Monday, July 10, 2017

استرداد الجنسية".. ذاكرة وطن

حمود الطوقي
جريدة الرؤية
 الإثنين 10 يوليو 2017 
عد 40 عاما، استعاد 11 فردا من عائلة واحدة عُمانية تنتمي إلى قبيلة المحاريق، جنسيتهم العُمانية، بعد كِفَاح طويل من أجل محاولة تصحيح وضعهم بالطرق القانونية، والخروج من مأزق تجذَّروا فيه، لتأكيد الانتماء إلى الوطن، وأنصف العائلة صدور المرسوم السلطاني رقم (29/2017) والمنشور في الجريدة الرسمية العدد رقم 1200.. فأخيرا، حُقَّ لهذه العائلة أن تحتفل بعودة انتمائها إلى تراب الوطن؛ حيث كافحت طوال 4 عقود على الرغم من الشُّقَّة التي رافقت مسيرة تأكيد الانتماء هذه، منذ الجد، مُرورا بالابن والأخوات والبنات.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا عندما يتوافر ما يثبت الأهلية في استعادة الجنسية العُمانية، يُرافق ذلك إجراءات مُعقَّدة وعادة تشكيكية من الجهات الرسمية؟
في نموذج العائلة المحروقية مثال لا ينبغي التغاضي عنه، وهو يفتح ملفا مسكوتا عنه وتناولا إعلاميا بشكل أو بآخر على مدار السنوات الماضية، فيما يخصُّ الوجود العُماني في شرق إفريقيا ودول البحيرات العظمى. فالعُمانيون هناك، حنينهم إلى التراب العُماني لا يتوقف ولا ينفك يتجدَّد، وليس أمامهم سوى البحث عن بوادر الأمل، وأغلبهم صاروا "بدون" في هذه الدول، ولم يعد أمامهم سوى الانصياع لأمرين، إما متابعة الكفاح والنضال من أجل استعادة الجنسية، أو العمل في تلك البلدان بحسب استعداداتهم المهنية بروح عُمانية وثابة.
من الناحية العددية، يمكن لتلك الأرقام العُمانية المهملة في المهجر القسري الإفريقي أن تزيد من الكثافة العُمانية هنا في الوطن، بما لا يدع مجالا للشك في أن وجودهم سيكون مهما ومثمرا على الصعيد الاجتماعي، والدماء واحدة على كل حال.
أمَّا من الناحية الاقتصادية، فإنَّ مهنيَّة العُمانيين في المهجر القسري الإفريقي ستكون ذات فائدة كبيرة على المستوى المهني، على المستويات الزراعية والصناعية واليدوية، وسيكون ذلك مُعِينا للحِرَاك الاقتصادي المحلي.
ومن حيث حركة رأس المال، فكثيرٌ من العُمانيين القاطنين في شرق إفريقيا أو دول البحيرات العظمى لديهم تجارات مختلفة؛ فماذا إنْ تمَّ تسخير تلك الأموال وضخها في المجتمع الاقتصادي المحلي؟! ألن يكون ذلك مجديا بدلا من تدويرها في دول أخرى؟
من ناحية أخرى، لقد باتَ العلم، في ظل غياب الوثيقة التي تثبت الأصول والانتماءات، أو التشكيك فيما تبقى منها، فيصلا لا محيد عنه ولا مناص منه، فمن يُرِد إثبات نسبه ومكانه يُمكنه اللجوء إليه، من خلال فحص الـDNA. لكن على الرغم من موثوقيته العلمية، إلا أنه غير مفعَّل على مُستوى تحقيق رغبات العُمانيين والعُمانيات في العودة لموطنهم الأصلي عُمان، وبات الكفاح من أجل تحقيق ذلك بمثابة حفر في صخر جلمد، على الرغم من وضوح الرؤية في المكاسب التي يمكن تحقيقها من وراء إعادة الحنسية العُمانية لمن أذهبهم البحث عن لقمة العيش وتحسين المستوى المعيشي إلى الدول الإفريقية.
ولعلَّ ما لم ترصده وسائل الإعلامية عن إمكانية ضياع الهوية العُمانية في القارة السمراء، هو الزواج بالإكراه بين النساء العُمانيات والرجال الأفارقة، والسبب يعود إلى ضرورة وجود تأشيرة إقامة لاستمرارية العيش، وهذا الإجراء يمكن أن يجعل الهوية العُمانية تتلاشى؛ إذ سيصبح الانتماء والجنسية إفريقية بامتياز، وهذا سيشكل خطورة في المستقبل. وهذا النوع النفعي من الزواج منتشر بكثرة، ناهيك عن كثير من النماذج العُمانية، رجالا ونساء على حدٍّ سواء، كان حُلم الدفن في التربة العُمانية بمثابة وصيّة يوصون ويوصين بها، ولكن تلك الوصايا لا يتم تنفيذها، ليتم الإقبار والدفن في المهجر القسري، مع أنَّ هذا بمثابة مطلب إنساني، يجعل المرء يرغب في السكينة والراحة حيث انتمائه، ولكن لا تشاء الأفكار أن تتحقق.. سيظل هذا الملف مفتوحا ولن يتنازل من يشعر بانتمائه لتراب عُمان عن أن يكون ضريحه بالقرب من أجداده.
وإذا كانتْ قد حدثت حالات بسيطة حصل بمقتضاها على الجنسية العُمانية من لا يستحقها، باستخدام أساليب احتيالية، وتقديم شهادات غير صحيحة؛ فهل يكون التصدي لمثل هذه الاحتمالات، التي لا يمكن تعميمها، بشرعنة التعقيدات التي تحجب أصحاب الحق عن العودة إلى نسيج المجتمع؟
وفي هذا السياق، نقترح تشكيل لجنة وطنية تضمُّ مُمثلين من الجهات ذات الاختصاص، ومن ثم تنتقل إلى المشرق الإفريقي لحصر المطالبين باسترداد الجنسية، ودراسة طلباتهم دراسة جدية ومُعمَّقة؛ بنية وضع حل لها. وفي تقديري، أنَّ استعادة هذه الفئة وضمَّها إلى النسيج الوطني لن يشكل عبئاً ماليًّا على الدولة -كما يظن البعض- وإنما هو في الغالب الأعم مكسب للدولة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.
نترك الإجابة للسلطة المختصة التي لا نشك في رجاحة عقلها، ورؤيتها الشمولية لهذا الملف الشائك. ويبقى طرق الأبواب قائما والأمل معقودا.

Sunday, July 9, 2017

الحضارة العمانية بشرق إفريقيا

سعيد بن خلفان النعماني
لقاء مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان

Saturday, June 10, 2017

أزمة ساحل البنادر الصومالي بين سلطنة زنجبار وايطاليا (1888-1889م)

أحمد بن خلفان الشبلي
قلعة التاريخ: العدد 5 يونيو 2017
بعد حوالي شهر ونصف من تولي السلطان خليفة بن سعيد مقاليد الحكم في سلطنة زنجبار , وبالتحديد في الخامس عشر من مايو عام 1888 م , بعث ( فليوناردي ) القنصل الإيطالي بزنجبار , وبرسالة توبيخ إلى السلطان خليفة , يلومه فيها على تعمده عدم الرد على رسالة ملك إيطاليا ( فيكتور عمانويل ) التي بعث بها إليه[1]. وقد طـالب لتصـحيح هذا الخطأ أن تتنازل سلطنة زنجبار عن مدينة كسمايو الواقعة على ساحل البنادر الصومالي لصالح الحكومة الإيطالية , وقد أفهم ( فليوناردي ) السلطان خليفة أن بريطـانيا وألـمانيا سـتؤيدان هذا الطلب [2].
أصاب هذا الموقف السلطان خليفة بن سعيد بالحزن الشديد , وقد طلب من الجنرال ( ماثيوس ) أن يبلغ القنصل الإيطالي , أنه لم يتعمد اهمال رسالة ملك إيطاليا , وهو يأسف لهذا التأخير الذي حدث بسبب  وصول الرسالة في شهر رمضان , الذي تتباطأ  فيه معظم الأعمال الرسمية  , وأنه لم يتمكن بعد من الاطلاع عليها [3]. إلا أن القنصل الإيطالي أصر على موقفه , وفي 6 / 6 / 1888 م , أبلغ قناصل كلا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا أنه أنزل علمه من على القنصلية الإيطالية , وقطع علاقته بسلطنة زنجبار [4].
وعلى الرغم من أن الخطوة التي أتخذها السفير الإيطالي تبدو لحظية , إلا أن إيطاليا كانت مهتمة بساحل البنادر منذ مدة طويلة , حيث كانت تهدف  من خلال السيطرة على ساحل البنادر للضغط على الحبشة لإدخالها قسرا في دائرة نفوذها وتحت حمايتها [5]. لذا أرسلت حملة استكشافية على متن السفينة الحربية ( بارباريجو ) بقيادة الكابتن ( تشكي ) , إلى مصب نهر جوبا , وذلك للوصول إلى آخر نقطة صالحة للملاحة يمكن الوصول إليها فيه . وكتابة تقرير عن أحوال الناس وحركة التجارة وإمكانية استغلال المنطقة لصالح إيطاليا [6]. ويبدو أن البعثة لم تحقق أي معلومات من شأنها دفع إيطاليا نحو احتلال المنطقة حينها , فاكتفت بعقد معاهدة تجارية مع السلطان برغش بن سعيد في مايو من عام 1885م[7], حصلت بموجبها على امتيازات تجـارية مع حرية التنقل في أرجاء السلطنة [8]. 
ولزيادة الضغط على السلطان خليفة بن سعيد للتنازل , طلب ( فليوناردي ) في اجتماع مع السلطان وبشكل صريح ومباشر أن يتنازل له عن كسمايو , من دون قيد أو شرط , وعندما رفض السلطان خليفة هذا الطلب , قام ( فليوناردي ) في اليوم التالي بإنزال العلم الإيطالي من على بناية القنصلية الإيطالية , وقطع العلاقات مع سلطان زنجبار [9], وهو ما كان يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع سلطنة زنجبار , تمهيدا للقيام بعمل عسكري [10].
وعلى الرغم من الضغوط التي مارسها القنصل الإيطالي على السلطان خليفة للتنازل عن كسمايو إلا أنه لم يلتفت إلى هذا المطلب[11]. حيث أن السلطان خليفة قد حصل على تطمينات من جانب الألمان والبريطانيين , تضمنت تعهدهما بعرقلة مشروع استيلاء إيطاليا على ساحل البنادر[12]. وهذا ما أكده القنصل الفرنسي في زنجبار ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  في رسالته الموجهة لوزارة الخارجية في باريس بتاريخ 10 / 6 / 1888 م [13].

ــ موقف بريطانيا وألمانيا من رغبة إيطاليا الاستيلاء على ساحل البنادر :

لم يكن التصرف الذي قام به القنصل الإيطالي ( فليوناردي ) , للاستيلاء على ساحل البنادر ليرضي الألمان والبريطانيين على الأقل في ذلك الوقت , حيث لم يمضي وقت طويل على استيلاء الدولتين على مساحات واسعة من أراض سلطنة زنجبار , ولا تزال تداعيات ذلك مستمر , متمثلة في الغضب الشعبي الذي بدأ يجتاح البر الأفريقي من السلطنة والذي سيطر عليه الألمان , حيث كانت البداية بالامتعاض الذي انتاب العرب والأفارقة من سكان السلطنة نتيجة الممارسات الألمانية , والتي تسببت فيما بعد بنشوب ثورة ضدهم بقيادة سالم بن بشير الحارثي , بدءا من أغسطس عام 1888 م [14].
وقد اعلنت كلا من بريطانيا وألمانيا في 11 / 6 / 1888 م , عدم تأييدهما للمطالب الإيطالية . بل أن المستشار الألماني بسمارك[15], أعلن صراحة أنه لن يسمح لإيطاليا باستخدام القوة العسكرية ضد سلطنة زنجبار[16]. كما أمر في الوقت نفسه قنصله في زنجبار بتوجيه إنذار إلى القنصل الإيطالي لوقف هذا الابتزاز ضد السلطان خليفة[17].
وفي ذات الوقت وعلى الرغم من المعرضة الشديدة التي أبداها الألمان ضد رغبة الإيطاليين التوسع في ساحل البنادر , والتي هددت فيها باستخدام القوة ضد التوسع الإيطالي , فإن المعارضة التي أبداها الإنجليز ضد رغبة التوسع الإيطالي في ساحل البنادر كانت أقل حدة من الألمان , بل أنها كانت أكثر دبلوماسية في التعاطي مع الأمر . حيث سعت بريطانيا لاستغلال الموقف وحاجة إيطاليا للسيطرة على ساحل البنادر , لتشكيل حلف بريطاني إيطالي للحد من توسع ألمانيا والفرنسي في شرق أفريقيا , كما أن بريطانيا كانت بحاجة إلى حليف أوروبي يدعم احتـلالها لمـصر[18]. وقد ظهرت بوادر هذا التحالف في إعلان رئيس جمعية شرق أفريقيا ( وليم ماكنون ) [19], في 20 / 8 / 1888 م , والذي قال فيه : " إن نشر الحضارة والمدنية في شرقي أفريقيا يحتاج إلى التعاون مع أمة فتية ورثت النشاط والحكمة الرومانية "  [20].
لذا فقد ناورت بريطانيا سياسيا من جديد , لتحقيق مصالحها في منطقة شرق أفريقيا , على حساب سيادة أراض سلطنة زنجبار . وقد أبلغت إيطاليا بضرورة التريث حتى تدخل في مفاوضات مع السلطان خليفة لإقناعه بالتنازل عن ساحل البنادر لإيطاليا[21]. مع إعطائها لضمانات بعدم وقوع منطقة ساحل البنادر بيد دولة أخرى[22]. وفي الوقت نفسه كانت حكومة رئيس الوزراء الإيطالي ( كرسبي ) حريصة على توثيق علاقتها ببريطانيا , وذلك من أجل تنسيق سياستهما في حوض البحر الأبيض المتوسط [23].
 ولإظهار بأن الأزمة قد انتهت بين السلطان خليفة بن سعيد والإيطـاليين , وأن المطالب الإيطالية بالسيطرة على ساحل البنادر بالقوة قد توقفت , حثت  السلطات البريطانية للسلطان خليفة على كتابة رسالة اعتذار لملك إيطاليا , بالإضافة إلى إطلاق وحد وعشرين طلقة ترحيبية بعود العلاقات بين سلطنة زنجبار وإيطاليا [24]. كما أن الأزمة بين إيطاليا والدول الأوروبية في شرق أفريقيا قد انتهت في ديسمبر من عام 1888 م , حيث تم قبول مشاركة إيطاليا كلا من ألمانيا وبريطانيا والبرتغال في فرض حصار على سواحل شرق أفريقيا لقطع الإمدادات عن الثورة التي قامت ضد ألمانيا في البر الأفريقي[25].
وكمكافئة لموقف إيطاليا ورغبة في خلق توازن بين الدول الاستعمارية في ِشرق أفريقيا سعت بريطانيا للضغط على السلطان خليفة بن سعيد لتأجير ساحل البنادر لها أولا , بحيث تقوم فيما بعد بتأجيره لإيطاليا .  وقد وقع السلطان خليفه وفي 31 / 8 / 1889 م , على بنود تأجير ساحل البنادر للشركة البريطانية , على أن تقوم هي بالتنازل عن المنطقة بمعرفتها [26], وبنفس الشروط المتضمنة في عقد الامتياز الممنوح لها أو بأفضل الشروط التي يمكن أن تحصل عليها الشركة من السلطان مستقبلا . وبعد شهرين ونصف تقريبا من ذلك , أي في 18 / 11 / 1889 م , تنازلت الشركة البريطانية بدورها لإيطاليا عن كافة حقوقها وامتيازاتها في موانئ ساحل البنادر باستثناء كسمايو[27].
وقد كرست إيطاليا خلال تلك الفترة وجودها في المنطقة , وهو ما نتج عنه في النهاية الدخول في مفاوضات مباشرة مع السلطان علي بن سعيد لتأجير ساحل البنادر الصومالي للحكومة الإيطالية مقابل ( 160 ) ألف روبية سنويا مكافأة للسلطان . وقد تم التوقيع على الاتفاقية بين الطرفين [28], في  12 / 8 / 1892 م [29].
ولم تكتفي الحكومة الإيطالية بذلك بل عملت على الحصول على تنازل من قبل سلطنة زنجبار عن ساحل البنادر لصالح إيطاليا , ودخلت في مفاوضات مباشرة مع السلطان حمد بن ثويني , وبوساطة بريطانية , تمخضت عن عقد اتفاق في 13 / 1 / 1895 م , تدفع على أساسه إيطاليا مبلغ وقدره ( 144 ) ألف جنيه [30]. مقابل تنازل السلطان عن ساحل البنادر الصومالي والممتد حوالي 1800 كيلوا متر[31]. وبذلك يكون ساحل البنادر قد خرج بشكل نهائي من سلطة سلطنة زنجبار . وقد عملت إيطاليا على فرض سيطرتها المباشرة على الصومال , واعتبرت ساحل البنادر مستعمرة إيطالية في عام 1898 م .



[1] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرق . دبي , دار الغرير للطباعة والنشر , 2012 م . ص 40 .
[2] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . زنجبار . القاهرة , مكتبة الأنجلو المصرية , ب ت . ص 215 .
[3] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . المرجع السابق . ص 40 .
[4] ــ رسالة من القنصل الفرنسي في زنجبار السيد لاكو ( Mr . Lacaus ) موجهة بتاريخ : 10 / 6 / 1888 م , إلى إدارة الشؤون التجارية والقنصلية بباريس .
[5] ــ قاسم , جمال زكريا . مرجع سابق . ص 321 .
[6] ــ عبار , عبدالقادر , الدولة والقبيلة في الصومال من الاستقلال إلى الحرب الأهلية , تقديم السيد فليفل , مقديشو , مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية , 2013 م..
[7] ــ العقاد , صلاح . وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 215 .
[8] ــ عبار , عبدالقادر . المرجع السابق . ص 70 .
[9] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر . المرجع السابق . ص 41 .
[10] ــ قاسم , جمال زكريا . دولة البوسعيد في عمان وشرق أفريقيا  . العين , مركز زايد للتراث والتاريخ , 2000 م. ص 321 .
[11] ــ العقاد , صلاح . وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق , ص 215 .
[12] ــ قاسم , جمال زكريا . المرجع السابق , ص 321 .
[13] ــ رسالة موجهة من القنصل الفرنسي ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  إلى وزارة الخارجية بباريس بتاريخ 10 / 6 / 1888 م . المصدر : الأرشيف الوطني بأبوظبي . ب ر .
[14] ــ الريامي , ناصر بن عبدالله . زنجبار شخصيات وأحداث. مسقط : بيت الغشام , ط 3 , 2016 م , ص 330 ــ 331 . والموسوعة العمانية . مرجع سابق . المجلد : 3 , ص 497 ــ 499 .
[15] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 215 .
[16] ــ قاسم , جمال زكريا . مرجع سابق . ص 321 .
[17] ــ الإسماعيلي , عيسى بن ناصر , مرجع سابق , ص 41 .
[18] ــ مصلحي , محي الدين محمد . المخططات الاستعمارية الإيطالية في شرق افريقيا في الفترة ما بين 1914 ــ 1939 م , القاهرة : مجلة الدراسات الأفريقية , العدد : 13 و 14 . 1984 , 1985 . ص 4 .
[19] ــ كانت جمعية شرق أفريقيا  تعنى بمتابعة وتنمية مصالح انجلترا في أفريقيا .
[20] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق ص 321 .
[21] ــ الإسماعيلي , مرجع سابق , ص 42.
[22] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . المرجع سابق . ص 216 .
[23] ــ نفس المرجع . ص 216 .
[24] ــ رسالة موجهة من القنصل الفرنسي ( أم . لاكو ) ( M . Lacaus )  إلى وزير الخارجية الفرنسي , في 15 / 9 / 1890 م . المصدر : الأرشيف الوطني بأبو ظبي . ب ر .
[25] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق . ص 216 .
[26] ــ العقاد , صلاح , وجمال زكريا قاسم . مرجع سابق , ص 217 .
[27] ــ كان الاهتمام بالغا بميناء كسمايو باعتباره أفضل الموانئ حينها , بالإضافة إلى أشرافه مباشرة على نهر جوبا الذي كان يأمل منه أن يكون ممرا مائيا يقود إلى داخل القارة ومنطقة الحبشة بالتحديد .
[28] ــ مثل الحكومة الإيطالية قنصلها في زنجبار ( السنيور كوتوني ) بينما مثل الحكومة البريطانية وسلطنة زنجبار القنصل البريطاني ( جيرالد بورتال )
[29] ــ عابر , عبدالقادر , والسيد فليفل . مرجع سابق , ص 74 .
[30] ــ جريدة الفلق : 21 / 4 / 1954 م .
[31] ــ عابر , عبدالقادر , والسيد فليفل . مرجع سابق , ص 74 .

Monday, May 15, 2017

رحلات المراكب الصورية إلى بلاد السواحل

د.سليمان المحذوري
ملحق اشرعة، جريدة الوطن 14 مايو 2017
مدينة صور العُمانية هي أول مدينة عربية تُشرق عليها الشمس، وهي مدينة بحريّة تطلّ بوجهها على مياه المحيط الهندي؛ كنقطة التقاء ما بين بحر عُمان شمالاً وبحر العرب جنوباً . ورغم شهرة البحارة الصوريين إلا أنّ مدينة صور لم تحظ بالاهتمام التاريخي الذي يليق بها كمدينة عُمانية بحريّة عريقة . ومن المعلوم أنّ الموانئ العُمانية مثل قلهات ومسقط ومطرح وصحار وغيرها كانت تتناوب فترات الازدهار طبقاً للظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية. وبالنسبة لمدينة صور يذكر محمود أبوالعلا في كتابه “موانئ سلطنة عُمان قديماً وحديثاً” أنّ الأهمية التجارية لهذه المدينة بدأت منذ القرن السادس الميلادي وكانت تجارتها أساساً مع الساحل الشرقي لإفريقيا، وأصبحت من أكبر الموانئ العُمانية في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20م.
وكما هو معلوم أنّ علاقة العُمانيين بالبحر موغلة في القدم؛ الأمر الذي يسرّ لهم الاتصال والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب القاطنة على ضفاف المحيط الهندي بذراعيه الشمالي متجهين إلى الموانئ الفارسية الجنوبية وموانئ الخليج العربي وصولاً إلى العراق، وطريق آخر يتجه إلى الهند والصين. أما الذراع الآخر من المحيط الهندي ؛ فقد نال حظاً وافراً من ريادة البحارة العُمانيين؛ حيث جابوا غماره وبمهارة فائقة مستغلين حركة الرياح الموسمية Monsoon للتجارة مع موانئ شرق إفريقيا ابتداءً بالصومال شمالاً وانتهاءً بموزمبيق جنوباً.
استطاع العُمانيون عن طريق استخدام حركة الرياح الموسميّة القيام برحلتين منتظمتين في السنة؛ ففي فصل الخريف تدفع الرياح الشماليّة الشرقيّة (الأزيب) السفن العُمانية باتجاه شرق إفريقيا، وموسم هبوب هذه الرياح يبدأ عادة من أواخر شهر سبتمبر، وينتهي موسمها في أوائل شهر مايو تقريباً؛ حيث تخرج السفن من الموانئ العُمانية إلى المحيط الهندي ثم تسير بمحاذاة الساحل الإفريقي الشرقي لترسو في زنجبار العاصمة التجاريّة في ساحل إفريقيا الشرقية ، والمحطة الرئيسية للتجارة في المحيط الهندي. وفي فصل الربيع تعود السفن إلى عُمان محمّلة بسلع إفريقية مُتنوعة مع الرياح الجنوبيّة الغربيّة (الكوس). وبمضي الزمن اكتسب العُمانيون خبرة تامّة بمواقيت الرياح واتجاهاتها، وأضحت رحلاتهم التجاريّة إلى بلاد “السواحل” ومدة استقرارهم فيها أكثر تنظيماً . كما أنّ من ضمن العوامل والأسباب التي كانت تقف وراء تفوق عُمان في الملاحة البحريّة هو التطور الكبير في حقل العلوم البحريّة؛ فقد ألف أساتذة العلوم البحرية العُمانية عدة كتب ومُؤلفات في علوم الملاحة ومن بينهم أحمد بن ماجد وسليمان المهري.
وفي هذا الخضمّ لم تكن صور مدينة متفرجة على ما يدور في مياه المحيط الهندي؛ بل كانت في قلب الحدث وجزءاً لا يتجزأ من صناعة التاريخ البحري العُماني. وواحدة من أعرق المدن البحرية العُمانية. إذ ارتبطت بالبحر وارتبط البحر بها منذ زمن بعيد؛ لذلك كانت مدينة صور مشاركة في جلّ تاريخ عُمان البحري بحكم موقعها على بحر العرب كبوابة لعُمان من الجهة الشرقية، وملتقى للطرق البحرية ومحطة لانطلاق التجارة والأسفار من خلال أسطولها البحري الذي لعب دوراً تاريخياً هاماً في الحركة التجارية إلى الهند ومنطقة الخليج العربي واليمن إلى جانب موانئ شرق القارة الإفريقية. إذ اشتهرت المدينة بتجارة “الترانزيت” ، وكانت مركزاً تجارياً بين موانئ المحيط الهندي لتجميع السلع واعادة تصديرها. كما شكلّ خورها الطويل ملاذاً آمنا للسفن من الرياح والأمواج العاتية. إلى جانب المهارة العالية التي تمتّع بها البحارة الصوريون في ركوب البحر واستثماره لفائدتهم، أضف إلى ذلك أنّ الاستقرار الذي نعمت به المدينة لفترات زمنية طويلة ساهم في استمرار نشاطها التجاري.

صور وصناعة السفن
وفي هذا الاطار لا بد من الإشارة إلى أنّ من أسرار التفوق الملاحي لأبناء مدينة صور وما ميزهم دون سواهم شهرتهم الواسعة في مضمار صناعة السفن والمراكب الشراعية. حيث نالت المدينة منذ وقت مبكر صيتاً في صناعة السفن خاصةً السفن ذات الأحجام الكبيرة التي كانت تُستخدم للتجارة مع شرق إفريقيا، وكانت معظم المراكب أحادية الصاري تُزود بشراعين لرحلاتها الطويلة؛ أحدهما للأحوال الجويّة العاديّة، والآخر للأحول الجويّة المضطربة.
ومن هذه السفن البدن والبغلة والبوم والغنجة والجالبوت إضافة إلى السنبوق. وكانت بعض الأنواع من هذه المراكب تُصنع في مدن أخرى بالإضافة إلى مدينة صور؛ فيما انفردت هذه المدينة بصناعة مراكب الشحن التي تستخدم في الابحار لمسافات طويلة مثل الغنجة والسنبوق. وفي هذا الصدد يذكر النوخذا خميس بن راشد بن ناجم المخيني أن السفن التي كانت تسافر للتجارة مع زنجبار هي البدن، والجالبوت، والسنبوق، والبوم، وكانت كل سفينة تحمل في حدود 30-35 بحارا.
وكانت هذه المراكب تُصنع باستخدام الأخشاب المحلية كالسدر والقرط خاصة صناعة أجزاء (الشلمان) في السفينة، أو الأخشاب المستوردة كالساج والميط والكرنج التي كانت تجلب من كاليكوت بالهند وشرق إفريقيا. وفي مراحل صنع السفينة يشترك في إنجازها عدد كبير من الرجال ومن ضمن أناشيدهم:
بو سلامة تمدن.. يشرب شاهي ملبن
إن بغيته في الأكواب .. وإلا داخل فناجين
حالي يا موز حالي.. يا صباح السلاطين
إلا أنّ مجد صناعة السفن في صور تراجع مع ظهور السفن البخارية الحديثة التي حلّت تدريجياً محلّ السفن الشراعية التي اشتهرت المدينة بصناعتها.

الطرق التجارية والسلع المتبادلة
ذكر لي النوخذا سعيد بن راشد بن عبدالله المخيني في مقابلة معه في ديسمبر 2005م – آخر رحلة له كانت عام 1973م على سفينة فتح الخير- أنهم كانوا في رحلاتهم يستفيدون من حركة الرياح الموسمية؛ حيث تدفعهم رياح الشمال “النيروز” جنوباً باتجاه بلاد السواحل .
وموسم السفر إلى شرق إفريقيا عادةً يبدأ من شهر نوفمبر وينتهي في نهاية إبريل وبداية مايو؛ حيث يُعد فصل الصيف فترة زمنية للراحة والاستجمام، إضافة إلى صيانة السفينة، وإعادة دهنها بالمواد المانعة للتسرب. وكان من عادة البحّارة العُمانيين عندما ينطلقون من موانئهم في عُمان باتجاه مناطق إفريقيا الشرقيّة ملازمة الساحل دون التعمق في مياه المحيط الهندي ؛ من أجل المرور على أكبر عدد ممكن من المرافئ أو الجزر المُتناثرة قبالة السواحل الإفريقية.
تبدأ المراكب الصورية رحلتها مارّة بخور جراما كمحطة أولى قبل الإبحار إلى زنجبار، ومن هذا الخور تنطلق المراكب إلى رأس الحد ، ثم تأخذ المراكب طريقاً محاذياً حتى تصل إلى رأس مدركة وصولاً إلى جزيرة مصيرة فميناء مرباط في ظفار؛ للتزود بالمؤن الضروريّة كالأسماك المُجفّفة والمُملحة والماء والخشب والفحم ، ومنها إلى رأس فرتك ثم تتجه المراكب في خط مستقيم محاذية الساحل مروراً بالشحر والمكلا حتى تصل عدن، وبعد الانتهاء من مهامها التجاريّة تبحر جنوباً بمحاذاة الساحل صوب رأس الغضروفي. وبعض المراكب كانت تسلك طريقاً مباشراً إلى زنجبار حيث تنطلق السفن من ميناء مرباط باتجاه جنوبي غربي مروراً بجزيرة سقطرى إلى جزيرة عبد الكوري ومنها إلى رأس حافون . ثم تبدأ المرحلة الثانية من الرحلة باتجاه زنجبار؛ حيث تنطلق السفن التجاريّة بمحاذاة الساحل الإفريقي الشرقي حتى تصل إلى محطات مثل مقديشو ومركة وبراوة ، والتي تُشكّل مراكز مهمّة لعمليات التبادل التجاري ومحطات لتوقف السفن. ثم تدخل السفن أرخبيل لامو وبعد ذلك تتجه السفن جنوباً إلى مالندي وممباسة التي تُعتبر من أكبر المدن الساحليّة في الشرق الإفريقي بعدها تلتزم في مسارها حتى تصل تانجا فإلى زنجبار المركز الرئيسي السياسي والتجاري للعُمانيين ، وبمبا (الجزيرة الخضراء). وبعض السفن كانت تكمل رحلتها إلى جزر القمر ومنها إلى مدغشقر، والبعض الآخر يصل إلى موزمبيق وكما يذكر النوخذا سعيد المخيني أن السفن الصورية وصلت إلى موزمبيق في أقصى جنوب ساحل إفريقيا الشرقي خاصة خلال الحرب العالمية الثانية بسبب غلاء المعيشة.
ونظراً لطول الرحلة التجارية بين عُمان وشرق إفريقيا فقد كانت تُنظّم بشكل قوافل تجارية لمجابهة أخطار الطريق وأهواله ؛ اذ كان عدد المراكب في القافلة الواحدة يصل أحياناً إلى ست عشرة سفينة. وقد اعتمد البحارة العُمانيون في تسيير سفنهم على مجموعة من الإشارات الملاحيّة (المجاري)، والتي تشتمل على معلومات عن النجوم ، وعلى جداول فلكية وخطوط العرض المتعلقة بالموانئ التي ترسو فيها السفن ، إلى جانب معلومات عن الرياح واتجاهاتها ومواسمها، وكذلك معلومات عن طبيعة السواحل وتعرجاتها. كما استخدم النواخذة والملاّحون عددا من الأدوات والأجهزة التي كانت تعينهم على تحديد مواقعهم في عرض البحر، والتعّرف على أحوال الطقس والمناخ مثل: الإسطرلاب، والكمال، والديرة (الابرة المغناطيسية أو البوصلة البحرية)، والباطلي.
أما عن أهم السلع التجارية المتبادلة مع موانئ إفريقيا الشرقية يقول النوخذا سعيد المخيني من لامو كانوا يستوردون خشب الجندل “المنغروف” الذي يستخدم في سقوف المنازل، ومن زنجبار القرنفل وغيرها من السلع. ويذكر لنا النوخذا خميس المخيني أن العاج يأتي في طليعة السلع المستوردة من كينيا ويقول رغم أنّها كانت سلعة ممنوعة إلا انّها كانت تجلب من داخل إفريقيا عن طريق تجار القوافل. وفي المقابل كانوا يصدرون إلى إفريقيا الليمون المجفف وأخشاب السمر والغاف، والسمك المجفف” العوال”، وتمر “الفرض”.
وكانت السفن تمضي قرابة الشهرين في معاملاتها التجارية وتحميل بضائع جديدة، وبعد رحلة تجارية مثمرة تعود مع هبوب الرياح الجنوبية الغربية “الكوس” في منتصف إبريل. وطريق العودة من بلاد السواحل هي نفس طريق السفر إليها، ولكن بعكس اتجاهها ، فمن الموانئ، الجنوبية كميناء كلوة وسفالة تساير المراكب الساحل الإفريقي إلى ميناء حافون ، ومن حافون تنطلق عبر خليج بربرة، إلى جزيرة عبد الكوري، ثم تواصل السفن السير مباشرة حتى تصل صور أو مسقط قبل منتصف مايو.
وعندما يقترب وصول البحارة الى أرض الوطن وعند لقاء الأهل والأصدقاء يغنون فرحاً فن “الشوباني” وهو من الفنون الإفريقية الأصل :
اسمع حنين ورنة .. فوق الغرفة
بدوية عسقت مولد.. وشقت ثوبه
لا إله الله يا ممبسة
عطوني بسرة خنيزي.. ما با زنجبار
ولد البحر بحراني.. لا تمشي وياه
لا إله الله يا ممبسة

قضية رفع الأعلام الفرنسية
ارتبط تاريخ عُمان الحديث بشكل عام وتاريخ صور على وجه الخصوص بقضية رفع الأعلام الفرنسية على السفن العُمانية. حيث تتلخص هذه القصة في منح السلطات الفرنسية تصاريح رفع الأعلام الفرنسية على السفن التابعة لمدينة صور التي كانت تربطها علاقات تجارية مع المستعمرات الفرنسية في المحيط الهندي مثل جزيرة مايوت القمرية ونوصي بيه- شمال مدغشقر-؛ وذلك من أجل التغلب على مُشكلة اعتراض السفن الإنجليزية التي كانت تحدّ من نشاطها الملاحي والتجاري في مياه المحيط الهندي.
وفي هذا الصدد يذكر القاسمي أنّ أقدم وثيقة تتعلق برفع العلم الفرنسي على السفن العُمانية تعود إلى عام 1845م، حيث وصل عدد السفن الصورية التي كانت ترفع الأعلام الفرنسية في عام 1896م إلى 44 سفينة. ورفع الاعلام الفرنسية خلال نصف قرن أسهم في ازدهار تجارة الصوريين بسبب عدم تعرض سفنهم للتفتيش من قبل الإنجليز. واستمر التجار العُمانيون في رفع الأعلام على سفنهم إلى أن أصدرت المحكمة الدوليّة حكمها عام 1905م بمنع أية دولة أوروبية من منح حق رفع علمها على السفن العُمانية.

الحوادث البحرية للسفن الصوريّة
كما هو معلوم أنّ رحلات السفن العُمانية لم تكن دائماً كما تشتهي السفن؛ إذ كانت تصادفها الصعاب وهي تمخر عباب البحار كارتفاع الموج، وشدة الرياح، واشتداد العواصف والأمطار الغزيرة؛ ينطبق عليها وصف المسعودي في كتابه “مروج الذهب” أنّ البحارة عندما يدخلون خليج عدن ويقتربون من المنطقة المحاذية للصومال تكون الأمواج عالية يرتجزون ويقولون: بربرا وحافوني… وموجها المجنوني/ حافوني وبربرا … وموجها كما ترى.
ويتضمّن كتاب “التاريخ البحري المروي لولاية صور” بعضاً من حكايات وقصص السفن الصورية؛ فعلى سبيل المثال تُعد غرقة السفينة “سمحة” من أسوأ الفواجع التي مرت على المدينة في رحلة عودتها من زنجبار عام 1959م وعلى متنها 174 بسبب زيادة وزن السفينة. كما تعرضت السفينة “الوشار” في رحلة العودة من إفريقيا لرياح شديدة وأمواج عاتية أدت إلى غرق السفينة. إلى جانب قصص وحوداث أخرى يرويها البحارة تروي قصة الكفاح والمغامرات للبحارة الصوريين. هذه القصص لو تمّ الاشتغال عليها وتوظيفها فنياً وسينمائياً من قبل المختصين؛ لأنتجت لنا أفلاماً سينمائية توثق جانباً مهماً من تاريخنا البحري ولربما لقيت رواجاً عالمياً.

قصة سفينة فتح الخير
سيكتمل مشهد التاريخ البحري لمدينة صور بالحديث عن قصة سفينة “فتح الخير” التي كانت ضمن الأسطول التجاري الكبير للمدينة خلال النصف الثاني من القرن 20م. وقد صنعت السفينة وهي من نوع الغنجة عام 1951م بمدينة صور كسفينة تجارية؛ حيث كانت تجوب مياه المحيط الهندي مدة 43 سنة حاملة البضائع العُمانية كالتمور والليمون المجفف والأسماك المملحة وغيرها، تتجه به إلى السواحل الإفريقية وغيرها من البلدان ثم تحمل البهارات والتوابل والبضائع المختلفة من تلك البلاد، وتعيد تصديرها إلى الهند والبصرة في العراق.
وقد انتهى المطاف بهذه السفينة في دبي ثم اليمن إلى أن اعادها أهل صور إلى أحضان موطنها الأصلي في صور عام 1993م لتبقى شامخة تحكي جزءاً من التاريخ البحري العريق لمدينة صور، وتحفة فنية شاهدة على براعة الصناعة الصورية للسفن العُمانية.
وأثناء زيارتي للمدينة في ديسمبر عام 2005م عرّجت على مشروع متحف “فتح الخير” التي كانت هذه السفينة جزءاً أساسيا منه، وبعد مضي أكثر من عشرة أعوام زرت المدينة مرة أخرى في ديسمبر عام 2016 وما زال المشروع يراوح مكانه ينتظر أن يرى النور سأترك الإجابة مفتوحة للقائمين على هذا المشروع عموماً وأهل صور خاصة .
وهكذا يتضح لنا أنّ السفن العمانية كانت لها تجارة قديمة ومنتظمة مع بلاد شرق إفريقيا ؛ فقد مكّنت خبرة العُمانيين بشؤون الملاحة وفنونها من معرفة طرق الملاحة البحريّة وقوانينها ، كما أنّ مهاراتهم الملاحيّة أهّلتهم لمعرفة نظام هبوب الرياح الموسمية في منطقة المحيط الهندي ، ومن ثم فقد سخّروا مهاراتهم الملاحيّة لخدمة أغراضهم التجاريّة مع شرق إفريقيا؛ وبالتالي لعبت هذه العلاقة المبكرة دورا في الاتصال الحضاري بين الشعوب القاطنة على ضفاف المحيط الهندي. وكانت السفن الصورية بمثابة جسر تعبر من خلاله مختلف المؤثرات الحضارية المتبادلة بين عُمان ومناطق إفريقيا الشرقية . وكانت زنجبارآنذاك تنعم بالخير الوفير، وكانت مصدر التجارة شبهها النوخذا خميس المخيني بـ “اللؤلؤة”، وكان أغلب التجار هناك عُمانيين إلى جانب وجود أجناس أخرى ليشكلوا معاً لوحة حضارية ما زالت آثارها ماثلة إلى يومنا هذا ومما ميز العُمانيون دون سواهم أنهم لم يعيشوا بمعزل عن الأفارقة بل تزاوجوا معهم وكانوا يأكلون معا ويشربون معاً. ورغم ذلك ما زال كثير من هذا الإرث البحري العُماني مدفوناً في صدور البحارة والتجار وقد اندثر أغلبه بموتهم، إلى جانب أن بطون المخطوطات المتفرقة هنا وهناك خاصة المتعلقة بعلم البحار والفلك ما زالت تكتنز علماً غزيراً تنتظر من يُقلب صفحاتها وينفض عنها الغبار علّه يحظى بكنز عُماني ظل حبيساً ردحاً من الزمن.

المراجع:
• لقاء مع النوخذا خميس بن راشد بن ناجم المخيني، مدينة صور، 29 ديسمبر 2005م.
• لقاء مع النوخذا سعيد بن راشد بن عبدالله المخيني، مدينة صور، 29 ديسمبر 2005م.
• حسن صالح شهاب. رحلات المراكب البحرية ، مجلة نزوى، اكتوبر 1998م.
• حمود بن حمد الغيلاني & محمد بن حمد العريمي. التاريخ البحري المروي لولاية صور، وزارة التراث والثقافة، 2012م.
• حمود بن حمد الغيلاني. التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العُمانية، المطابع العربية،2006م.
• سلطان بن محمد القاسمي. الوثائق العربية العمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية، ط1، 1993م.
• محمد بن مبارك العريمي. “مدينة صور العمانية” الدلالة اللغوية والبعد الزمني، مجلة نزوى ، العدد 21، يناير 2000م.
• محمود أبوالعلا. موانئ سلطنة عُمان والتنمية قديماً وحديثاً، الكويت 1985م.
• المنتدى الأدبي. صور عبر التاريخ، ط2، 2000م.
• وزارة الإعلام ، عُمان في التاريخ ، لندن ، دار أميل للنشر المحدودة ، 1995م.
• وزارة التراث والثقافة. عُمان وتاريخها البحري، ط2 ، وزارة التراث والثقافة ، 2002م.