإدارة الإنكليزية أسندت إليهم الدور الأساسي في تنفيذه، لأسباب اقتصادية واجتماعية يشرحها الباحث.
عمد الملاك العرب أسوة بالحاكم إلى توقيع عقود عمل مع الأرقاء المحررين، وكان معظم هؤلاء من كبار الملاك، أما أصحاب الأملاك الصغيرة "فلم تكن لديهم القدرة على الدفع النقدي لأرقائهم مقابل العمل اليومي، ناهيك عن الدفع مقابل العمل الإضافي، أو الموافقة على السماح لأرقائهم بالعمل فقط لأربع وعشرين ساعة في الأسبوع، مما كان له أثر في إلحاق أضرار جسيمة بأصحاب الأراضي الصغيرة والزيادة في معاناتهم".
لم يتناول الباحث موقف الفقهاء المسلمين ورجال الدين في زنجبار من هذا المرسوم ومن الرق والعبودية بشكل عام، المؤيد منهم والمحايد والمعارض، ولا أدري إن كان لهذا المرسوم أي صدى في مجتمعات العالم الإسلامي أو بين مسلمي شرق إفريقيا وشمالها، ومن الغريب أن الأرقاء أنفسهم لم يتحمسوا كثيراً للمرسوم، وما منحهم من حريات إلا بعد مرور وقت.
 ويورد الباحث د. تركي اقتباساً عن باحث غربي هو Lyan، يقول فيه إن الأرقاء لم يكونوا على غير دراية بأهداف المرسوم، بل "إنه من التهديدات المجدية التي تلجأ إليها الإدارة الزنجبارية ضد العاطلين عن العمل والكسالى وعديمي الفائدة من الأرقاء وتهديدهم بإعتاقهم"! ويبدو أن هذا التخويف كان مستخدماً قبل صدور المرسوم.
درس د. بنيان تركي كذلك ثورة عربية في إفريقيا نادرا ما درسها باحث، قام بها عرب الساحل الشرقي لإفريقيا بقيادة الشيخ بشير بن سالم الحارثي.
وكانت معظم ثورات العرب في آسيا وإفريقيا ضد الإنكليز والفرنسيين إلا هذه فقد كانت ضد الألمان، وهذا ما سنعرضه في المقال القادم!

الباحث د. بنيان تركي وتجارتا العاج والرقيق في زنجبار

الجريدة 
2016الخميس 14 يناير
خليل علي حيدر

ل كان لتجار الكويت قبل النفط أي دور في نقل وتسويق العاج الإفريقي؟ وهل برز العرب في مجال صيد الفيلة الإفريقية في تلك المرحلة؟ وما الصراعات العربية– الأوروبية التي دارت في شرق إفريقيا، خاصة حول تجارة العاج والرقيق؟ وما الشخصيات التي برزت في تلك المرحلة؟
أسئلة كثيرة أخرى قد تثار، ومعلومات قيمة عن هذا المجال الحيوي الذي اعتمد عليه دخل الدول الخليجية، يتناولها أ. د. بنيان سعود تركي، أستاذ التاريخ في جامعة الكويت، ضمن مجموعة بحوث قيمة جمعها في كتاب "الكويت وإفريقيا".
 كتاب د. تركي بمثابة عودة تاريخية، وجولة في ماضي منطقة كانت لتجار الخليج وبحارتها وربابنتها صولات وجولات، قبل أن تقلب السفن الكبرى والناقلات العملاقة هذه الصفحة، وتدخل المنطقة الخليجية وإفريقيا مرحلة جديدة.
 د. تركي يحلل المعلومات التاريخية بكل اقتدار، ويستفيد من جهود العديد من مؤرخي وباحثي الكويت، وبخاصة تراثها البحري في البحث الأول الذي يفتتح به الكتاب بعنوان "العلاقات التجارية بين الكويت وشرق إفريقيا"، ومن هؤلاء د. ميمونة الصباح، ود. يعقوب الحجي، وعبدالعزيز حسين، وأحمد المزيني، وعادل العبدالمغني، وبالطبع مؤرخو الكويت البارزون مثل الأستاذ سيف مرزوق الشملان والشيخ يوسف بن عيسى الجناحي... وآخرين.
 غير أن المراجع الأجنبية الإنكليزية تبرز في بحوث الكتاب الأخرى، والتي تتناول تجارتي العاج والعبيد، ولا شك أن بحث د. تركي في هذه المراجع إضافة حقيقية للدراسات الخليجية في المكتبة الكويتية، وحافز للاستزادة منها من قبل أساتذة وبحاث آخرين.
تدرس الورقة المشار إليها وهي بعنوان "العلاقات التجارية بين الكويت وشرق إفريقيا" المرحلة بين 1899 و1945، من عهد الشيخ مبارك الصباح إلى نهاية عهد الشيخ أحمد الجابر تقريباً، وكانت التجارة مع إفريقيا نشيطة مع نهاية القرن العشرين، حيث "زارت الكويت بحدود 50 باخرة يمكن الإشارة إلى أن نصيب شرق إفريقيا مما تحمله السفن الكويتية في تجارة الاستيراد والتصدير خلال الفترة من عام 1905 إلى عام 1906 يمثل 61.8%".
ويقول د. تركي إن الرحالة امتدحوا صناع السفن الكويتية، وبخاصة صاحب كتاب "أبناء السندباد"، ألن فاليرز          (1903-1982) Alan Villiers، الذي ظهرت الطبعة الأولى منه عام 1940، ويقول فيه: "إن صانعي السفن الكويتيين أعظم الناس خبرة في الخليج، إذ يظلون مشغولين في صنع السفن الحديثة وإصلاح السفن القديمة التي تستخدم لصيد اللؤلؤ والسمك والتجارة". ولهذا نظر الرحالة نفسه إلى الكويت على أنها "أهم مدينة تجارية على الساحل الشرقي للجزيرة العربية".
 درس د. بنيان تركي في بحث مفصل دور العرب العمانيين في مجال تجارة العاج في شرق إفريقيا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1840-1890، تحدث فيه أولا عن تصنيف العاج، وبين أن هناك الناعم شديد البياض وهناك الخشن"... والناعم أغلى سعراً ، ولما كان العاج الإفريقي أكثر نعومة من العاج الهندي كان الأفضل والأشد رواجاً، ويتمتع هذا العاج الإفريقي بـ"بياضه الشديد وتنوع ألوانه ما بين الأبيض والأصفر والقرنفلي الضارب للصفرة".
ويقول الباحث إن تجارة العاج انتعشت في القرن التاسع عشر، وشارك فيها الكثير من الأفراد والشركات، حيث كان العمانيون ممن عملوا في هذا المجال، وكان العاج من أهم السلع التي تاجروا فيها منذ عهد بعيد، إذ يشير الجغرافي الشهير "المسعودي" في القرن التاسع عشر إلى أن العمانيين كانوا ينقلون العاج بين إفريقيا والهند والصين، فكانت عمان من أشهر أسواق العاج إلى أن تراجعت أهمية هذا السوق مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وتغير مسار تجارة شرق إفريقيا مع أوروبا، وهيمن التجار البرتغاليون على هذه التجارة "عندما اهتموا بتوفير الأقمشة والخرز والحديد لسكان الداخل مقابل الحصول على العاج والعنبر، مما أدى إلى فقدان العرب لمكانتهم التجارية المتميزة في شرق إفريقيا".
ويرى الباحث أن بعض النتائج العسكرية والسياسية قد ترتبت على هذه المنافسة، ويقول "ولعل تأثر تجارة عمان وبخاصة تجارة العاج مع شرق إفريقيا في ظل الهيمنة البرتغالية على المياه الشرقية كانت وراء تصدي حكام عمان من اليعاربة (1724-1741) للنفوذ البرتغالي بالخليج العربي وشرق إفريقيا"، وفي النهاية، "استعاد اليعاربة السيطرة على المناطق التي كانت البرتغال تحتلها، مما أدى إلى انحسار النفوذ البرتغالي بشرق إفريقيا".
تجدد اهتمام العمانيين بهذه التجارة مع بدايات القرن التاسع عشر، وازدياد الطلب على العاج وارتفاع أسعاره بالأسواق العالمية، مع تزايد المنافسين من تجار الهند وأوروبا وأميركا، أما سبب ازدياد الطلب فيقول إنه كان ناجماً عن دخول العاج في الكثير من الصناعات "من أبرزها صناعة التحف، والتماثيل، والآلات الموسيقية، والحلي، واتجاه عدة بلدان أوروبية مثل ألمانيا وهولندا، وبريطانيا، لإقامة مراكز متخصصة في معالجة العاج، واتجاه العديد من السفن التي كانت تحمل بضائع أوروبية، إلى سواحل شرق إفريقيا لتسويق هذه السلع، مقابل العاج وغيره من المنتجات المحلية، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على العاج بشرق إفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي".
وكان ارتفاع أسعار العاج وراء امتداد عمليات زحف التجار على الداخل الإفريقي "حتى وصل تجار العاج العرب إلى حوض نهر الكونغو، وكان التجار العرب المغامرون، الذين يسعون إلى العاج بالداخل يحدوهم الأمل في الحصول عليه مباشرة دون التعامل مع القبائل الإفريقية بشكل يحقق لهم مكاسب مالية وفيرة رغم المخاطر الكبيرة التي تترتب على توغلهم داخل القارة". (ص91).
 وازداد اهتمام السلطات العمانية في زمن السيد برغش بن سعيد 1870-1888 بتنظيم هذه التجارة بعد ازدياد الضغط العربي على المنطقة الخليجية وإفريقيا لإلغاء الرق "وتجارة العبيد"، والتي كانت أرباح سلطان زنجبار من ورائها ضخمة.
شجع السيد برغش، كغيره من سلاطين زنجبار، التجار العرب على التوغل داخل إفريقيا لأهداف تجارية ولتوطيد العلاقة مع زعماء القبائل الإفريقية الذين ارتبطوا بولائهم لسلطان زنجبار من آل بوسعيد، وكان بعض حكام هذه المناطق "قد منعوا التجار العرب من الحصول على العاج مباشرة من صائدي الفيلة، وكان ازدياد تجارة العاج وراء مشروع التجار العرب والسواحليين في إنشاء مراكز دائمة، ومحطات استراحة لقوافلهم التجارية، مخازن لحفظ بضائعهم". وفي بعض المناطق "كان العاج الذي يُشترى بمبلغ ألفي دولار يتم بيعه في الساحل بسبعة آلاف دولار".
ويورد د. تركي نماذج من تجار العاج العمانيين في شرق إفريقيا مثل محمد بن سعيد المرجبي ومحمد بن خلفان البرواني، ويقول: "كان حميد بن محمد المرجبي المشهور بلقب "تيبوتيب" واحداً من أشهر العرب العمانيين في شرق إفريقيا، وتمكن من أن يكون صاحب الكلمة في حوض نهر الكونغو.
وكانت له علاقات واسعة بالرحالة ستانلي وملك البلجيك ليوبولد الثاني، كما أشاد به رجال الإرساليات التنصيرية في شرق إفريقيا، وبدأ نشاط المرجبي التجاري في سن الثامنة عشرة، وعمل في تجارة الرقيق والعاج، التي ازدهرت في وقته حتى كوّن ثروة من تجارة العاج الأبيض والأسود جعلت حاكمي زنجبار ماجد بن سعيد والسيد برغش بن سعيد يرتبطان به، ويستعينان به لتوطيد النفوذ العربي في المناطق الداخلية من شرق إفريقيا، في الوقت الذي كان يمارس فيه نفوذا سياسياً واقتصادياً في أعالى الكونغو بعد عام 1870م. وبلغت شهرة المرجبي أن عددا من الرحالة الأجانب أمثال ديفيد لفنغستون Livingston وستانلي، وكاميرون Cameron وفون وايزمن Von waizman، لم يستغنوا عن مساعدته في العمل بالمنطقة". (ص101).
 ولكن كانت لـ"تيبوتيب" كذلك فظاعاته في القرى الإفريقية وفي تعامله مع من كان يتاجر بهم من الرقيق. (انظر مثلاً: Islam Black slaves، من تأليف 2001، Ronald segat، ص157 مثلاً).
وفي هذا الكتاب فصل كامل 145-162 عن دور التجار العرب والخليجيين في مجال الرق في شرقي إفريقيا، وهناك كذلك بالطبع تقارير اللجان البريطانية التي كانت تحارب الرق والكثير من المقالات في الصحافة الإنكليزية وربما الأميركية مثل Harpers.
اعتمد بعض تجار العرب على أصحاب رأس المال الهنود لتمويل تجارتهم في العاج، وفي كسب ولاء زعماء القبائل، وكان الممولون الهنود يرحبون بهذا الاستثمار لارتفاع العائد، وبخاصة بعد منع تجارة الرقيق، وبعد اعتماد سلاطين زنجبار عليهم في تمويل تجارتهم، كما رهن البعض مزارعهم للتجار والمرابين الهنود بفوائد فاحشة، حيث استحوذ الهنود مع الوقت على الكثير من الإقطاعيات الزراعية، وصاروا يتحكمون في الأسعار في عدة مجالات.

ما دور العرب في عملية اصطياد الفيلة؟

ينفي الباحث مشاركة العرب في صيد الفيلة "ولم يُعرف عنهم امتهانهم لهذه المهنة. والدراسات حول مساهمة العرب في تجارة العاج توضح بجلاء أنهم ظلوا بعيدين عن استخدام السلاح في صيدها، بعد أن اقتصر دورهم على شراء العاج".
 وعن مصير الفيلة يضيف د. تركي: "ومما لا شك فيه أن ازدياد أهمية العاج وانتشار عملية صيد الفيلة كادت تقضي على مصدر العاج نفسه، وتتسبب في انقراض الفيلة، ولهذا لجأت مؤسسات ومنظمات عالمية لتجريم صيد الفيلة من أجل أنيابها بهدف المحافظة عليها في المحميات الإفريقية، وقد حققت تلك التشريعات واللوائح نجاحا محدودا سمح بتنظيم محميات طبيعية تسمح للفيلة بالتكاثر في السنوات الأخيرة".
ومع مرور الوقت أصبح السلاح جزءاً أساسياً من قيمة العاج، مما أدى إلى تصاعد أعمال العنف بشرق إفريقيا واتساع عملية إبادة الفيلة، كما أن التجار العرب الذين تعاملوا في الداخل مع الكيانات السياسية "أصبحوا مصدراً من مصادر قوتها، لقيامهم على توفير الأسلحة لها".
ولهذا أصبح بعض هؤلاء التجار تدريجياً، يضيف د. تركي، "من المستشارين المقربين لهؤلاء الملوك، في الوقت الذي كان فيه ملوك مناطق أخرى- كمنطقة بوروندي- ينفرون من العرب، ولا يسمحون لهم بالاقتراب من حدودهم".
 هل عرف عرب زنجبار "المحظيات" والجواري"؟ سنرى ذلك في المقال القادم. 

رفيعة المسكريّة.. انتماء بالهويّة

جريدة الرؤية 
الإثنين 15 فبراير 2016

الطفلة رفيعة بنت خميس المسكرية.. عنوان تصدّر وسائل التواصل الاجتماعي في السلطنة والخليج والدول العربية على نطاق واسع، والسبب هو أنّها فازت في مسابقة بريطانية بثلاث جوائز دفعة واحدة، هي: الخطابة باللغة العربيّة، والخطابة باللغة الإنجليزيّة، وحفظ القرآن الكريم، هذه الثلاثية المؤثرة، عنوانها (طفلة عمانية)، وهو ما جعل الجميع في السلطنة على وجه الخصوص، يشعرون بالفخر والسعادة..
ثم، جاءت المعلومة الصادمة، هذه (الطفلة) الفائزة بهذه الثلاثية على مستوى العالم، على الأراضي البريطانية، ليست عُمانية بل بريطانية الجنسيّة، على الرغم من عروبيّة الاسم، وعُمانية 
القبيلة، هذه الصدمة التي أحدثت دهشة عامة، فتحت العديد من الأفكار، وأخذتني نحو بهو واسع من الأفكار، ونقلتني إلى فضاءات كانت تروح وتجيء، ولم تَطفُ على سطح المؤشرات اليومية المُلِحّة.
هذه الطفلة، أبوها عماني، وأمها كذلك، أعمامها وأخوالها وخالاتها وأخوالها، كلهم عمانيون، الجذور عمانية، على الرغم من كون الأب عاش شطرًا من حياته في شرق أفريقيا، كونه ولد هناك ولكن من أبوين عمانيين وعلى الرغم من محاولته الحصول على الجنسية استنادًا إلى وثيقة الجذور والامتداد الاجتماعي، إلا أنّ المحاولات باءت بالفشل المُحبِط؛ لذا، حمل جذوره، وذهب نحو المملكة المتحدة (بريطانيا)، وهناك عمل، ثم حصل على الإقامة، ثم نال الجنسيّة؛ وفي تلك الجغرافيا البعيدة عن الوطن، تمت ولادة (الطفلة رفيعة)، لتحمل اسمها العماني، ونسبها الاجتماعي العماني العربي المسلم، وتحافظ على لغتها (الأم) ولغة الجنسية معاً، متفوقة فيهما معاً، ومتخذة من القرآن الكريم مرجعاً ذاكريًا تجذيرا وتكوينيًا لهوّيّتها..
مثل خميس المسكري وعائلته، هناك الكثيرون، في شمال أفريقيا (تنزانيا)، وفي منطقة البحيرات العُظمى (رواندا، بوروندي، زائير)، وكلهم عمانيون وعمانيات، انتقلوا للعيش طلبا للحياة الكريمة إبّان الفتوحات العُمانية، وعلى الزحف الامبراطوري للتوغل العُماني الواسع الانتشار في أفريقيا، ولكن، لم يَدُم الحال، ووجد هؤلاء الكثيرون والكثيرات أنفسهم وأنفسهن خارج منظومة الاعتراف بكونهم عمانيين، على مستوى الجنسية؛ إلى الحد الذي صارت فيه الفتيات العمانيات، يتزوّجن من الأفارقة، من أجل الحصول على استقرار وإقامة، كي تضمن كفالة لوالديها ومن لديها، وكي لا تقع تحت طائلة عقوبة تضعها تحت يافطة (المخالفين)..
قريبنا العاجل، شهد تجنيسًا واسعا للعديد من غير العمانيين، لأسباب مختلفة، لا اعتراض، فهذا شأن حكومي بسند قانوني، ولكن في المقابل، كنا نأمل أن تتم عملية التجنيس مع الأولى بذلك، وهم العمانيون والعمانيات المنتشرون والمنتشرات في أماكن عدة في العالم، حتى بات بعضهم في دول قريبة ينتمون إلى (فئة البدون)، على الرغم من جذورهم الصريحة جدا بكونهم عمانيين، ولكن القانون لا يعترف بالجذور، بل بجواز السفر فقط..
هناك ملف، ينبغي إعادة فتحه، لأهمّيّته، وهو المتعلق بـ (العمانيين في أفريقيا)، شمالاً وغرباً، فالضرورة تقتضي التعامل مع عمانيي الشرق والغرب الإفريقيين، نسبة إلى وثائقهم، وجذورهم، بمنحهم جواز السفر، كي يتعمّق الانتماء، ولا بأس من اشتراط الإقامة  في عمان، إن كان ذلك سيحقق استقراراً نفسياً وتاريخياً واجتماعياً لهم وهم في تلك البلدان، فهم ثروة اقتصادية واجتماعية، وهم ذاكرة لا بد من الاعتناء بها، فنحن أحوج ما نكون إلى تجذير الانتماء فيهم، وعدم تركهم عُرضة للظروف التي لا يُعلَم مسار أخذها إيّاهم..
في أمريكا، وبالتحديد في ولاية أوهايو، حيث كنت أرافق ابنتي واحة، التي تكمل دراستها الجامعية هناك، لفتت انتباهي الطالبة خديجة بنت هلال الحبسي، ذات الحراك الخدمي الذي تقوم به لكل طالبة تقوم بالالتحاق بالجامعة، عميق تفكيرها يجعلها تجد في كل قادمة من السلطنة بمثابة رائحة تراب تشمّها في الملامح والتفاصيل والابتسامة والحلم، كانت تقوم بمساعدة أي طالب أو طالبة عمانية تلتحق بالجامعة، أعجبني نشاطها، فسألتها من أين أنتِ؟  قالت من ولاية المضيبي، وتحديدا من بلدة الروضة، ولكنّي هنا بصفتي تنزانية الجنسية وطالبة في الجامعة على هذا الأساس، ولكنّي أشعر بفخر عميق في داخلي، كلما رأيت عمانيا أو عمانية، لأنهم يربطونني بالجذور، التي تتجاوز الجواز، وتجعلني مؤمنة بالانتماء.
مثل خديجة ورفيعة، هما رسالة مهمة وضرورية، ومن المهم أن تصل إلى المعنيين بها، فهما وأمثالهما من لحمنا ودمنا، نحتاج إليهم؛ ولذا أناشد وزارة الداخلية الاهتمام بهذا الملف، الذي – نعلم يقينا – أنّه سيحل الكثير من الإشكاليات، وسيعيد البسمة والحياة إلى أسر عمانية خارج جغرافيا الوطن، تحلم أن تعيش بقيّة حياتها في أي شبر من أرض عمان الطيبة، التي لا تنبت إلا طيّبا.

Friday, February 12, 2016

مغامر عُماني في أدغال افريقيا


 كتاب : مغامر  عماني في أدغال أفريقيا 
(حياة حمد بن محمد بن جمعة المرجبي المعروف بتيبو تيب 1840 - 1905)
ـ ترجمة د. محمد المحروقي ، منشورات الجمل ، 2006 م.
رابط التحميل :

المؤتمر الدولي الثالث حول الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في دول البحيرات العظمى الأفريقية ..



جريدة الوطن: 11 ديسمبر 2014

المؤتمر الدولي الثالث حول الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في دول البحيرات العظمى الأفريقية .. يتواصل في بوروندي


وغل العمانيين إلى قلب القارة الأفريقية في عام 1824م شكل نقطة انطلاقة لاكتشاف ما تزخر به تلك المناطق واستطاعوا تحويلها إلى سلع رائجة
بوجمبورا (بوروندي) ـ من خلفان الزيدي:
بذات الزخم والاحتفاء الذي بدأ به، واصل المؤتمر الدولي الثالث حول الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في دول البحيرات العظمى الأفريقية، والذي تنظمه هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتعاون مع المكتب الوسيط وجامعة بوروندي وجامعة السلام والتصالح بجمهورية بوروندي بالعاصمة بوجمبورا، جلسات اليوم الثاني ــ أمس ــ بتقديم (17) بحثا وورقة عمل عبر ثلاث جلسات، تطرقت إلى جوانب عديدة للدور العماني في شرق أفريقيا، واسهام العمانيين في الحضارة الاسلامية ودورهم في العلاقات مع دول البحيرات العظمى.
استهلت جلسات الأمس بورقة عمل حول المؤسسات الثقافية الدعوية بشرقي أفريقيا في العصر الحديث قدمها الباحث جمعة بن خلفان بن صالح البطراني موجه ديني أول بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أشار من خلالها إلى دور العلماء والدعاء العمانيين في بناء المؤسسات الثقافية الدعوية في شرقي أفريقيا، مؤكدا أنهم أدوا دورا ملموسا في ذلك، إذ استمر هذا العطاء الفكري والأدبي في شرقي أفريقيا عبر العصور التاريخية المختلفة منذ القرن الأول للهجرة إلى وقتنا الحاضر، فظهرت مؤلفات عديدة في مختلف الفنون، وصاحب ذلك النتاج حركة علمية وثقافية وأدبية وعمرانية، وهو الذي يمكن أن نطلق عليه ثقافة العصر آنذاك وهو الإدراك والإلمام بمعارف شتى تغذي الجانب الفكري والوجداني.
وأشار الباحث إلى ما ذكره المؤرخون من أن عصر الدولة البوسعيدية يعتبر العصر الذهبي للوجود العماني في شرقي أفريقيا، وقال في هذا الصدد: “شهدت فترة البوسعيد في شرقي أفريقيا مرحلة مهمة من مراحل انتشار الإسلام فيه، ففي عصرهم أشرق نور الإسلام لأول مرة في ربوع أوغندا وأعالي نهر الكونغو وفي رواندا وبوروندي فضلا عن المناطق الداخلية كزنجبار والجزيرة الخضراء في تنزانيا الحالية، وازدهرت الحركة العلمية في عهد الدولة البوسعيدية في مدن زيلع وهرر وأوفات وبربرة ومقديشو وبراوة وكلوة وأصبحت مدنا ومراكز علمية مشهورة في أرجاء ساحل شرق أفريقيا يفد إليها طلاب العلم والمعرفة لينهلوا من علمائها الأجلاء.
وذكر الباحث في ورقته المؤسسات الثقافية الدعوية في العصر الحديث، وقال إنها لعبت دورا حيويا في شرقي أفريقيا في دعوة الناس إلى الإسلام والمضي قدما إلى الطريق الصحيح الذي اختاره الله لعباده، متناولا هذه المؤسسات الثقافية الدعوية في أربعة مطالب هي المساجد، والكتاتيب والمدارس والمعاهد، والمجالس ودور العلماء، والجمعيات الإصلاحية.

مملكتا بوغندا وبونيورو
في الورقة الثانية، التي حملت عنوان “مملكتا بوغندا وبونيورو واصطدامهما بالإسلام .. من الخطاب الشفوي إلى الكلمة المكتوبة حتى نشوء الكتابات التاريخية” والتي قدمتها الدكتورة فيرا فيلهانوفا-باوليكوفا من معهد الدراسات العربية بالأكاديمية السلوفاكية للعلوم في براتيسلافا، بسلوفاكيا، ذكرت الباحثة أن مملكة بوغندا تعتبر من أهم المناطق في شرق ووسط أفريقيا التي انتشر واكتسب الإسلام فيها دورا وموقعا قويا. واكتسبت الديانة الإسلامية مؤيديها في بوغندا من خلال توغل الأفكار الدينية جنبا إلى جنب مع عناصر الثقافة والحضارة الإسلامية، بما في ذلك المهارات الجديدة والحرف اليدوية وأسلوب الحياة واللباس الإسلامي، ومحو الأمية من خلال الخط العربي. وارتبط اعتماد الخط العربي ومحو الأمية بانتشار اللغات الجديدة كالسواحيلية والعربية.
وقالت: أصبح تعبير قراءة “اكوسوما” مفهوماً مرادفا لاعتناق الإسلام في وقت لاحق للمسيحية حتى أن المعتنقين للديانة كانوا يسمون بتعبير”القراء”. لقد شعر من تعلموا القراءة والكتابة بالحروف العربية أو بالأحرف الرومانية من أبناء بوغندا وبانورا بالحاجة إلى تدوين التقاليد بالتاريخي المحلي، وتسجيل ما يعرفونه عن تاريخ أمتهم، وتقديم التقارير المنقولة عن شهود العيان عن الأحداث المضطربة التي وقعت في أواخر القرن التاسع عشر. ولا بد من الإشارة إلى أن العديد من هذه الكتابات التاريخية، ومعظمها غير منشورة، المدونة بأقلام الجيل الأول من “القراء” في بوغندا وبنيورو قد نجت من الضياع، وهي توفر الرواية الإسلامية للأحداث حيث تروي الأخبار التاريخية والمذكرات والرويات من وجهة نظر الشهود العيان والمشاركين في تلك الأحداث، والتي كتبها المسلمون المحليون. إن التاريخ الإسلامي للأحداث يصحح وصف الحروب الدينية في بوغندا، وتاريخ تغلغل الإسلام إلى منطقة البحيرات الأفريقية الشرقية العظمى، والحروب بين بوغندا وبنيورو والضم والاحتلال الاستعماري البريطاني واحتلاله لهذه المنطقة المدون بقلم البروتستانت والكاثوليك. ويمكن الاستفادة من هذا التاريخ كثقل توازن مفيد للتأريخ البروتستانتي والكاثوليكي السائد.

الوجود العماني في الكونغو
وتناول الدكتور محمد بن ناصر بن راشد المنذري مستشار شؤون البرامج الدينية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في ورقته التي قدمها الوجود العماني في جمهورية الكونغو، معتبرا أن توغل العمانيين إلى قلب القارة الأفريقية في عام 1824م شكل نقطة انطلاقة، لاكتشاف ما تزخر به تلك المناطق من خيرات طبيعية استطاع العمانيون أن يحولوها إلى سلع رائجة.
وأشار إلى أنه وبمرور الزمن تعاظم نفوذ التجار العمانيين في الداخل الأفريقي حيث كانوا حلقة وصل بين سكان الساحل الشرقي لأفريقيا وسكان وسط القارة وكان لهم دور كبير في تذليل الصعاب التي كانت تكتنف ذلك التواصل فاخترقوا الغابات الاستوائية حتى وصلت قوافلهم أرض الكونغو، مستغلين في ذلك مهارتهم الملاحية، فاستقلوا أفرع نهر الكونغو للدخول إلى أغوار الكونغو وغاباته الكثيفة.
وتطرق الباحث إلى ما ذكره صاحب كتاب “جهينة الأخبار” بأن العمانيين في عهد السلطان سعيد بن سلطان هم أول من اكتشف مجاهل القارة الأفريقية، وهم أول من روى الحكايات عن وجود البحيرات والجبال ذات القمم الثلجية، متناولا أشهر الشخصيات التي أسهمت بدور فاعل في ذلك التواصل الحضاري هو التاجر العماني (حمد بن محمد المرجبي)، أحد أشهر التجار العمانيين في شرق أفريقيا في مطلع القرن التاسع عشر الذي أوصل رسالة الإسلام إلى الكونغو، وأسس فيها إمارة عربية، ومن ذلك الحين أخذ العمانيون يتوافدون إلى تلك البلاد، وكان لهم نشاط اقتصادي كبير أسهموا به في إثراء خزينة الدولة في زنجبار.
وتتبعا لهذا الوجود العماني الذي ما يزال أثره موجودا حتى يومنا هذا، قدم الباحث ورقته عبر مبحثين عني الأول بتتبع تاريخ الوجود العماني في الكونغو والدور الذي قام به في النشاط الاقتصادي وإسهامهم في نشر الإسلام والثقافة العربية وذكر الشخصيات التي كان لها الدور الريادي في ذلك.
وعني المبحث الثاني بتسجيل ذكريات بعض الشخصيات العمانية المعاصرة والتي كان لها وجود في الكونغو، والبعض لا يزال له مناشط تجارية وعقارية في تلك البلاد، والتعرف على بعض ما في حوزتهم من وثائق خاصة، وتحليل بعض الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تشير إليها تلك الوثائق.

مِن الفرضاني
الدكتور خميس بن ماجد بن خميس الصباري من كلية العلوم والآداب قسم اللغة العربية في جامعة نزوى، أضاء محاور المؤتمر بتقديم قراءة نقدية في رحلة “مِن الفرضاني”، وذلك في سياق حديثه عن دور أدب الرحلة في توثيق العلاقات العمانية بجنوب شرق أفريقيا.
وقال في هذا الصدد: يعدّ أدب الرحلة من الفنون الأدبية المهمة في التاريخ الإنساني على مدى الأزمنة والدهور، لما له من دور عظيم في توثيق كثير من الأنشطة الإنسانية: الدينية والسياسية، والعلمية والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها، لتبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ، ومعمقة لكثير من الصلات الإنسانية. ويعدّ الرحالة شخصا ذا قدرة فائقة حساسة على استقراء جغرافية الأماكن التي يزورها، لتسجيل أبعادها، وتوثيق واقعها، وفق ما يراه من مشاهدات، وما يلاحظه من ملاحظات، أو ما يسمعه من أخبار متواترة، بما يعكس عنها صورة تؤرخ لكثير من مواقفها الحيوية المهمة.
وركز الباحث في ورقته على رحلة بعنوان: “مِن الفرضاني” للدكتور محمد بن ناصر المحروقي، وهي رحلة قام بها إلى الشرق الأفريقي في عام 1992م، مناقشا موضوعات الرحلة، بدءا من العنوان “مِن الفرضاني” وهي كلمة سواحلية تعود إلى أصل عربي هو (الفرضة) ومعناها “محط السفن”. وكان الهدف منها، الوقوف على شعر العلامة ناصر بن سالم الرواحي، ليكون موضوعا له في دراسة الماجستير، وليلتقي بأقاربه العمانيين هناك، وليرى طبيعة الشرق الأفريقي الساحرة.
وانتقل الباحث للحديث عن المنهج الذي اتبعه الكاتب الذي حدده بمحطات الرحلة بدءا من مطار مسقط، ثم دار السلام، ثم زنجبار وإلى باقي المحطات منها: ممباسا، وتانجا، وأروشا وتاليزا، وموانزا، وكياكا (على الحدود التانزانية الأوغندية).
بعدها تناول لغة الرحلة وهي لغة أدبية سهلة، تحمل ملامح ثقافية من خلال ما يستشهد به الكاتب من شواهد أدبية، وملامح ثقافية سواحلية، وما تتضمنه من دلالة للتعبير عن الأبعاد النفسية المتعلقة بوشائج العلاقات العمانية الشرق الأفريقية، ثم بيان أهم العلاقات الدينية والسياسية، والثقافية والاجتماعية التي تستقرأ من واقع هذه الرحلة، وما يُستشفّ من خلالها من علاقات إنسانية طيبة بين عمان وجنوب شرق أفريقيا.

العلاقات التجارية
الدكتور شاكر مجيد كاظم الحواني من قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة البصرة، تطرق في ورقته إلى العلاقات التجارية بين عُمان وشرق أفريقيا قبل الإسلام، والتي يعود تاريخها إلى فترات موغلة بالقدم حيث اتصلوا بالمدن والموانئ المطلة على الساحل الشرقي الأفريقي التي امتدت من الساحل (بنادر) في الصومال مرورا بمقديشو شمالا إلى سفالة الزنج جنوبا وقنبلو وحتى ساحل موزنبيق، بل إنهم وصلوا إلى مصب نهر الزمبيزي، بالاضافة إلى جزر سقطرى، وبمبا وزنجبار، ووسعوا تجارتهم إلى ازانيا بهدف التجارة والاستيطان، وقد أقاموا فيها عدة مراكز لتجارة الذهب والعاج والتوابل والرقيق وريش النعام وخشب الابنوس والعنبر والقرفة.
وأشار إلى أن التزاوج بين العمانيين والأفارقة ساعد على نقل الثقافة ولغة العرب اليهم، واشار الباحث إلى أسباب تمركز العمانيين في سواحل شرق أفريقيا، متطرقا إلى اشتهار العمانيين منذ القدم بركوب البحر، إذ كان لهم أكبر أسطول بحري حتى وصفوا بانهم أرباب المراكب، وذكروا كثرة نواخذتهم الذين يتولون ادارة السفن في سواحل الشرق الأفريقي والبحر العربي والمحيط الهندي، ونشير إلى أهم موانى عُمان القديمة: رأس مدركة ومرباط الذي اشتهر بتصدير البخور، وظفار ودبا الذي كان في ذلك الوقت سوقا تجاريا، وميناء حضرموت الذي يبحرون من خلاله باتجاه شرق أفريقيا، وميناء رأس فرتك المخصص لشحن اللبان من السواحل العمانية إلى سواحل شرق أفريقيا.

الدبلوماسية العمانية في أفريقيا
فيما تناول الباحث منذر بن عوض بن عبدالله المنذري من دار الاوبرا السلطانية مسقط، أبعاد الدبلوماسية العمانية في شرق وأواسط أفريقيا (القرن 19 الميلادي)، وقال إن الهجرات العربية عامة والعمانية خاصة إلى شرق وأواسط أفريقيا شكلت تغيرا في مجريات التاريخ في تلك المنطقة، وكان للعمانيين دبلوماسية واضحة استطاعوا بحنكتهم ودرايتهم الكبيرة، أن يوسعوا من رقعة الحضارة العمانية الإسلامية إلى شرق وأواسط أفريقيا وغيرها من المناطق، وأن يحذوا حذو الحضارات التي سبقتهم هناك سواء من ناحية الدولة السياسية، أو بجهود فردية، هذه الدبلوماسية ناتجه عن حضارة عربية قامت في عمان واستفاد منها العمانيون هناك، خاصة لطرد الاحتلال الأجنبي من تلك المناطق وتحريرها ونشر الدين الإسلامي وصولا إلى شرق أفريقيا. كما كان للدبلوماسية العمانية دور في مواجهة بعض الخصوم وحتى من العمانيين أنفسهم (صراع السلطان سعيد بن سلطان مع بعض القبائل مثالا) وصولا لتوحيد الراية والمصلحة العامة نتج عنه ازدهار حضاري عظيم ونمو في مختلف مجالات الحياة وخاصة السياسية والاقتصادية والعمرانية وغيرها.

مقديشو .. أهم مراكز التجارة
وفي الجلسة الثانية من جلسات الأمس، تطرق الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة أبو العلا من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، إلى مكانة مدينة مقديشو الصومالية كأحد أهم مراكز التجارة والثقافة الإسلامية بساحل شرق أفريقيا منذ تأسيسها في بداية القرن الرابع حتى منتصف القرن الثامن الهجريين، باعتبارها مدينة كبيرة، وبها كانت تصنع الثياب المنسوبة إليها، وبها المتاع الكثير، وكانت تتجمع فيها أيضًا تجارة السودان والحبشة والصومال وشرق أفريقيا، وكانت السفن التي ترفئ إليها من العراق والخليج وبلدان الجزيرة العربية والهند والصين تحمل منها كما ذكر ياقوت الحموي ما تزخر به من ثروة حيوانية هائلة، والصندل والأبنوس والعنبر والعاج. وكان أهلها تجاراً أقوياء مهرة، وكانوا يُكرمون التجار الغرباء ويقومون بأمرهم.
وأوضح أن شهرة مقديشو برزت منذ أن هاجر إليها بعض زعماء قبيلة الحرث العربية الإحسائية، واستقروا فيها، ونهضوا وغيرهم من التجار العرب، خاصة العمانيين بواجب الدعوة إلى الإسلام، وبذلوا في سبيل ذلك جهدًا واضحًا أسفر عن انتشار الإسلام في هذه المدينة وغيرها من مدن الصومال، فحين وفدوا إليها حدث تغير كبير في معتقدات سكانها، فقد شيدوا المساجد، لتأدية الصلاة والشعائر الإسلامية، وأسسوا أيضا مراكز التعليم التي تحولت إلى دور لنشر الثقافة الإسلامية وتعليم اللغة العربية، وقد تحولت المساجد والمدارس إلى مراكز علمية حضارية ينهل من معينها العرب والأفارقة بالساحل والبر الأفريقي، ولا غرو فقد جعل ابن سعيد الأندلسي مقديشو أهم مدن الإسلام وأشهرها بشرق أفريقيا، وقد زارها الرُحالة ابن بطوطة زمن سيطرة بني نبهان العُمانيين عليها سنة 731هـ/1331م، وأعجب بسلطانها ورجال العلم وطلبه في مدينته، لما عرفوا به من الورع والتقوى، وإكرام الغرباء من التجار والفقهاء والصالحين وتوقيرهم، وأعجب أيضا بنظام الفصل بين الناس وأهل الشكايات القائم على مبادئ الشريعة والشورى الإسلامية.

زنجبار وبوغندا في القرن الـ 18
وتطرق الباحث إسحاق ستوب وهو محاضر ومترجم تحريري وفوري وباحث من أوغندا إلى نشأة وتطور العلاقات بين سلطنة زنجبار/عمان ومملكة بوغندا في القرن الـ 18، من خلال القيام بإعادة قراءة فاحصة لكل من المصادر الإنجليزية والبوغندية.
وقال: أدت مغامرات التجار المسافرين الزنجبارين إلى الدواخل الأفريقية إلى وصول الإسلام إليها من غير وجود حملات تبشيرية رسمية. وبعد تشكل الفكر الديني التوحيدي الجديد، ظهرت جوانب ثقافة مادية بدءاً من محو الأمية واللغة إلى اللباس والطعام. وتفاعل جميع ملوك غاندا مثل: سونا الثاني، موتيسا الأول، موانغا الثاني، كيويوا موتيبي ونوهو كليما مع العرب والسواحيلين الذين قدموا من السواحل، وتعلموا منهم الإسلام بدرجات متفاوتة، وقاموا بتوظيف بعض منهم ككتبة، ومستشارين ومعلمين، وكثير منهم استقر في بوغندا. وفي ظل حكم الملك موتيسا الأول والملك كليما ازدهرت العلاقات التجارية والدبلوماسية، نظرا لحركة القوافل وتبادل الرسائل والسفارات. وشهدت فترة حكم الملك كليما ظهور العاصمة التي أطلق عليها لنجوجا (اونجوجا/زنجبار)، ومحاولات للوصول إلى السلطان لإمداده بالذخيرة والتوجيه، حتى يقال إن مبعوثي موتيسا خرجوا في البحث عن الأم المفقودة.

السيرة الحسنة للعمانيين
وتناول الدكتور أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي أستاذ مساعد بقسم العلوم الإسلامية في جامعة السلطان قابوس السيرة الحسنة والتعايش البناء للعمانيين بوجودهم في دول البحيرات (تنزانيا، أوغندا، رواندا، بوروندي، الكنغو)، وذلك من خلال عرض نماذج تبرز روح التعايش وحسن السيرة من خلال المنظومة الفكرية والاجتماعية وظهورها في الشخصية العمانية.
وتطرق الباحث إلى السيرة الحسنة والتعايش البناء للقادة السياسيين العمانيين الذين كان لهم حضور وتأثير في دول البحيرات، سواء التجارب القديمة الممثلة في هجرات الأمراء أو ظهور ذلك بقوة وقت الامتداد السياسي العماني في شرق أفريقيا أيام السلطان سعيد بن سلطان، وعرج إلى تناول السيرة الحسنة والتعايش البناء للعلماء والدعاة العمانيين الذين قاموا بدور مؤثر في دول البحيرات.

بحوث وأوراق عمل ثرية
وبالإضافة إلى هذه البحوث، حفل يوم أمس بتقديم أوراق عمل أخرى تنوعت عناوينها بين الطابع الحضاري لزنجبار في العهد البوسعيدي، دراسة دلالية في وثائق الوصايا والوقف خلال الفترة (1882-1938م)، قدمها الدكتور إيهاب محمد أبو ستة أستاذ مساعد في كلية العلوم والآداب بجامعة نزوى، وثراء التواصل العلمي العماني مع شرق أفريقيا من خلال مؤلفات الردود العلمية، قدمها الدكتور صالح بن أحمد البوسعيدي الأستاذ المساعد بكلية التربية في جامعة السلطان قابوس، وتناولت الباحثة الاجتماعية في وزارة الدفاع مريم بنت طالب بن خليفة القطيطية دور المرأة العمانية في المحافظة على الهوية الوطنية في مناطق البحيرات العظمى.
وقدم الدكتور محمود قطاط من الجامعة التونسية، بحثا حول الانصهار العربي الأفريقي من خلال الاحتفالات الدينية والطقوس العقائدية منطلقا من النموذج الأفروعُماني.
وقدم الباحث في وزارة التربية والتعليم ناصر بن عبدالله بن سالم الصقري ورقة حول الدولة العمانية في منطقة البحيرات العظمى في عهد السلطان برغش بن سعيد.
وتناول الدكتور جمعة بن خليفة البوسعيدي مدير عام المديرية العامة للبحث وتداول الوثائق في هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية خلال حكم آل بوسعيد في الشرق الأفريقي، والمؤثرات الحضارية التي تركها العمانيون في حياة شعوب الشرق الأفريقي.
وتطرق الدكتور سعود بن سليمان بن مطر النبهاني مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بنزوى وأستاذ مشارك في مناهج الدراسات الاجتماعية وأساليب تدريسها، إلى الكشوفات الجغرافية العمانية الشرق أفريقية وتأثيراتها الحضارية.
واختتم الدكتور صالح محروس محمد الباحث بجامعة بنى سويف في جمهورية مصر العربية جلسات الأمس بورقة حول تجارة العاج في شرق أفريقيا بين التجار العمانيين والاحتكار البريطاني.