Tuesday, August 15, 2017

زنجبار في عهد السيد سعيد بن سلطان

زنجبار في عهد السيد سعيد بن سلطان ج(1)، برنامج من التاريخ العماني
إذاعة سلطنة عمان
14/8/2017
https://www.youtube.com/watch?v=iwuhEfrndE0

زنجبار في عهد السيد سعيد بن سلطان ج(2) برنامج من التاريخ العماني
https://www.youtube.com/watch?v=Y3skZ8Hq2ac

زنجبار في عهد السيد سعيد بن سلطان ج(3) برنامج من التاريخ العماني
https://www.youtube.com/watch?v=zglOGtOEWPI

Sunday, August 13, 2017

Friday, August 4, 2017

قراءة في "رحلة أبي الحارث" للشيخ الأديب محمد بن علي بن خميس البرواني

محمد بن سليمان الحضرمي
جريدة عمان 

صدر للباحث العماني د. محمد بن ناصر المحروقي بحثا بعنوان (حول أدب الرحلة في زنجبار، “البحث عن أمة واحدة”: قراءة في “رحلة أبي الحارث”، للشيخ الأديب محمد بن علي بن خميس البرواني (ت: 1953)، صدر البحث ضمن إصدارات مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، والتي تصدر عن المجلس، وهي مجلة علمية محكمة، تصدر عن مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت، وفيه يقدم د. المحروقي تحليلا للرحلة التي قام بها الشيخ محمد بن علي بن خميس البرواني، وصدرت في كتاب بعنوان (رحلة أبي الحارث)، طبعت أول مرة في زنجبار عام 1915م.
في تحليله يبرز الباحث ثراء كتابات أدب الرحلة في زنجبار في العصر الحديث، واستقصاء العوامل السياسية والثقافية التي تدخل في تشكيل منظومة ذلك الثراء، ويشير الباحث إلى أن ظهور المطبعة السلطانية في عهد السيد برغش بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (ت: 1888م)، قادت إلى نشاط صحفي، وظهور أول صحيفة عربية عمانية في زنجبار، سميت بصحيفة “النجاح”، وذلك في عام 1911م، ثم تبعتها صحف أخرى كالفلق والنهضة وغيرها.
ويؤكد في سياق بحثه أن السلطان حمود بن محمد بن سعيد البوسعيدي، سار على الخطى نفسها، في تشجيع حركة الطباعة والصحافة، وحقق هذا السلطان علاقات جيدة مع رواد حركة الإصلاح العربي، أمثال محمد رشيد رضا، وجرجي زيدان، مما أدت إلى توطيد العلاقة الثقافية بين مثقفي زنجبار ورواد حركة الإصلاح.
وفي هذا سياق الانفتاح الثقافي، وانتعاش حركة النشر، صدر في أدب الرحلات كتب أخرى، من أمثال “الدر المنظوم في ذكر المحاسن والرسوم”، للسيد حمود بن محمد البوسعيدي، وبحسب المحروقي فإن البرواني صاحب رحلة أبي الحارث، سعى إلى تقديم أنموذج للحداثة التي على زنجبار أن تسلكها في بحثها عن هويتها، مما يمكن تسميته بـ”الأمة الإسلامية”، أو “الأمة الواحدة”.
قسم الباحث بحثه إلى أربعة فصول، تتلخص حول ما أسماه بالنهضة المرتقبة، والذي يؤكد فيه أن رحلة أبي الحارث تتموضع ضمن سياق أسئلة النهضة المرتقبة في زنجبار، إشارة منه إلى وجود خطاب نهضوي متعدد الأصوات، يجمع بين الإسلامي والقومي والعلماني، ينشغل بالبحث عن نهضة زنجبار، إلا أن ثورة 1964م، والتي أطاحت بآخر سلطان من أصل عربي، وهو السلطان جمشيد بن عبدالله بن خليفة بن حارب البوسعيدي (لا يزال على قيد الحياة)، وضعت نهاية لذلك التطلع، بعد أن قامت حكومة وطنية في زنجبار، سعت إلى محو السمة الإسلامية.

الدور الإصلاحي للمطبعة السلطانية
وفي فصل تحدث فيه عن دور المطبعة السلطانية في زنجبار ودورها الإصلاحي الريادي، وهو حديث يقود إلى الانجازات التي أدخلها السلطان برغش بن سعيد بن سلطان (1870م – 1888م)، حيث شهدت زنجبار في عهده إصلاحات عديدة تتعلق بالبنى الخدمية الأساسية، من بين أعماله إدخال الكهرباء، وتوصيل الماء العذب إلى جزيرة زنجبار، وتعبيد الطرق، وبناء بيت العجائب، وهو أول بيت من ثلاثة أدوار، مزود بمصعد كهربائي في شرق افريقيا.
وأما أعماله السيد برغش بن سعيد الثقافية، فأبرزها إنشاء المطبعة السلطانية والتي عنيت بطبع الكتب الدينية والأدبية، وأسهمت في ظهور الصحافة العربية في زنجبار، منذ مطلع القرن العشرين.
وتتبعا للظروف التي دفعت السلطان برغش بن سعيد لشراء مطبعة، فقد بزغت فكرتها في ذهنه لأول مرة عندما زار السلطان أوروبا، سنة 1875م، وفي طريقه توقف في القاهرة، وشاهد المطابع العربية، واشترى مطبعتين، الأولى يعتقد أنه اشتراها من انجلترا عام 1875م، وابتدأ العمل بها سنة 1879م، والثانية اشتراها من الآباء اليسوعيين في لبنان سنة 1884م، واستقدم معها طاقما للعمل، وكانت المطبعة السلطانية تطبع الأوامر السلطانية والكتب الدينية والأدبية، ولاحقا أصبحت تطبع الصحف باللغات العربية والإنجليزية والسواحلية.
ويؤكد الباحث المحروقي أنه من العوامل الأخرى التي ساعدت على ولادة الصحافة العربية في زنجبار، ذلك التفاعل الإيجابي النشط، الذي كان بين رواد الصحافة العربية الأوائل في القاهرة وبيروت والأستانة والإسكندرية وباريس ولندن، وبين السلطانين: حمود بن محمد بن سعيد (1896م – 1902م)، وابنه علي بن حمود (1902م – 1919م)، هذا ويحتفظ أرشيف زنجبار بالكثير من المراسلات التي كانت تجري بين رواد الصحافة العربية وهذين السلطانيين.

دعم الصحافة العربية
من جانب آخر كان سلاطين زنجبار يدعمون الصحافة العربية في نشأتها من بينها الراوي والمرصاد والفضيلة، والمنار، والهلال، وغيرها، وتكشف الوثائق عن وجود مراسلات بين محمد رشيد رضا، حيث يكتب رسالة إلى سلطان زنجبار، بتاريخ 5/10/1901م، يعرف فيها السلطان برسالة صحيفة المنار التي أسسها منذ أربع سنين، (زمن كتابة الرسالة)، ويطلب فيها الدعم المادي، ورسالة ثانية من صاحب المنار لسلطان زنجبار، يعرفه بمشروع جديد له، وهو تأسيس جمعية العلم والإرشاد بالأستانة، ويطلب فيها دعم السلطان أيضا.
كما يكتب الأديب جرجي زيدان محرر الهلال، للسلطان حمود، ففي رسالة مؤرخة بتاريخ 30 أكتوبر 1899م، يشير فيها إلى تسلمه مبلغ ستة جنيهات عن اشتراك السنة السابعة، ويذكر أنه يريد أن يخص بنشر الأخبار السلطانية،  ويسبق غيره من الصحفيين، وهناك ثلاث رسائل أخرى من جرجي زيدان للسلطانيين حمود وعلي.
ويؤكد الباحث المحروقي أن الصحف العربية التي كانت تصل إلى زنجبار، عبر اشتراكات السلاطين، كانت تلقى طريقها إلى صفوة المجتمع من العلماء والشعراء، وأبرزه هؤلاء الشاعر الكبير وأول محرر لصحيفة عربية، أبومسلم ناصر بن سالم الرواحي (ت: 1920م)، والذي أنشأ صحيفة النجاح في عام 1911م.

ازدهار النثر الفني
وفي فصل يتناول أدب الرحلة في زنجبار، يؤكد الباحث د. محمد المحروقي أن ازدهار الحركة الثقافية في القرن العشرين، وتكون شريحة من القراء أدى إلى ازدهار “النثر الفني” المتصل بأدب الرحلة، وتحضر الكتب التالية، شاهدا على ذلك النشاط الذي لحق هذا الجنس الأدبي الجميل، فإلى جانب “رحلة أبي الحارث البرواني” تمت طباعة كتاب “الدر المنظوم” للسيد زاهر بن سعيد ورتبه لويس صابونجي، و”رحلة عظمة السلطان المطاع خليفة بن حارب إلى أوروبا، لحضور تتويج صاحب الجلالة جورج السادس ملك بريطانيا العظمى”، لسعيد بن علي المغيري، حيث نشرت ملحقا مع  كتابه الشهير “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار”.
وهي رحلات رسمية وذاتية، من ضمنها رحلة أبي الحارث، ومن دوافع كتابتها هو التعرف على حياة المسلمين الآخرين في المدن الإسلامية، ونقلها عبر الكتابات الأدبية، إلى القارئ المسلم في زنجبار، وفي الشرق الإفريقي عامة، على اعتبار أن زنجبار هي مصدر  الإشعاع  الديني والثقافي في تلك البقعة من الأرض.
ويتناول الباحث في فصل خاص بالشيخ الرحالة محمد البرواني فكره الإصلاحي المعتدل، حيث كان ذات شخصية منفتحة، ومتطلعة، ولا تقنع بالسائد والمألوف، فقد بدأ عندما بلغ الخمسين من العمر، بتعلم اللغة الانجليزية، رغبة في الاطلاع على الفكر والأدب الإنجليزي اطلاعا مباشرا، مدفوعا إلى ذلك بميوله الأدبية وإرادته القوية، وثمة سبب آخر يكمن وراء تلك الرغبة في تعلم اللغة الإنجليزية، هو إعطاء المثال العماني على ما ينبغي أن يكون عليه الموقف من الغرب.
ويضيف المحروقي أن الشيخ البرواني ارتبط بعلاقة جيدة مع الشاعر الكبير ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، ففي إحدى المناسبات يكتب أبو الحارث أبيات في عيادة أبي مسلم، مهنئا إياه بالشفاء، من مرض أصابه، وإعجاب أبي مسلم بموهبة أبي الحارث الأدبية، يظهر في تقريضه لهذه الرحلة حيث كتب: إن رحلتكم حبة من فريد الجوهر، تناولتها الثريا لتجعلها ثامنة سبعتها، أو حبة في عنقودها، أو فصا لخاتم كفها، أو واسطة لعقدها، فإن لم يكن ذا فرحلتكم قطعة من النور، دلت على مكان نبوغكم في الكتابة، ثم أتبعها بقصيدة من نظمه يقول فيها:
تجول في بساط الأرض شيئا..
لتنظر صنعة الملك البديع
فلم تك صخرة جبلت فقرت..
فلست إلى المسير بمستطيع
من جانب فإن هذه الرحلة كما يقول الباحث الدكتور المحروقي: إنها طبعت في مطابع النجاح، مما يشير إلى تبني أبي مسلم لهذا العلم، تبنيا تاما.

مسار الرحلة البروانية
أما عن رحلة أبي الحارث، فقد وصفها الباحث المحروقي بالأمة الواحدة، حيث انطلقت من زنجبار صبيحة يوم الجمعة 17/4/1914م، على الباخرة الألمانية المسماة “جتريدورمن”، وذلك للاطلاع على بلدان العالم الإسلامي، ولذلك فهي من نوع السياحة الفكرية، وفي هذه الرحلة سافر البرواني إلى مصر، وبلاد الشام، حيث انطلقت من زنجبار، واتجهت إلى تانجة، ثم ممباسا، وعدن، والسويس، وبورسعيد، والقاهرة، وبيروت، ودمشق، ويافا، ثم العودة إلى بور سعيد، والقاهرة، وجيبوتي، وعدن وممباسا وحتى وصلت إلى زنجبار، حيث غطت مساحة واسعة، من المدن الواقعة في المحيط الهندي، إلى جانب زيارته للقاهرة ولبنان وبلاد الشام، واستغرت ستة أشهر إلا خمسة أيام، ويحرص في رحلته ذكر وسائل التنقل التي استخدمها، لإبراز التقدم الذي وصل إليه العالم في مجال المواصلات.
وفي سرده الوصفي للرحلة يتحدث البرواني عن مظاهر التاريخ الإسلامي، في مدينة الفسطاط، ويذكر عدد مساجدها والتي تصل إلى 36 ألف مسجد، وثمانية آلاف شارع، وأحب في القاهرة خدمة المطاعم والبائعات الافرنجيات في الدكاكين، والمتنزهات، وصيف جسر قصر النيل، وقراءة القرآن قبل صلاة الجمعة، وقصور مصر الجديدة، وكرم عرب الريف. كما أبدى امتعاضا ببعض المشاهد في مصر، من بينها عادات النساء في المآتم، وتلحين القرآن، وتقديس جامع المتولي، وغيرها من المشاهدات التي سردها في رحلته، ويثني على أهل الريف المصري كثيرا، فيصفهم بأنهم أهل الكرم واللطف، ولين الجانب، والاحتفاء بالغريب. ويصف الحرم الشريف في مدينة القدمس، حيث يقول: بعد وصولي الفندق، خرجت قاصدا إلى الحرم الشريف، ولما انتهيت إليه دخلت من أحد أبوابه، فانتهيت إلى مساحة عظيمة، وهي ساحة الحرم، من جانب أخر يستفيد البرواني من وصف بعض الجغرافيين، كوصف ابن جبير لمدينة مدشق.

أسئلة النهضة العربية
يقول د. محمد المحروقي محللا شخصية البرواني الثقافية: لمس بشكل غير مباشر سؤالا من اهم أسئلة النهضة العربية الحديثة، المتصلة بالموقف من الغرب، فشخصيته اتسمت بالمرونة والانفتاح على الآخر، مما انعكس على موقفه من الغرب، ذلك الموقف الذي يقضي بالاستفادة من منجزات الغرب، دون التخلي عن القيم الإسلامية، ودون الابتعاد عن روح الإسلام.
ولد الشيخ الرحلة محمد بن علي بن خميس البرواني في زنجبار سنة 1295هـ/ 1878م، في أسرة متعلمة تعمل في التجارة، كما هي عادة الكثير من العمانيين في شرق افريقيا، وكان والده من علماء زنجبار المشهود لهم في مجال النحو والعروض، كما كان شاعرا مقربا من السلطان برغش بن سعيد، وكان والده ينظم مدائح في هذا السلطان، واشتغل الشيخ علي بالتجارة، وكان من الأثرياء المعروفين، كما عمل بالتعليم، وكانت له مكتبة زاخرة بالكتب الأدبية والدينية، أسهمت في توجيه الولد وجهة أدبية، مستفيدا من نهمه في قراءة الأدب الرفيع، وتوفي الشيخ محمد البرواني بمنزله في زنجبار، يوم الثلاثاء الموافق 21/7/1953م، عن عمر يناهز 76عاما، وترك عدة مؤلفات، من بينها مقامات أبي الحارث، ومجموعة من القصائد الشعرية.

الصراع العماني البرتغالي على ممباسا في إفريقيا

أثير
9-8-2014

Thursday, July 20, 2017

رحلة السفينة سلطانة إلى لندن

د.سليمان المحذوري
جريدة الوطن،ملحق أشرعة، 16 يوليو 2017
ارتبط اسم السفينة “سلطانة” أو “السلطاني” بالرحلة الشهيرة إلى نيويورك وهي تحمل على متنها أحمد بن نعمان الكعبي عام 1840م مبعوثاً خاصاً للسّيد سعيد بن سلطان في مهمة دبلوماسية وتجارية في آن واحد. بيد أنّ هناك رحلة أخرى مماثلة لا تقلّ أهمية من وجهة نظري عن الرحلة المُومأ إليها آنفاً رغم أنّها لم تحظ بالاهتمام والرصد من قبل الباحثين؛ وأقصد هنا رحلة سلطانة إلى مدينة لندن عام 1842م، وهي تحمل علي بن ناصر أحد أقرباء السّيد سعيد، والذي شغل منصب والي ممباسا خلال مناسبتين الأولى خلال 1837-1845م، ثم في فترة لاحقة خلال 1870-1872 في عهد السلطان برغش، وقد رافقه محمد بن خميس الذي كان يدرس الملاحة واللغات في لندن آنذاك ثم أصبح لاحقاً عام 1850م رباناً في الأسطول العُماني. و الباحث عن مادة علمية حول هذه الرحلة لا يجد إلا النزر اليسير وبعض المتفرقات هنا وهناك لا تُغني ولا تُسمن من جوع. غير أنّ هذا لا يمنع البتّة من محاولة تسليط الضوء ولفت الانتباه إلى رحلات بحرية لسفن عُمانية عديدة لا زالت تنتظر من يفتش عنها، ويبحث عن أبطالها علّه بذلك يُسجل سبقاً بحثياً يُساهم في سدّ بعض الفجوات ـ وما أكثرها ـ في تاريخنا البحري.
وتعدّ السفينة سلطانة إحدى دعائم أسطول السيّد سعيد بن سلطان سلطان عُمان وزنجبار التي بُنيت في مدينة بومباي في حوض مازاجون لبناء السفن سنة 1833م بحمولة تبلغ 312 طن على الطراز الأوروبي مع ادخال تعديلات عليها على الطابع العُماني بأشرعة مربعة تحملها ثلاثة صواري، وقد زودت بـ 14 مدفعاً.
ولا يُعرف كثيرا عن رحلة هذه السفينة إلى لندن إذ لم يجر تدوين يوميات عن الرحلة. وقد ظهرت صورة للسفينة في مجلة أخبار لندن المصورة Illustrated London News في عدد 18 يونيو في نفس السنة التي زارت فيها لندن عام 1842م وهي تفرغ حمولتها من هدايا السيد سعيد للملكة فكتويا. بيد أنّ هذه الرحلة كانت دبلوماسية بامتياز؛ لأن سفيرها علي بن ناصر حمل رسائل إلى اللورد أبردين والملكة فكتوريا، كما زُود بتعليمات لمطالبة الحكومة البريطانية بتعديل سياستها بشأن تقييد تجارة عُمان. وقد أجرى علي بن ناصر سلسلة من المباحثات مع اللورد أبردين اتسمت بصعوبة التفاهم الأمر الذي يفسر لنا عدم رضا السيد سعيد عن النتائج الدبلوماسية التي حققتها البعثة.
أبحرت سلطانة من زنجبار بتاريخ 11 فبراير عام 1842م متجهة إلى لندن، ووصلت جزيرة سانت هيلانة Saint Helena – المستعمرة البريطانية في المحيط الأطلسي منذ منتصف القرن السابع عشر ـ في 8 ابريل؛ حيث حظي علي بن ناصر ورفاقه باستقبال رسمي من قبل حاكم الجزيرة، وبعد أربعة أيام غادرت البعثة ووصلت لندن في 12 يونيو حيث كان في استقبال علي بن ناصر البرفسور سير تشالز فوريز الرئيس الفخري لجامعة أبردين، وعضو حزب المحافظين في البرلمان، وشغل كذلك منصب رئيس أول بيت تجاري بريطاني في بومباي. وقد أمرت الحكومة البريطانية بأن تُجرى اصلاحات للسفينة على نفقتها.
وبتاريخ 29 يونيو قابل علي بن ناصر الملكة فكتوريا التي أعربت عن سرورها لرؤيته ثانية. ومن نافلة القول الإشارة إلى أنّ علي بن ناصر كان قد زار لندن عام 1838م وقابل الملكة حينذاك، ولعل أبرز النتائج التي تحققت من تلك الزيارة توقيع معاهدة التجارة والصداقة بين عُمان وبريطانيا عام 1839م، وعلى إثرها تمّ تعيين اتكنس هامرتون كأول قنصل بريطاني في زنجبار أواخر عام 1841م.
وقد عادت سلطانة إلى زنجبار بدون تفاصيل تذكر عن رحلتها وكانت نهايه السفينة بتحطمها في إحدى رحلات العودة من الهند في منتصف القرن التاسع عشر. وربما أنّ رحلة سلطانة إلى لندن لم تحقق نتائج تجارية ودبلوماسية كبيرة مع بريطانيا؛ إلا أنّها في تقديري تُعتبر ذات أهمية خاصّة من حيث إنّ هذه الرحلة كان على رأسها والي من ولاة السيد سعيد على منطقة مهمة من ساحل إفريقيا الشرقي وهي ممباسا. كما أنّ السيّد سعيد بعث بهدايا للملكة البريطانية “فيكتوريا” مثل أربعة خيول عربية، وعقود من اللؤلؤ والزمرد، وشالان، وعطر ورد أسوة بالهدايا التي بعثها للرئيس الأميركي “مارتن فان بورين” في الرحلة السابقة لهذه السفينة عام 1840م إلى نيويورك.
كما لا يفوتني أن أذكر أنّ عُمان ارتبطت بعلاقات وطيدة مع الإنجليز منذ زمن طويل، وجاءت الرحلة في خضم التنافس الدولي على ممتلكات السيد سعيد الإفريقية بين فرنسا وأميركا والمانيا لكسب ود السيد سعيد؛ وبالتالي تُعتبر الرحلة خطوة جريئة في تدعيم علاقة السيد سعيد مع بريطانيا خاصّة وأنّ المصالح البريطانية كان يغلب عليها الطابع السياسي أكثر من التجاري.
ختاماً يُمكن القول إنّ مثل هذه الرحلات البحرية الطويلة التي وصلت إلى موانئ بعيدة تُعد علامة فارقة في تاريخ عُمان البحري، كما ترمز وبوضوح إلى دور الدبلوماسية العُمانية في فترة مبكرة، علاوة على المساهمة الفاعلة في نشاط التجارة العالمية البحرية. حيث استطاعت السفن العُمانية الوصول إلى موانئ أوروبية وأميركية منذ زمن مبكر؛ وهذا يدل دلالة واضحة على المهارة الملاحية التي كان يمتلكها البحارة العُمانيون؛ إلى جانب تمتين العلاقات التجارية والدبلوماسية مع دول متعددة ومختلفة، وتجسير التواصل الحضاري والثقافي مع الشعوب الأخرى متخذين من مياه المحيط الهندي مطية لتبادل المنافع، ونقل تراث وحضارة الإنسان العُماني.
ولا ريب أنّ مثل هذه الرحلات تتطلب مزيداً من البحث والتقصي، وبالتالي الخروج بعمل توثيقي احترافي يصل بهذه الرحلات البحرية العًمانية إلى العالمية، ولعل الندوة التي أقامتها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في ديسمبر 2014 حول رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك تُعد مثالاً لا يُمكن تجاوزه للخروج برؤية مُناسبة بشأن انتاج فيلم توثيقي حول الرحلة وإن كنا لم نر النتائج بعد.

المراجع:
• وزارة التراث والثقافة. عُمان وتاريخها البحري، ط2 ، وزارة التراث والثقافة ، 2002م.
• مجلة نزوى، العدد 22، ابريل 2000م.

Monday, July 10, 2017

استرداد الجنسية".. ذاكرة وطن

حمود الطوقي
جريدة الرؤية
 الإثنين 10 يوليو 2017 
عد 40 عاما، استعاد 11 فردا من عائلة واحدة عُمانية تنتمي إلى قبيلة المحاريق، جنسيتهم العُمانية، بعد كِفَاح طويل من أجل محاولة تصحيح وضعهم بالطرق القانونية، والخروج من مأزق تجذَّروا فيه، لتأكيد الانتماء إلى الوطن، وأنصف العائلة صدور المرسوم السلطاني رقم (29/2017) والمنشور في الجريدة الرسمية العدد رقم 1200.. فأخيرا، حُقَّ لهذه العائلة أن تحتفل بعودة انتمائها إلى تراب الوطن؛ حيث كافحت طوال 4 عقود على الرغم من الشُّقَّة التي رافقت مسيرة تأكيد الانتماء هذه، منذ الجد، مُرورا بالابن والأخوات والبنات.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا عندما يتوافر ما يثبت الأهلية في استعادة الجنسية العُمانية، يُرافق ذلك إجراءات مُعقَّدة وعادة تشكيكية من الجهات الرسمية؟
في نموذج العائلة المحروقية مثال لا ينبغي التغاضي عنه، وهو يفتح ملفا مسكوتا عنه وتناولا إعلاميا بشكل أو بآخر على مدار السنوات الماضية، فيما يخصُّ الوجود العُماني في شرق إفريقيا ودول البحيرات العظمى. فالعُمانيون هناك، حنينهم إلى التراب العُماني لا يتوقف ولا ينفك يتجدَّد، وليس أمامهم سوى البحث عن بوادر الأمل، وأغلبهم صاروا "بدون" في هذه الدول، ولم يعد أمامهم سوى الانصياع لأمرين، إما متابعة الكفاح والنضال من أجل استعادة الجنسية، أو العمل في تلك البلدان بحسب استعداداتهم المهنية بروح عُمانية وثابة.
من الناحية العددية، يمكن لتلك الأرقام العُمانية المهملة في المهجر القسري الإفريقي أن تزيد من الكثافة العُمانية هنا في الوطن، بما لا يدع مجالا للشك في أن وجودهم سيكون مهما ومثمرا على الصعيد الاجتماعي، والدماء واحدة على كل حال.
أمَّا من الناحية الاقتصادية، فإنَّ مهنيَّة العُمانيين في المهجر القسري الإفريقي ستكون ذات فائدة كبيرة على المستوى المهني، على المستويات الزراعية والصناعية واليدوية، وسيكون ذلك مُعِينا للحِرَاك الاقتصادي المحلي.
ومن حيث حركة رأس المال، فكثيرٌ من العُمانيين القاطنين في شرق إفريقيا أو دول البحيرات العظمى لديهم تجارات مختلفة؛ فماذا إنْ تمَّ تسخير تلك الأموال وضخها في المجتمع الاقتصادي المحلي؟! ألن يكون ذلك مجديا بدلا من تدويرها في دول أخرى؟
من ناحية أخرى، لقد باتَ العلم، في ظل غياب الوثيقة التي تثبت الأصول والانتماءات، أو التشكيك فيما تبقى منها، فيصلا لا محيد عنه ولا مناص منه، فمن يُرِد إثبات نسبه ومكانه يُمكنه اللجوء إليه، من خلال فحص الـDNA. لكن على الرغم من موثوقيته العلمية، إلا أنه غير مفعَّل على مُستوى تحقيق رغبات العُمانيين والعُمانيات في العودة لموطنهم الأصلي عُمان، وبات الكفاح من أجل تحقيق ذلك بمثابة حفر في صخر جلمد، على الرغم من وضوح الرؤية في المكاسب التي يمكن تحقيقها من وراء إعادة الحنسية العُمانية لمن أذهبهم البحث عن لقمة العيش وتحسين المستوى المعيشي إلى الدول الإفريقية.
ولعلَّ ما لم ترصده وسائل الإعلامية عن إمكانية ضياع الهوية العُمانية في القارة السمراء، هو الزواج بالإكراه بين النساء العُمانيات والرجال الأفارقة، والسبب يعود إلى ضرورة وجود تأشيرة إقامة لاستمرارية العيش، وهذا الإجراء يمكن أن يجعل الهوية العُمانية تتلاشى؛ إذ سيصبح الانتماء والجنسية إفريقية بامتياز، وهذا سيشكل خطورة في المستقبل. وهذا النوع النفعي من الزواج منتشر بكثرة، ناهيك عن كثير من النماذج العُمانية، رجالا ونساء على حدٍّ سواء، كان حُلم الدفن في التربة العُمانية بمثابة وصيّة يوصون ويوصين بها، ولكن تلك الوصايا لا يتم تنفيذها، ليتم الإقبار والدفن في المهجر القسري، مع أنَّ هذا بمثابة مطلب إنساني، يجعل المرء يرغب في السكينة والراحة حيث انتمائه، ولكن لا تشاء الأفكار أن تتحقق.. سيظل هذا الملف مفتوحا ولن يتنازل من يشعر بانتمائه لتراب عُمان عن أن يكون ضريحه بالقرب من أجداده.
وإذا كانتْ قد حدثت حالات بسيطة حصل بمقتضاها على الجنسية العُمانية من لا يستحقها، باستخدام أساليب احتيالية، وتقديم شهادات غير صحيحة؛ فهل يكون التصدي لمثل هذه الاحتمالات، التي لا يمكن تعميمها، بشرعنة التعقيدات التي تحجب أصحاب الحق عن العودة إلى نسيج المجتمع؟
وفي هذا السياق، نقترح تشكيل لجنة وطنية تضمُّ مُمثلين من الجهات ذات الاختصاص، ومن ثم تنتقل إلى المشرق الإفريقي لحصر المطالبين باسترداد الجنسية، ودراسة طلباتهم دراسة جدية ومُعمَّقة؛ بنية وضع حل لها. وفي تقديري، أنَّ استعادة هذه الفئة وضمَّها إلى النسيج الوطني لن يشكل عبئاً ماليًّا على الدولة -كما يظن البعض- وإنما هو في الغالب الأعم مكسب للدولة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.
نترك الإجابة للسلطة المختصة التي لا نشك في رجاحة عقلها، ورؤيتها الشمولية لهذا الملف الشائك. ويبقى طرق الأبواب قائما والأمل معقودا.

Sunday, July 9, 2017

الحضارة العمانية بشرق إفريقيا

سعيد بن خلفان النعماني
لقاء مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان