Wednesday, August 27, 2025

في ضيافة حمود البرواني قاتل عبيد كارومي

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير:27 أغسطس 2025

في جولتنا للمدينة الحجرية، أخذَنا الصديق مسعود الريامي إلى أولى المحطات، وكانت في منزل من منازلهم “القليلة” التي أعيدت إليهم، بعد أن صادرها الانقلابيون عام ١٩٦٤، وهو المبنى الذي استأجرته شركة تجارية ألمانية، وشهد بداية علاقة الحب بين السيدة سلمى وهنريش رويته، الذي سيصبح بعد ذلك زوجها. صعدنا إلى غرفة الألماني المطلة على حجرة سالمة في البيت المقابل، وكنتُ أتخيّل كيف كانت تقطع تلك السكة الضيقة بين البيتين في غسق الدجى والناسُ نيام، وقلتُ لا بد أنّ الحراس ساعدوا في تسهيل تلك اللقاءات. وبما أني سبق أن تناولتُ الموضوع، أكتفي بهذا فقط، فالمدينة كانت شاهدة على كلِّ شيء، حتى ما لا يُقال.

بعد خروجنا من البيت تجولنا في المدينة، فإذا مسعود يشير إلى شقة في الأعلى ويسألنا: “أتعرفون شقة من هذه؟!” أجبنا: “ننتظر منك التفاصيل”. قال: “هذه شقة حمود بن محمد البرواني الذي قتل الرئيس عبيد كارومي”. في تلك اللحظة كان شخصٌ ما يقدِّم طعامًا لقطة واقفة عند الباب، فيما يُخيّم الهدوء التام على المكان، وكأنّ الحادث وقع قبل لحظات، وكأنّ كلَّ سكان الحي قد تركوه هربًا أو خوفًا.

كان لكلام مسعود وقعٌ على نفسي، لأني أتذكر يوم الاغتيال ذاك، إذ كنتُ بالكاد قد بلغتُ العاشرة من عمري، ولا أذكر التفاصيل، ولكن هناك ما علق في ذهني؛ فلكثرةِ ما كنتُ أستمع إلى الإذاعة، حفظتُ اسم رئيس زنجبار عبيد كارومي، وقد تكوّنَتْ لديّ فكرةٌ سيئة عن الرجل، خاصةً من بعض الطلبة في المدرسة، الذين كانوا يفخرون به لأنّه قاد انقلابًا ضد العرب وسامهم سوء العذاب، وأقام لهم مذابح واغتصب نساءهم وأموالهم. وكان بعضُ الطلاب - وهم ممن تأثروا بالمناهج والدعايات الغربية ضد العُمانيين -، يهزؤون بنا ويقولون إنّ اليوم الذي سيحلقون لِحى آبائنا آتٍ لا محالة؛ “كما فعل كارومي بالعرب في زنجبار”.

هناك بعض الأمور لا يجد المرء لها تفسيرًا مهما حاول أن يفهمها، فلا يعلم كيف حدثت؟ ومنها ما حدث صبيحة يوم الجمعة 7 إبريل عام 1972م، حيث كنتُ ألعب خارج البيت. ومضيُّ هذه السنين الطويلة شوّش ذاكرتي، وجعلني أظن أنّه كان معي في هذا اليوم صديق الطفولة سعيد بن عبد الله المحروقي، لكن أمي تقول إني كنتُ بمفردي، وأقدمتُ على تمثيل دورٍ أقتل فيه عبيد كارومي، لأنه أهان العرب (كلمة العرب تطلق على العُمانيين). كانت أمي بالقرب مني، وكذلك بعض الناس ممن يشتغلون عندنا في محطة البنزين وفي الدكان؛ فنهرتني ونهتْني عن ذلك، خاصةً أني كنتُ أصرخ وأنا أمثل ذلك الدور، لكن المفاجأة - كما أخبرتني أمي لاحقًا - أنّ الأخبار جاءت مساء اليوم نفسه تقول إنّ شابًا عربيًّا هو حمود بن محمد بن حمود البرواني، قتل الرئيس كارومي؛ فما كان من أهلي إلّا أن خافوا خوفًا شديدًا من أن يصيبنا الانتقام؛ رغم أننا كنا بعيدين كثيرًا عن موقع الحدث، ولكن ما خوّفهم هو أنه عندما يتحدّث طفلٌ في حوالي العاشرة من عمره أمام الناس عن اغتيال رئيسٍ، في يوم وقوع الحدث بعد ساعات، فمعنى ذلك أنّ أهله كانوا على علم ودراية بذلك. لذا طلب مني أبي وأمي ألا أتحدّث عن هذا الموضوع ثانية أمام أيّ أحد، وفعلًا أغلقت فمي لأكثر من أربعين عامًا، حتى نشرتُ الموضوع في كتابي “بأعمالهم لا بأعمارهم” الصادر عن دار الانتشار العربي في بيروت عام 2015.

تقول تفاصيل الاغتيال: بينما كان الرئيس كارومي ومجموعةٌ من وزرائه في الطابق الأرضي لمقر حزب “الأفروشيرزاي” يلعبون طاولة الزهر؛ داهمهم حمود البرواني الذي كان عائدًا من التدريب العسكري من إحدى دول أوروبا الشرقية، ودخل عليهم شاهرًا سلاحه، فأفرغ طلقاته في كارومي الذي خرّ صريعًا، وانتهت العملية بمقتل مُنفذّها البرواني، ليبدأ فصلٌ جديدٌ في مأساة العُمانيين في زنجبار، الذين أُخذوا بـ “جريرة” حمود، فقُتل وأخفِي الكثيرون في ظروف غامضة، منهم والد مرشدنا مسعود “عبد الله بن سليمان الريامي”، الذي يقودُنا في هذه الجولة في المدينة الحجرية.

لا أستطيع أن أصف مشاعري بالتفصيل - أنا ابن العاشرة - لكني أعلم أني تلقيتُ نبأ اغتيال عبيد كارومي بفرح شديد. هل كان الاغتيال انتقامًا ربانيًّا لأرواح الآلاف من الأبرياء الذين ذُبحوا وعُذِّبوا وصودرت أموالهم بغير حق؟ هل سخريةُ بعض الطلاب منا وتهديداتُهم لنا ستتوقف؟! كنتُ في نفسي فخورًا أمام أولئك الطلاب ، وأعلم أنّ هناك الآن من يستطيع أن يرد على سخريتهم منا وتهديداتهم لنا، مثل حمود البرواني.

في كلِّ الأحوال؛ إنّ حمود البرواني سيبقى لغزًا، وستبقى خطوةُ إقدامه على قتل كارومي مثار تساؤلات، حتى تظهر الوثائق التي تتحدّث عن الموضوع، فهو شابٌ عمانيّ الأصل، نشأ على قصص المجازر التي طالت أهله وأبناء وطنه في زنجبار؛ إذ كان والده من بين الضحايا، ممّا جعل القضية عند البعض شخصية وعاطفية، بما يثبت أنّ الدم البريء الذي أريق لا يُنسى. واعتبر البعض الآخر أنّ الخطوة كانت تصفية حسابات بين أطراف خارجية وأخرى داخلية، وأنّ حمود كان مجرد منفذ لخطة كبيرة، ويدللون على ذلك بالقطيعة التي حصلت بين الرئيس التنزاني جوليوس نيريري وكارومي أكثر من عام، (كما قال لنا أحد الباحثين)، فيما يرى طرفٌ ثالثٌ أنّ الاغتيال كان انتقامًا لأرواح الآلاف ممن قتلوا ظلمًا وجورًا وعدوانًا، وأنّ البرواني بطلٌ قوميٌّ جسّد الغضب المكبوت، وحقق العدالة التي لم تتحقق عبر المحاكم، وأنه لم يكن قاتلًا مأجورًا، لكنه حمل على كتفيه تاريخًا من الألم، وقرر أن يكتب النهاية بيده.

ومصير حمود البرواني نفسه أثار علامات استفهام: هل كانت نهايته هو بيده؟! هناك من قال إنّ حمود انتحر، ولكن لا أحد يقدِّم دليلًا على ذلك. وهناك من قال إنه قُتل من قبل حراس عبيد كارومي، بعد أن أجهز عليه وأفرغ فيه رصاصاته، أما الاحتمال الثالث فيرى أنه قُتل بنيران صديقة أثناء الهرب من القاعة.

الذي حدث بعد ذلك الاغتيال هو تشديد القبضة الأمنية، تمثلت في اعتقالات موسعة، شملت كلَّ من أظهر الفرح، ووصل التخبط إلى “اعتقال شخص لأنه ذبح دجاجة، حيث فُسِّر تصرفه أنه احتفالٌ وابتهاجٌ بمقتل الرئيس”، حسب الروايات الواسعة الانتشار، كما ذكر ناصر الريامي في كتابه “زنجبار شخصيات وأحداث”. ومن المثير أنّ بعض العمانيين الذين أيدوا الانقلاب، قد دفعوا الثمن أيضًا، إذ طالهم الاعتقال والتعذيب وكأنهم دفعوا ثمن خيانتهم. ولا يمكن أن ننكر فرح أهالي الضحايا، فقد أعادت عملية القتل تلك فتح ملف المجازر التي ارتكبت في حق الأبرياء، وأجبرت العالم على النظر في تلك الحقبة السوداء من تاريخ الجزيرة.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما فعله البرواني يُعتبر جريمة أم عدالة؟ في ميزان القانون، هو اغتيال. لكن في ميزان التاريخ، قد يُنظر إليه أنه عدالة ربانية ومقاومة ضد الإبادة، وربما صرخة في وجه نسيان الأحداث المؤسفة والمؤلمة التي تعرّض لها العُمانيون واليمنيون والهنود وحتى الأفارقة أنفسهم. ولا أعتقد أنّ حمود بن محمد البرواني نفذ عمليته تلك تصفيةً للحسابات فقط، - كما ذهب البعض -، وإنما بسبب التراكمات الكثيرة والمجازر الكثيرة التي ارتكبها الانقلابيون، ولو فرضنا أنّ هناك من خطط لذلك، فإنّ البيئة التي نشأ فيها حمود كانت تؤهله لينفذ عملًا انتقاميًّا جريئًا كذلك، وأنا أميل إلى ما كتبه ناصر الريامي في كتابه، الصفحة 152، أنّ “الله سبحانه وتعالى قيَّض للأمة الإسلامية والعربية والزنجبارية، شابًا عربيًّا من أصل عُماني، غيورًا على شرف الأعراض المنتهكة جهارًا نهارًا، دون وازع من دين أو ضمير أو خُلق، ليسقيه كأسًا من كؤوس الذل والمهانة التي طالما سقاها للأبرياء”.

بعد أن سجلتُ مقطع فيديو قصير من أمام شقة البرواني، واصلنا تجوالنا في المدينة الحجرية، وفي ذهني أنّ الاغتيال - وإن كان انتقامًا لقتل والده أو غير ذلك - فإنه لا ينفي أن يكون انتقامًا لأرواح الأبرياء والأعراض المنتهكة، وللأموال التي اغتُصبت بغير وجه حق، وهو رأي الكثيرين دون جدال، “فذلك كان أمل كلِّ من كان في قلبه ذرة من الغيرة والكرامة، ولكن فقدان الكثير منهم للجرأة المطلوبة وخوفهم من التبعات الحتمية، حالت بينهم والتنفيذ”. حسب رأي ناصر الريامي.

واصلنا تجوالنا وأنا أقول لسيف: ما زالت المدينة الحجرية تكشف لنا في كلِّ يوم وكلِّ لحظة سرًا من أسرارها، يا ترى ماذا ينتظرنا؟!

Friday, August 15, 2025

السيدة خولة رمز العطاء وضحية الأسطورة

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير:6 أغسطس 2025

في المقال السابق، تحدثتُ عن السيد المحسن حمود بن أحمد البوسعيدي، والأوقاف التي تركها في زنجبار ومكة المكرمة، والتي عكست حسَّه الدينيّ ووعيَه الاجتماعي.

والحديثُ لا يكتمل إلا بتناول سيرة ابنته السيدة خولة بنت حمود البوسعيدي، التي ورثت عنه روح العطاء، وبرزت كواحدة من الشخصيات النسائية المؤثرة في تاريخ الوقف العُماني في كلٍّ من عُمان وزنجبار؛ فهي من أوائل النساء العُمانيات اللاتي أسهمن بأوقاف علمية واجتماعية ذات بُعد إنساني واسع؛ إذ أوقفت مخطوطًا علميًّا بعنوان “الأنوار ومفتاح السرور والأفكار” من تأليف الشيخ عبد الله بن ناصر بن عبد الله الإسماعيلي، وخصصته لطلبة العلم في عام 1274هـ، ويُحفظ هذا المخطوط حاليًّا في مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب.

ومن أبرز الأوقاف التاريخية التي أوقفتها في ولاية بوشر بعُمان، وقف “المربّع” حيث تشير وثائق مؤسسة بوشر الوقفية إلى أنّ هذا الوقف يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وقد خُصص ريعه للفقراء والأيتام، بالإضافة إلى دعم الأنشطة الدينية والتعليمية.

اعتمدت السيدة خولة في تنفيذ وصيتها في عُمان على الشيخ العالِم سعيد بن ناصر الكندي، وكلّفته بشراء أراضٍ تُروى من الأفلاج لضمان استدامة الوقف واستمرارية الإنتاج الزراعي.

وتمتد أوقافُها إلى عقارات منتجة في بوشر، هذا عدا عن ممتلكاتها التي أوقفتها في زنجبار.

اشتهرت السيدة خولة بزراعتها أشجار المانجو (الأمبا) على جانبَيْ أحد الطرق، في منطقة “بونجي” جنوب المدينة الحجرية في زنجبار، لمسافة زادت على ثلاثة كيلومترات، وفكرةُ زراعة هذه الأشجار تعود إليها، وأنفقت عليها من حُرِّ مالها، وقد أحضر السلطان برغش بن سعيد (خالها) خبيرًا مختصًا في البستنة من تركيا لتخطيطها وزراعتها، هو محمد الأمين الذي التقى به السيد حمود بن أحمد البوسعيدي في مكة المكرمة، وما تزال هذه الأشجار شامخة إلى يومنا هذا، تؤتي أكلها كلَّ موسم، وأسهم المهندس التركي أيضًا مساهمة كبيرة في تطوير الزراعة في تلك المنطقة.

ونحن عائدون من منطقة “كيزمكازي”، بعد أن زرنا أقدم مسجد هناك، قطعنا الكيلومترات الثلاثة، تحيط بنا الأشجار على جانبَيْ الطريق، والتي وصل عددها إلى 360 شجرة، في كلِّ جانب 180 شجرة، كان النقاش مع رفيق الرحلة سيف المحروقي يدور حول الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لهذه الأشجار، التي تبدو شاهدةً صامتةً على حكايات الزمن، وتحدّثنا عن ضرورة الحفاظ على ذاكرة التاريخ بعيدًا عن التشويه؛ فما نُسج حول السيدة خولة من القصص، فيه من الافتراء ما يجعل شعر الرأس يقف حتى للصلع أمثالنا، إذ إنه من أجل تشويه سمعة العُمانيين لجأ الانقلابيون إلى تلفيق تهم لهم لا يصدّقها عاقل، فادّعوا أنّ السيدة خولة كانت تزرع شجرة مانجو كلَّ ليلة، بعد أن توقِع رجلًا في حبائلها وتقتله وتدفن جمجمته، ثم تضع فوقها فسيلة شجرة مانجو، ويبدو أنّ مؤلف هذه الفِرْية متأثرٌ كثيرًا بحكايات ألف ليلة وليلة، التي جعلت الملك شهريار يقتل امرأة كلّ ليلة، قبل أن تأتي شهرزاد وتشاغله بحكاياتها. الفرق أنّ شهريار قتل ألف امرأة، بينما بلغ عدد القتلى المزعومين لأسطورة السيدة خولة - حاشاها عن ذلك - ثلاثمائة وستين فقط، على عدد الأشجار المزروعة.

عمومًا مثل هذه الخرافات سمعنا عنها في أكثر من مَعلم عُماني في زنجبار، فما قيل هنا يشبه تمامًا ما قيل عن بيت العجائب، بأنه بُني على جماجم البشر، وحاليًّا بيت العجائب في الترميم، وتأكد بطلان تلك الأكاذيب، ولم ينبس أحدُهم ببنت شفة.

بيت العجائب

والمؤسف أنّ هذا التشويه لحق بالسيدة خولة التي لها أفضال على زنجبار حتى يومنا هذا.

وإذا ما حاولنا إخضاع تلك الادعاءات لشيء من المنطق، لوجدناها تحمل بذرة كذبها بنفسها، إذ إنها تفتقر إلى أيِّ مصدر تاريخي موثوق. كما أنّ القصة تغيب تمامًا عن أيِّ مصدر معاصر لعهد السيدة خولة، سواء في السجلات التاريخية، أو في شهادات الرحالة، أو وثائق الأوقاف، أو الأرشيف البريطاني، ولا يوجد اسم شخص واحد قيل بأنه قتل؛ مَّا يؤكد أنها أُضيفت لاحقًا؛ إما لتشويه متعمد من الانقلابيين في زنجبار لكلِّ ما هو عُماني، وإما لإضفاء هالة أسطورية على مَعلم من معالم الجزيرة (وأعني به هذا الطريق المسيّج بأشجار المانجو) تسهم في جذب السياح إليه.

قلتُ لسيف - ونحن نقطع ذلك الشارع في يوم ماطر - إنّ الترتيب الهندسي المنتظم لهذه الأشجار، يُشير بوضوح إلى مشروع زراعي مخطط، وليس إلى تصرف فردي شخصي؛ مّا يعزز بطلان رواية الإفك تلك ويؤكد أنها متعمدة، ولا تليق بشخصية بحجم السيدة خولة بنت السيد حمود البوسعيدي وتاريخِها ناصع البياض.

وعدا عن اهتمامها بالزراعة فقد اشتهرت السيدة خولة بابتكار وحدة قياس محلية في زنجبار، تُعرف باسم “بيشي يا بي خولة”، وهي أكبر من الوحدة التقليدية، خُصصت لوزن القرنفل. ما يميّز هذه المبادرة أنها جاءت لتعكس رؤية إنسانية عادلة؛ فقد استُخدمت هذه الوحدة لضمان “دفع أجور منصفة لعمال مزرعتها” بما يتناسب مع كمية المحصول المجمع، كما يشير الأستاذ رياض بن عبد الله البوسعيدي في كتابه “تاريخ زنجبار المصور 1800–1964” (صـ64). وهذا الموقف يبرهن على إحساسها بالمسؤولية تجاه عمالها.

بقايا بيت السيدة خولة

تركت السيدة خولة منزلًا كبيرًا في مزرعتها في “بونجي”، وكان يعيش معها عددٌ كبيرٌ من العاملين في المنزل والمزرعة مع عائلاتهم؛ وأغلبُهم كانوا من الذين أعتقهم والدُها السيد حمود من حُرِّ ماله، وهم لم يكونوا عبيده، وقد أوصت السيدة خولة بأن يعيش كلُّ من يعمل في البيت والمزرعة في المنزل نفسه، وأن يتواصل إنفاق دخل المزرعة لهم ولنسْلِهم، وهذا ما حدث بعد وفاتها.

سألني سيف: إذًا، ماذا تبقى من مهمتنا؟

قلتُ: نحن بحاجة إلى إعادة قراءة تاريخ السيدة خولة وأمثالها، وتقديمه للناس من خلال حقائق موثقة، وبعيون تحمل احترامًا لموروثنا العُماني في زنجبار.

سيف: بعد كلِّ هذا البحث والزيارة، كيف ترى دور السيدة خولة الآن؟

قلت: إنّها شخصية تستحق التقدير والاحترام - مثل أبيها تمامًا - لأنها رمز للعطاء النسائي والوقف الاجتماعي في عُمان وزنجبار، ويجب أن نُعيد سرد التاريخ بدقة، لنحافظ على هذا الإرث العظيم للأجيال القادمة، بعيدًا عن أصحاب الأهواء. وأردفتُ: حكاية تشويه السمعة هذه، يبدو أنّ الهدف منها كان تبريرًا للاستيلاء على أموالها دون وجه حق، كما حصل مع بيوت وأملاك ومزارع العُمانيين بعد الانقلاب، لكن الغريب أنّ السيدة خولة ما تزال تموِّل خزينة زنجبار حتى الآن، عن طريق السياح الذين يزورون بيتها وتلك الأشجار، وهي فعلًا مفارقة عجيبة.

في الحقيقة، إنّ السيدة خولة ليست الوحيدة التي اشتغلت بالوقف؛ فهناك نماذج عُمانية نسائية مشرِّفة في كلٍّ من عُمان وزنجبار أوقفت من حُر مالها في المساجد والمدارس وغيرها، وهي نماذج تستحق الكتابة عنها ونفض الغبار عن كرمها وعطائها اللامحدود.

وجهٌ آخر للسيد حمود البوسعيدي

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير: 13 أغسطس 2025

إذا كان السيد حمود بن أحمد البوسعيدي قد اشتهر بأوقافه الخيرية، فإنّ هناك جانبًا آخر في حياته لم يشتهر كما اشتهرت أعمالُه الخيرية، وهو كتابته لأدب الرحلات، ولم يكن الوحيد الذي تناول هذا الأدب، فهناك آخرون كتبوا مشاهداتهم ورحلاتهم من زنجبار إلى الحجاز والشام ومصر وإسطنبول وأوروبا وغيرها من المدن والأمصار، مثل زاهر بن سعيد الذي ألف كتاب “تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار” عن رحلة السلطان برغش بن سعيد إلى بريطانيا، والشيخ محمد بن علي البرواني الذي ألف كتاب “رحلة أبي الحارث”، وصدر أول مرة في زنجبار في عام 1915م، لخّص فيه تجربة رحلته إلى مصر والشام، ولمشاهداته لما وقعت عليه عينه هناك، بأسلوب وصفي رقيق العبارة، وهو ما سبق وأن فعله السيد حمود البوسعيدي في كتابه “الدر المنظوم في ذكر محاسن الأمصار والرسوم” الصادر عن وزارة التراث والثقافة بتقديم وتحقيق الدكتور محمد المحروقي في عام 2006م.

رافق السيد حمود السلطانَ برغش بن سعيد سلطان زنجبار إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، وذلك ابتداءً من يوم 26 شوال من عام 1288 هجرية - الثامن من يناير عام 1872م، وهدفُ الرحلة - كما يؤكد الكاتب - هو إحياء شعيرة السياحة التي هي «من سنن الأنبياء والسادة الأتقياء، وفيها تضرب الأمثال والعبر».

السيد برغش

يشير المؤلف إلى أنه بعد سفر ثمانية عشر يومًا، أي في 14 من ذي القعدة وصلوا إلى ميناء جدة، ثم منها إلى مكة المكرمة لأداء شعيرة الحج، ثم سافر السلطان برغش إلى المدينة المنوّرة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، عائدًا إلى جدة فزنجبار، ويفترق هنا الاثنان إذ يبقى السيد حمود في مكة المكرمة «مجاورًا لبيت الله الحرام وزمزم والمقام»، ثم يزور مدينة الطائف، ليبدأ بعد ذلك رحلة أخرى إلى بلدان تقع ضمن نفوذ الدولة العثمانية هي مصر التي يزور فيها القاهرة والإسكندرية وبورسعيد، وما كان يعرف بأرض الشام، زائرًا دمشق والقدس وبيروت.

ويكشف الكتاب عن إعجاب السيد حمود البوسعيدي بما رأى من مظاهر الحياة العصرية في الأماكن التي زارها ممّا يتصل بالصناعة والاتصالات والنقل والقصور والحدائق والحياة العلمية الزاهرة، مقارنًا كلّ مشاهداته بالبيئة التي قدِم منها، وهي زنجبار، ولا يخفى إعجابه بما يشاهده، فيتحدّثُ مثلًا عن مطبعة الكتب في القاهرة، وأنّ بها عشرة من العلماء لتصحيح الكتب، ويتحدّث عن صناعة الورق وطريقتي الطبع المختلفتين بالحجر والرصاص. كما أنه يتحدّث عن “كرخانة السراج” وهي المولدات الكهربائية الكبيرة التي أدهشه كيف أنها تشعل المصابيح في البيوت والطرقات. أما في دمشق فتستوقفه آلة صب الحديد فيقول: «ورأينا فيها كارخانات تعمل الحديد وآلة مراكب الدخان والكراكات التي تحفر البحر، والمحل الذي يصلحون فيه المراكب، وفيها يصبون الحديد مثل الرصاص، وعندهم آلات تقطع الحديد وتبرمه وتسحله مثل الشمع ليس مثل الخشب، بل الخشب أقوى منه وهو بارد بلا إدخال النار، وشيء من الآلات تطرُق الحديد وتشرخ الأخشاب وتقطعه للنجار، وهي تعمل بالنار، وهذه الكرخانات للفرنسيس». ويقصد الفرنسيين.

يافا القديمة

وفي الشام يصل يافا أولًا ويروقه تنظيمها إذ هي: «متفردة بشكلها فوق جبل. والبيوت فوق بعضها البعض، وشيء من الطرق يوصل للغرف العالية. وبنيانها أغلبه بالحجارة المنحوتة». ويشير إلى جودة فواكهها وإلى سكانها من النصارى الذين أثنى كثيرًا على أقوالهم وأفعالهم الموافقة للمسلمين، ويتعرف هناك على الفرق بين القسيسين والرهبان؛ “فالقسيسون يخالطون الناس في الكنائس وغيرها، والرهبان ينقطعون في الصوامع ولا يخالطون الناس”. من يافا يسافر على الخيل إلى بيت المقدس، فيجدها مدينة كبيرة عليها سور وأرضها غير مستوية، وبيوتها قديمة، وأغلب سكانها نصارى ويهود، ويقدِّم وصفًا دقيقًا للمسجد الأقصى، فيقول: «وهو مسجد عظيم لا مثيل له، يعجز الوصف عن وصفه. وفيه محاريب الأنبياء عليهم السلام. ونزلنا أسفله ورأينا بناءه القديم الذي بناه النبيُّ سليمان بن داوود عليهما السلام، وهو بالحجارة. والبناء الثاني وضع على أساسه السابق، وكلُ محراب في محله على أساسه»، ويستطرد في وصف جمال بنائه وفخامته. كما أنه يقدِّم وصفًا آخر عن كنيسة القيامة وما بها من زينة وزخرف وأواني ذهب وفضة وتماثيل، وينقل ما رأى بأسلوبه الفريد: «وزعْمُهم (أي النصارى) أنه الموضع الذي قُتل فيه سيدنا عيسى عليه السلام، ما تركوا شيئًا من ذلك حتى الدم مصور، وموضع ما دفن صورة قبر على حجر مثل الكهرب وعليه شيء كثير مما ذكرته. وصورة سيدتنا مريم في صباها وعليها من اللباس والحلي والجواهر ما لا يوصف. الحاصل أنّ العقل لا يسع ما رأينا ويعجز الواصف عن وصفه».

بيت المقدس قديما

ومن القدس يذهب إلى بيروت التي لا يقيم بها طويلًا ويصفها وصفًا سريعًا، فهي «مدينة طيبة فيها من المأكل الفاخر من الفواكه وغيرها شيء كثير. وأكثر سكانها نصارى ويهود، وبقدر الربع المسلمون فيها، والثلاثة الأرباع كفرة. وفيها جملة أسواق وبيوت فاخرة وبساتين، وأغلب طرقها مفروشة بالحجر. الحاصل أنها بلد حسنة وهواؤها صحيح»، ويبدو أنّ بيروت لم تكن سوى محطة في طريقه إلى دمشق؛ ففي عربة تجرها الخيل، يسميها “الكروسة”، سافر السيد حمود إلى دمشق، فوجدها «مدينة عظيمة، وفيها جملة أسواق ومساجد وحمامات، شيء كثير. وفي أسواقها شيء كثير من بضائع وغيرها من المآكل والمشارب والفواكه الفاخرة شيء لا يوصف. وحولها البساتين، والجبل دائر عليها محدق بها كلجّة البحر. ويدور الجبل حول البساتين كالسور. وتسقيها سبعة أنهار كبار وتتفرق على جملة أنهار أصغر. وما رأيتُ بلدًا مثلها، كثيرة المياه في كلِّ بيت بركة أو بركتان»، ثم يذكر قِدم البلد والجامع الأموي فيها، ويقدِّم وصفًا تفصيليًّا عن بنائه، ويصف دمشق أنها “جنة الدنيا”.

دمشق قديما

ومن الشام يعود المؤلف إلى مصر فالحجاز حيث يبلغ جدة في الأول من شعبان سنة 1289 ه‍، الموافق 4 أكتوبر 1872م، ومنها إلى مكة المكرمة حيث ينتهي سرد أحداث رحلته.

يقول الدكتور محمد المحروقي في مقدمة الكتاب، بعد أن اختصر مراحل الرحلة: “وعندما نحاول التعرف على شخصية الكاتب من خلال رحلته فأول وأبرز سمة هي سمة الالتزام الديني، فبين أيدينا نص لفقيه وقور ممتثل لأوامر الشريعة فيما يأتي ويترك، وقد رأينا أنّ أهمّ سبب لرحلته هذه كان سببًا دينيًّا، إذ هو «إحياء سُنّة من سنن الأنبياء والسادة الأتقياء»، كما قال. ويصف المحروقي الرحلة بأنها سياحة روحية لكسب المعرفة وتعزيز الشعور الديني، “ولذا فإنه يهتم كثيرًا بزيارة قبور الأنبياء عليهم السلام والصحابة والأولياء الكرام، ذاكرًا مشاهداته بتفصيل محب في ثنايا عرضه لخط رحلته. ودلالة على الأهمية المركزية لهذه المزارات نجده يعود ويفرد لها فصلًا خاصًا يصف فيها أماكنها تسهيلًا للمطالع للكتاب، وعندما لا يتمكن من الوصول إلى بعضها في الشام، نجده يعتذر بشدة عن تقصير اضطر إليه بسبب عارض المواصلات، يقول: «وما بين بيروت ودمشق يذكرون قبور أنبياء منهم إلياس وشيث عليهما السلام، وهما في ناحية من الطريق، هكذا أخبرونا لأننا مررنا بعيدًا عنها، ولم يمكن لنا الوصول إليها، ولأجل ذلك صحّ لنا مانع، وقرأنا لهم الفاتحة من بعد، ونرجو من الله القبول».

بيروت في نهاية القرن التاسع عشر

في كتابه كثيرًا ما قارن السيد حمود بين مشاهداته وواقع زنجبار؛ ومن ذلك وصفه لمدينة القاهرة كما بدت له من فوق تلة القلعة وعظمتها وكثرة بيوتها، “وأن زنجبار في السعة والقيمة عن محلة واحدة في مصر (القاهرة). ويصف زيارته للأزهر، ويذكر أنّ عدد المعلمين به كان 200 تقريبًا، وعدد الطلبة 5800 طالب، ويذكر المنح التي تقدِّمها الدولة للمتعلمين وعدد الكتب الكثيرة في الجامع، ويقدِّرها بنحو 200 صندوق، وأنّ عدد المساجد في القاهرة ثلاثة آلاف مسجد.

يبدو أنّ السيد حمود - في كلِّ مقارناته - كان يوجِّه رسالة مباشرة إلى السلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار، لنقل مثل ذلك التطور إلى بلده، وبالفعل فإنّ السلطان برغش - عمومًا - له الفضل الكبير في تطوير زنجبار عمرانيًّا وثقافيًّا، وأدخل إليها كلَّ التطور، فلا عجب أن يصفه الشيخ سعيد بن علي المغيري في كتابه “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار” بأنه “آخر سلاطين زنجبار معنىً واسمًا” ص 327.

لقد أظهر كتاب “الدر المنظور في ذكر محاسن الأمصار والرسوم” للسيد حمود بن أحمد البوسعيدي وجهًا آخر له؛ ففي هذه الرحلة التي جاور فيها الحرم، وأوقف من حُرِّ ماله بيتَيْ الرباط الكبير والصغير لفقراء الحُجّاج من عُمان وزنجبار، واشتهر بأوقافه الكثيرة، إلا أنّه في هذا الكتاب يظهر إنسانًا مثقفًا محللًا وملمًّا بالثقافات والأديان الأخرى، وربما ما ميّز الكتاب - رغم لغته البسيطة التي يفهمها العامة - هي تلك الرسائل التي كان يوجهها للسلطان برغش بأسلوب غير مباشر كما سبقت الإشارة.

Wednesday, August 6, 2025

في حضرة السيد المحسن الجليل حمود بن أحمد البوسعيدي

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير: 30 يوليو 2025

عود أول تعرّفي بالسيد حمود بن أحمد البوسعيدي إلى الأول من مايو 1988م، عندما قرأتُ كتاب “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار” للشيخ سعيد بن علي المغيري، الصادر عن وزارة التراث القومي والثقافة قبل ذلك بسنتين تقريبًا.

وما لفت انتباهي وشدّني لشخصية السيد حمود هو ما كتبه المغيري: “إنّ أحسن ما ينبغي لنا أن نزيِّن به صفحات هذا التاريخ هو ذكر السيد المحسن الجليل حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، ويناسب أن نخلد ذكره بجوار ذكرى مآثر هذا السلطان العظيم، رب المحامد والمكارم، السيد برغش بن سعيد. وحيث إنّ السيد برغش هو نادرة سلاطين زنجبار فكذلك السيد حمود بن أحمد نادرة رعاياه من عرب زنجبار. فكان - رحمه الله - أفضل المتقدمين والمتأخرين من العرب”.

ظللتُ فترةً من الوقت أخلط بين السيد حمود بن أحمد هذا، والسيد حمود بن محمد البوسعيدي الذي نصبه الإنجليز سلطانًا على زنجبار أواخر القرن التاسع عشر، بعد حادثة السيد خالد بن برغش والتي وقعت في 25 أغسطس 1896م.

قرأتُ دراسةً أعدّها الباحثُ سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني تحت عنوان: “حَتَّى لا نَنْسَى.. وَقْفِيَّة بَيْتِ الرِّباط العُمَانِيّ”، نشرها يوم الثلاثاء 10 فبراير 2009م؛ مّا زاد الاهتمام عندي لمتابعة تاريخ وقصة السيد حمود؛ لذا كنتُ حريصًا على أداء الصلاة في مسجده في ماليندي بزنجبار، وهو واحدٌ من ثلاثة مساجد تركها في الجزيرة.

أوقف السيد حمود أوقافًا طائلة من أمواله في سبيل البر والرحمة؛ منها بيت الرباط الذي في مكة المشرّفة، وهو بيتٌ سكنيّ اشتراه من حُر ماله، وأوقفه لإيواء الحُجّاج والمعتمرين الفقراء القادمين من عُمَان وزنجبار وغيرها، وأصله دارٌ تمَلَّكها بالشراء الشرعيّ، ثم حوّلها إلى وقفيّة موثقة بالمحكمة الشرعية في مكة المكرمة، وضمّ إليها دارًا أخرى في السَّنة نفسها عُرفت ببيت الرباط الثاني، تمييزًا لها عن بيت الرباط الأول، وعَيَّن لهما أوقافًا معلومة لصيانتهما وعمارتهما وخدمة نُزلائهما على مدار السَّنة.

وقصة وقف بيت الرباط تعود إلى خروج السيد حمود بن أحمد من زنجبار يوم 8 يناير 1872م لأداء مناسك الحج برفقة السلطان برغش بن سعيد بن سلطان سلطان زنجبار، وبعد عودة السلطان من مكة تخلَّف عنه السيد حمود فأقام بها مجاورًا للبيت الحرام مدة تزيد على ثلاثة أشهر، اشترى أثناءها دار بيت الرباط الأول في أبريل 1872م، ثم بدأ رحلته التي دوّنها في كتابه “الدرّ المنظوم في ذكر مَحَاسن الأمصار والرُّسُوم”، في أقطار مصر والشام حتى عاد إلى مكة المكرمة بتاريخ 4 أكتوبر 1872م، ومكث فيها إلى موسم الحج، وفي هذه الفترة اشترى دار بيت الرباط الثاني.

بيت الرباط الأول (هو المعروف سابقًا ببيت الرباط الكبير) يقع قريبًا من الحرم المكي الشريف، حيث لا تبعد المسافة بينهما أكثر من ‏‏300 متر. أما بيت الرباط الثاني (وهو المعروف سابقًا ببيت الرباط الصغير) يقع أبعد عن الحرم المكي الشريف، وبينه وبيت الرباط الأول مسافة تقدر ‏بـ 250 مترًا، ثم أضاف السيّد حمود بتاريخ 16 فبراير 1873م بعضَ الموارد لهذا الوقف، وجعل غلتها لعمارته وعمارة بيت الرباط الأول، ولتوفير مياهٍ في صهاريج تكفي أهل الرباط من الحجّاج لشربهم وطبيخهم وغسيلهم، وأوقف كِتابًا في الحجّ لأهل بيت الرباط يُطالعون فيه.

يقول الشيخ سلطان الشيباني إنّ وصية السيد حمود بن أحمد - الذي رحل عن الدنيا بعد 9 سنوات من وقفيته - نصّت على تخصيص بعض عوائد ممتلكاته في زنجبار لصالح نزلاء بيت الرباط وسائر فقراء المسلمين بمكة المكرمة. كما تعدّدت وصايا كثير من العُمانيين من بعده للإسهام في خدمة بيت الرباط، وأنا أكتب هذه السطور فإنّه قد مرّ على وقف بيتَيْ الرباط في مكة المكرمة 153 عامًا.

وإذا كان السيد حمود اشتهر ببنائه بيتَيْ الرباط، فإنّ له - علاوة على ذلك - أوقافًا كثيرة أوقفها في زنجبار، لكن بعضها ضاع بعد الانقلاب على حُكم العُمانيين.

وقد أخبرني الشيخ عبد الله بن حميد البحري إمام مسجد السيد حمود في ماليندي بزنجبار أنّ الوثائق المتعلقة ببعض هذه الأوقاف أتلفت من قبل الانقلابيين، وأنه علم مؤخرًا أنّ السيد حمود أوقف ثلاثة عشر بيتًا في المدينة الحجرية لصالح مسجده لتعليم الناس العلوم الإسلامية والعربية، وتذكر بعض الوثائق أنّ السيد حمود ترك أيضًا بيتًا للرباط في زنجبار، ذلك لم يثبت حتى الآن إلا إذا كانت الوثائق قد أتلفت أيضًا.

شجّع السيد حمود حركة التعليم في زنجبار، وأوقف لها بعض الأموال، وعندما بنى مسجده جعل له وقفًا يُنفق منه لطلبة العلم والمعلمين والقائمين فيه، وأوقف كتبًا يستفيد منها طلبة العلم، منها مؤلفات الشيخ ناصر أبي نبهان الخروصي، ومن هنا أذكر أننا كنا - أنا وسيف بن سعود المحروقي وسليمان بن سالم المحروقي - خارج مسجد السيد حمود فإذا بفلسطيني يقيم في جدة يسألنا عن تاريخ المسجد، لأنه حسب قوله: “أحسستُ بروحانيات عجيبة وأنا أصلي فيه الفجر”. قلتُ في نفسي إنه الإخلاص في العمل عندما نتوجّه به خالصًا لله عزّ وجل.

من الأوقاف التي تركها السيد حمود في زنجبار “مبنى بيت القطار” وهو مبنى تاريخي حضاري، يقع على واجهة “سوق درجاني”، وكان وما يزال من أكبر المباني في السوق، وهو على شكل مستطيل وطويل على هيئة قطار، لذا سمي بهذه التسمية.

شُيّد المبنى في عهد السلطان برغش بن سعيد على نفقة السيد حمود، وصمّمه العُماني محمد بن سليمان الخروصي، وجعله السيد حمود وقفًا لخدمة أعمال مشروع تزويد المياه من منطقة مرتفعة تسمى “موانيانيا” الكائنة في “بوبوبو” إلى المدينة الحجرية في “أنغوجا”.

حقيقةً، إنّ شخصية السيد المحسن حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي شخصية نادرة، فهو حفيد الإمام أحمد بن سعيد، وعمته تكون والدة السيد سعيد بن سلطان، وتزوج السيدة زمزم شقيقة السلطان برغش، وممّا يُذكر أنه أعتق في حياته ألفًا ومائتي مملوكًا، في زمن لم يكن فيه امتلاك الأرقاء أمرًا منبوذًا، وهؤلاء الأرقاء الذين أعتقهم لم يكونوا من أرقائه، وإنما كان يشتريهم من حُرّ ماله ليعتقهم في سبيل الله.

لقد زهد السيد حمود في الدنيا آخر أيامه، ولازم سكنى “بوبوبو”، وبالأخص البيت الذي كان بالقرب من مسجده، ولزم المحراب إلى أن توفاه الله تعالى في اليوم العاشر من ربيع الأول سنة 1298هـ، 1880 ميلادي، ودُفن بجوار مسجده.

وقد زرنا - أنا وسيف - المسجد وقرأنا الفاتحة على قبره، وكان برفقتنا مرافقنا محمد بن أحمد الفلاحي، وحكى لنا جماعةُ المسجد أنّ المسجد يفتقر إلى الماء، ويرجون المساعدة في ذلك، لأنّ الناس ابتعدوا عنه.

الأخبار عن السيد حمود في كتب التاريخ العُماني قليلة، لكن يكفي أنّ أعماله تشهد له، وأراني أعود إلى كلام الشيخ سعيد بن علي المغيري في كتابه “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار” إذ يقول: “يحق لعرب زنجبار أن يحتفلوا بذكرى هذا السيد المحسن الجليل في دار جمعيتهم في كلِّ عام، ويذكروا أعماله الجليلة ومآثره الحسنة ومناقبه الجميلة؛ وإذا قَدّرَت الأمةُ أعمال رجالها تقدّمت إلى الأمام، فعسى ولعل قلوب البقية الباقية تنتعش إلى الاقتداء الحسن بأولئك السادة الكرام في الأعمال الجليلة، حتى يبلغوا درجة مَن تقدمهم مِن رجال الفضل والسؤدد والمكارم، وينالوا شكر الأمة لهم، وهكذا تفعل الأمم الراقية”. نعم إنها لحقيقة، فهكذا تفعل الأمم الراقية

Wednesday, July 16, 2025

بيت الراس والأميـرة التي أثارت حفيظة العرب

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير، 16 يوليو 2025

عد عودتي من زيارتي الأولى لزنجبار في ديسمبر 2024م بفترة غير قصيرة، تلقيتُ رسالة واتسب من الصديق سالم بن محمد الخنجري:

“أخي زاهر.. إذا زرتَ زنجبار مرةً أخرى هناك مَعلمٌ تاريخيّ اسمه بيت الراس، ما زالت بعض أطلاله قائمة، وهو غير بعيد عن قصر بيت المتوني. أرجو أن تذهب إليه. كثيرون لا يعرفون بيت الراس، هناك من يعتقدُ أنّ السيد سعيد بن سلطان خصّصه للشيخ العالِم ناصر بن جاعد الخروصي للتعليم، وهو الذي أسماه بهذا الاسم نسبة إلى [بيت الرأس] الكائن في العلياء بولاية العوابي في عُمان”.

الرسالة مشجِّعة ومحفزة لي لأهتم بالبحث عن بيت الراس هذا، خاصة أنها المرة الأولى التي أسمع فيها عنه، وقلتُ لنفسي: “سأجعل زيارته ضمن الأولويات في السفرة المقبلة لزنجبار بإذن الله”، وهو ما تحقّق بالفعل، والحمد لله. بعد الرسالة تواصلتُ مع بعض أقرباء الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي، لكنّ معظم إجاباتهم كانت تشير إلى عدم صحة معلومة أنّ السيد سعيد بن سلطان خصّص البيت للشيخ ناصر للتعليم، وإن لم يستنكرها البعض، إذ سبق وأن مرّت بهم. لكن نفسي كانت تحدّثني بضرورة البحث عن الموضوع وربط بيتَيْ الراس في عُمان وزنجبار ببعضهما البعض.

شددنا الرحال إلى زنجبار للمرة الثانية - أنا ورفيق رحلتي السابقة سيف المحروقي - يوم الجمعة 25 أبريل 2025م بعد أن تواصلنا مع مرافقنا محمد بن أحمد الفلاحي، المعروف بـ“ود العم“، والشهير بالمقاطع الترويجية لزنجبار والتي يُنهيها دائمًا بصرخة: “صح”، وطلبنا منه أن يُدرج زيارة بيت الراس ضمن البرنامج، وهو ما تحقق لنا بالفعل يوم السبت 26 أبريل 2025م.

ونحن في الطريق من المدينة الحجرية إلى بيت الراس، كنتُ أفكّر في أهمية الحفاظ على بيوت بعض الشخصيات التاريخية البارزة، إذ إنّ الإهمال أدى إلى غياب معالمها، وفي أحيان أخرى أدى إلى عدم معرفة مواقعها، وهو في تصوري تفريط في ذاكرة الأمة؛ فهذه البيوت هي شواهد حية تُخلّد سيرة أصحابها وتُقرّب الأجيال من إرثهم الحضاري، وكان في ذهني المطرب العالمي فريدي ميركوري المولود في زنجبار في الخامس من سبتمبر 1946م والذي أصبح فيما بعد المغنّي الرئيسي لفرقة “الملكة” البريطانية الشهيرة، إذ تحوّل البيتُ الذي وُلد فيه في “بوستر” في حارة “شنجاني”، إلى متحف يضمّ تاريخه ومقتنياته، وفي المقابل دار في خاطري سؤالٌ طرحه عليّ الصديق مسعود بن عبد الله الريامي: هل بيت الشيخ أبي مسلم البهلاني ما زال موجودًا في زنجبار؟ إنه سؤالٌ مهمٌ حقًا، لكن إذا كان شخصٌ مثل مسعود يسألني أنا سؤالًا كهذا - وهو الخبير ببيوت المدينة الحجرية كلها - فهل هناك من سيعرف الإجابة أكثر منه؟!. أوضحتُ له أنني زرتُ قبر الشيخ البهلاني وهو معروفٌ في منطقة “مويمبي لادو” جنب مسجد الجمعية العربية، أما عن بيته فالأمر يحتاج إلى بحث، لكن ما يُتداول وليس هناك ما يؤكده، أنّه كان في منطقة ماليندي بالقرب من جامع الشوافع، وإنه لخطبٌ جلل حقًا أن يختفي بيت شخصية مهمة كأبي مسلم البهلاني.

للوصول إلى “بيت الراس” لا بد من الدخول إلى باحة مدرسة فنية ثانوية بُنيت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وأطلق عليها اسم مدرسة السيد خليفة الثانوية، ويبدو أنها حُوّلت فيما بعد إلى مدرسة أو معهد لتكوين المعلمين، لكن للوهلة الأولى سقط من ذهني الربطُ بين بيتَيْ الراس في عُمان وزنجبار؛ فما بقي من أطلال البيت تدلّ على أنه كان بيتًا عملاقًا لا يمكن لشخص مثل الشيخ ناصر - وهو العالِم الزاهد - أن يعيش فيه.

في هذا المكان كانت لي أول تجربة تسجيل مقطع مرئي، تساءلتُ فيه عن العلاقة بين هذا البيت وبيت الراس في العلياء في ولاية العوابي. صعدنا إلى البيت سالكين السّلالم الحجريّة التي تؤدّي إلى الأعلى، وفي منتصف درجات السّلم وقفتُ فجأة لأتأمّل جمال ما حولي. سألتُ سيف: ترى هل يحتاج الشيخ ناصر إلى بيت ضخم كهذا؟ ولو فرضنا أنه بيته، فكم مرّة صعد ونزل هذه السلالم في رحلة ذهابه وإيابه إلى مسجده؟ وكم من طالب علم صعد هذه الدّرجات يومًا ما بحثًا عن إجابة لمسألة استعصى عليه حلّها؟، بل كيف بُنيت هذه الدّرجات أصلًا؟ وكيف استصلحت الأراضي الزّراعيّة المحيطة به؟ وهل صلى الشيخ ناصر في هذا المسجد القريب من البيت؟!

من المفارقات أننا في الوقت الذي كنّا نبحث فيه عن تاريخ بيت الراس في زنجبار، كان المعرض الدولي للكتاب في مسقط يدشن كتاب “تاريخ زنجبار المصور (1800 - 1964)”، للأستاذ رياض بن عبد الله بن سعيد البوسعيدي، الصادر عن دار “الآن ناشرون وموزعون”، وهو ربيب القصور السلطانية في زنجبار، قدّم فيه معلومات قيّمة وصورًا عن أطلال البيت؛ مّا ينفي الربط بين بيتَيْ الراس في عُمان وزنجبار إلا في تشابه الاسم فقط.

أهم المعلومات الواردة في الكتاب تقول إنه في عام 1847م وفي سن 56 عامًا، تزوج السيد سعيد بن سلطان الأميرة الفارسية شهرزاد ابنة الأمير أرش ميرزا، وحفيدة شاه بلاد فارس. كانت شابة جميلة ومفعمة بالحيوية تعيش حياة باذخة، انتقلت إلى زنجبار في عام 1849م برفقة حاشية كبيرة مكونة من 150 مرافقًا، بمن فيهم فرسان وخيولهم، وكانت بارعة في استخدام السيوف والرماية وتحمل دائمًا خنجرًا معها. يبدو أنّ حياة بيت المتوني لم تعجبها، خاصة أنّ معها حاشية كبيرة، فبدأ السيد سعيد بن سلطان في بناء قصر لها في بيت الراس، وجلب من بلاد فارس مصممين وحرفيين وبنائين، وبنى لها حمامات مزخرفة على الطراز الفارسي في منطقة “كيديتشي”، على بُعد بضع كيلو مترات من المدينة الحجرية، ما تزال أطلالها باقية حتى اللحظة.

أثار سلوك هذه الأميرة المتعالي الاستياء بين العرب، الذين لم يعهدوا هذا النوع من الحياة، وكذلك أثارت قدرًا كبيرًا من الدهشة والتعجب بين سيدات العائلة المالكة، وهو ما أشار إليه الشيخ سعيد المغيري في كتابه “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار”، ورغم أنّ السيد سعيد شرع في بناء بيت الراس لها ولحاشيتها، إلا أنها أصبحت أكثر إسرافًا وتبذيرًا، وتزايدت مطالبُها، فغضب السلطان منها وطلقها، فعادت إلى بلادها دون أن يكون لها أيُّ ذرية من السيد سعيد.

توفي السيد سعيد قبل اكتمال بناء قصر بيت الراس، ولم يرغب خليفتُه السلطان ماجد في إكماله، فأرجع جميع البنائين الفرس إلى بلادهم، وأثناء بناء سكة حديد بوبوبو، هُدمت جدران القصر غير المكتمل واستُخدمت الحجارة لتعبيد مسار السكة الحديدية. لم يتبق من المبنى الآن سوى جزء صغير منه، وهو الشرفة العملاقة التي تتميّز بأقواسها العالية والدرجات التي تؤدي إلى أحد جوانبها، وقد بُني القصر باستخدام الحجر المرجاني، وهو مادة البناء التقليدية الشائعة في زنجبار، نظرًا لتوفرها في الجزيرة.

كانت تلك قصة بيت الراس الذي نغادره الآن لنكمل صورة حياة الأميرة الفارسية من خلال زيارتنا للحمامات الفارسية. تقع هذه الحمامات في منطقة كيديتشي (Kidichi)، شمال غرب زنجبار، كما سبقت الإشارة، على بُعد كيلومترات شرق المدينة الحجرية، بالقرب من مزارع التوابل الشهيرة، وكما مرَّ سابقًا فقد بناها السيد سعيد بن سلطان هدية لزوجته الفارسية شهرزاد، وحتى الآن احتفظت تلك الحمامات بطابعها القديم؛ مّا يدلّ على متانة البناء، وتتميّز بتصميمها المستوحى من العمارة الفارسية التقليدية، وقد تجوّل بنا المرشد السياحي في غرف البخار والماء الساخن والبارد، وشرح لنا عن نظام التهوية الذي يُعدُّ في ذلك الزمان متطورًا، وقال إنّ الأميرة كانت تَقْدِم من المدينة الحجرية يوميًّا فوق الحصان لتستمتع بالبخار والماء الساخن، وفي السابق كان بيت العجائب - في المدينة الحجرية - يُرى من هنا بوضوح (مشيرًا إلى زاوية معينة)، نظرًا لارتفاعها عن مستوى سطح البحر.

ونحن ننهي الزيارة، كان سيف متشككًا من قدرة الأميرة الحضور يوميَّا من المدينة الحجرية إلى هذا المكان البعيد نوعًا ما، لكن في كلِّ الأحوال ذهبَت الأميرة وتركت تلك الآثار مع ذكرى سيئة، حسب الشيخ المغيري الذي يقول إنها أثارت حفيظة العرب بتصرفاتها.

لكن هل انتهت قصة الأميرة الفارسية بطلاقها من السيد سعيد وعودتِها إلى بلادها؟! لا. يقول الأستاذ رياض البوسعيدي في كتابه “تاريخ زنجبار المصور”: “بعد عودتها إلى بلاد فارس، وبعد بضع سنوات، عندما ذهب السيد سعيد لمحاربة الفرس في هرمز، رأى زوجته السابقة مرةً أخرى، لكنها كانت على حصانها تقود وحدة من الجيش الفارسي ضده. لم ينتصر السيد سعيد في المعركة، وعاد إلى عُمان”.

Tuesday, July 15, 2025

عمان وزنجبار.. علاقات مستدامة

 د.عبدالملك عبدالله الهنائي

جريدة عمان، 14 يوليو 2025

تعود العلاقة بين عمان و شرق أفريقيا إلى عصور موغلة في التاريخ، لكننا لا نعرف عن بداياتها سوى ما وصلنا عن لجوء ملكي عمان سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى إلى تلك البلاد على إثر قيام الأمويين بإخضاع عمان لسلطتهم، وذلك في القرن الأول الهجري، أي السابع الميلادي. لكني لستُ هنا بصدد الكتابة عن تاريخ العلاقة بين عمان وشرق أفريقيا؛ فقد كُتب الكثير عن هذا الموضوع، ورفوف المكتبات وشبكة الإنترنت بها عدد هائل من الصفحات التي كتبها خبراء وباحثون ورحالة وصحفيون ومغامرون.

ما أردت الكتابة عنه جانب مما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين عمان وذلك الجزء من العالم، وتحديدا مع زنجبار التي هي اليوم جزء من جمهورية تنزانيا المتحدة حيث مازال كثير من العمانيين يرتبطون معها بعلاقات ثقافية واجتماعية واقتصادية وثيقة. وهنا يجب التأكيد على أن زنجبار جزء من جمهورية تنزانيا المتحدة، ويجب التعامل معها على ذلك الأساس؛ تجنبا لأي التباس قد يعكر صفو العلاقة بين عمان وتنزانيا.

حتى عهد قريب لاسيما قبل ظهور «الترمبية» -إن صح التعبير- كانت هناك ثلاث أسس للعلاقات بين الدول؛ فهي تكون على أساس المصالح المشتركة وهو الغالب، أو على أساس أيديولوجي مثل العلاقات التي تطورت بين بعض الدول خلال فترة الحرب الباردة، أو أنها تقوم في جانب منها على الأخلاق والقيم الإنسانية، مثل: احترام مبادئ حقوق الإنسان، والعدالة، والسلم العالمي وغير ذلك.

وفيما يتعلق بمستقبل علاقات عمان مع زنجبار خاصة، ومع تنزانيا عامة -وهو موضوع هذا المقال-؛ فإنني أرى أنه لا بد أن تؤسّس على عاملين اثنين، وبشكل متوزان، وهما عامل الأخلاق والقيم الإنسانية، وعامل المصالح المشتركة. وليس من التحيز لبلدي أو مجانبة للحقيقة القول: إن عمان هي من الدول النادرة في العالم التي مازالت تضع وزنا كبيرا لعامل الأخلاق والقيم الإنسانية في علاقاتها الدولية. ولما كان الأمر كذلك فإن جعل هذا العامل في المقدمة في العلاقة مع جمهورية تنزانيا مهم من النواحي السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

صحيح أن هناك من العمليين، أو البراجماتيين من يضعون المصالح المشتركة في مقدمة أسس العلاقة بين الدول، لكن العلاقة مع زنجبار تحتم أن تكون الأخلاق والقيم الإنسانية في المقدمة. ربما نحتاج إلى الرجوع إلى جانب من التاريخ غير البعيد لشرح وجهة نظرنا هذه، ولتقريب الموضوع إلى القراء الكرام.

نعرف أنه في ثلاثينيات التاسع عشر الميلادي نقل السيد سعيد بن سلطان عاصمة حكمه من مسقط إلى زنجبار؛ لأسباب كثيرة لا يتسع المقال لذكرها، وإن كانت الأسباب الاقتصادية هي الأبرز. وخلال فترة حكم السيد سعيد ازدهرت التجارة بين عمان وشرق أفريقيا، وزادت إيرادات عمان المالية، سواء من إيرادات الجمارك، أو من الصادرات من المنتجات الزراعية. صحيح أنه كان لعمان إيرادات مالية من موانئ ومناطق أخرى، مثل: مسقط، وبندر عباس، وجوادر، لكن معظم إيرادات الدولة العمانية في ذلك الوقت كان مصدره شرق أفريقيا، خاصة زنجبار. وعندما توفي السيد سعيد بن سلطان واختلف أبناؤه على حكم الإمبراطورية قلّت موارد عمان الاقتصادية، وتأثرت إيراداتها المالية بصورة كبيرة، وأثر ذلك على استقرارها السياسي والاجتماعي.

المعلوم أن أبناء السيد سعيد بن سلطان اتفقوا بعد فترة من وفاة والدهم على تقسيم الامبراطورية، وبموجب الاتفاق التزم الجانب الأفريقي بتقديم معونة مالية سنوية لعمان قدرها أربعون ألف قرش فضة من عملة ماريا تيريزا، وقد سميت «معونة زنجبار»، وبقيت حكومة زنجبار تدفع تلك المعونة لسنوات طويلة. وبدراسة اقتصاد زنجبار ومواردها الموالية في تلك الفترة نتحقق أنها جاءت من مصادر داخلية، وليس ريعا يأتي من الخارج.

وأهم تلك المصادر الضرائب، والرسوم الجمركية، والأيدي العاملة الرخيصة، خاصة في المزارع والموانئ والأنشطة التجارية، وهو ما يؤكد أنه من الواجب جعل عامل الأخلاق والقيم الإنسانية في مقدمة الأسس التي تبنى عليها العلاقة بين عمان وتلك البلاد.

أما الأساس الثاني في العلاقة بين الجانبين فهو المصالح المشتركة. المعروف أن عمان قدمت ولازالت تقدم كثيرا من المساعدات لزنجبار، سواء لترميم الآثار، أو في تحسين البنية الأساسية فيها، كما أنه مازال لبعض العمانيين حاليا مصالح اقتصادية هناك، سواء كان ذلك في قطاع العقار، أو في قطاع السياحة أو غيرها من القطاعات الاقتصادية، ومن المناسب تشجيع القطاع الخاص والقطاع الأهلي العماني، ممثلا في الجمعيات الخيرية، على زيادة النشاط التجاري و الاستثماري والخيري هناك.

ولا شك أن تنمية وتطوير العلاقة بين الجانبين سيساعد على منع آخرين ممن يحاولون تهميش استمرار الدور العماني في تلك البلاد. ولتنفيذ ذلك بمنهجية ومهنية عالية؛ لا بد من تبني برنامج تنموي مستدام وبأهداف واضحة للمديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة. الهدف البرنامج المقترح المساعدة على إحداث تنمية شاملة ومستدامة في زنجبار؛ بحيث يركز على تمويل مشاريع في مجال التعليم، لاسيما التعليم الأساسي والمهني، وكذلك تمويل مشاريع القطاع الصحي، خاصة المراكز الصحية ومشاريع الصحة العامة.

كما أن البرنامج يجب أن يتضمن تمويل مشاريع للإسكان وفي البنية الأساسية، وبشكل خاص مشاريع الطرق التي تحتاج إلى تطوير واسع، لاسيما داخل مدينة زنجبار، إلى غير ذلك من مشاريع، سواء داخل المدن أو في الأرياف.

قد يتساءل البعض عن مدى كفاءة الجهاز الإداري في زنجبار لاستخدام موارد هذا البرنامج، وهو تساؤل في محله؛ لذلك من الأفضل التفاهم مع حكومة زنجبار على أولويات البرنامج والمشاريع التي ستمول، وأن تكون إدارة هذا البرنامج من سلطنة عُمان.

وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن نوع مشاريع البرنامج، وحجم تمويله، وكيفية إدارته؛ فإنه من الأهمية السياسية والدبلوماسية أن تتبنى سلطنة عمان برنامجا تنمويا طويل الأجل في زنجبار، وألا تترك تلك البقعة المهمة لها من العالم لتنبت فيها ضغائن الماضي، أو لترعرع عليها مكائد المستقبل.


السيد خالد بن برغش: أبدًا لم تكن حربًا

 زاهر بن حارث المحروقي

أثير : 8 يوليو 2025

صلينا أنا ورفيق رحلتي إلى زنجبار سيف بن سعود المحروقي صلاتي المغرب والعشاء في مسجد ”فروضاني“. بعد خروجنا من المسجد وسلامِنا على شاب عُماني يبيع الفوشار (”الفرّاخ“ كما نسميه في لهجتنا العُمانية) يدعى حمد الغيثي، لمحتُ شبحًا نورانيًّا يمشي من حديقةٍ بين بيت العجائب وبيت الساحل، حيث كان قصر بيت الحكم قبل أن تدمره بريطانيا عام 1896، احتجاجًا على تولي السيد خالد بن برغش الحكم دون إذنها. سألتُ سيف: ”هل ترى ما أراه؟ أم أني أتخيّل شيئًا ليس له وجود؟!“. أجاب: ”ما تشاهده حقيقة وليس خيالًا“. قلتُ: ”إذن علينا أن نحث الخطى لنتبيّن حقيقة ما نرى“. اتجه الخيال النوراني إلى المقبرة السلطانية القريبة، ووقف أمام قبور بعينها يقرأ الفاتحة ويدعو الله للنائمين في تلك القبور.

اقتربتُ منه فإذا هو شاب في مقتبل العمر، قصير القامة، أبيض اللون مع لحية سوداء كثة وعلى رأسه العمامة السعيدية، ملامحُه توحي بالطمأنينة والسكينة. وعندما رأى اندهاشي وأنا أركز على ملامح وجهه، بادرني بالكلام فورًا دون أن أساله: ”نعم أنا خالد بن برغش بن سعيد بن سلطان. اعتادتْ روحي بين فترة وأخرى أن تزور هذا المكان من العالم الآخر، لتشاهد ما أُخفي عني من لحظة الهجوم البريطاني البربري عليّ وعلى قصر الحكم. ذلك الاعتداء الذي أودى بحياة أكثر من خمسمائة روح بريئة، وكل جرمها أنها أرادت الحرية والاستقلال، ورفضت التبعية والهيمنة البريطانية“.

كانت أصوات الباعة في ساحة ”فروضاني“ تتداخل مع هدوء المقبرة. قلتُ: ”لم أتوقع أن ألتقي بك هنا! كيف ترى الأحداث التي جرت بعد أن تصدّيْتَ للبريطانيين؟“. رد: ”على المستوى الشخصي دفعتُ ثمنًا غاليًا بسبب موقفي، وانتقلتُ من منفى لآخر أنا وأولادي الذين ليس لهم أيّ ذنب. كانت أيامًا مضطربة، لكني -رغم مرور كلِّ تلك السنين- ثابت على إيماني بأني لم أكن مخطئًا حين قاومتُهم. فالبريطانيون لم يأتوا ليحفظوا مجدنا، بل ليخدموا مصالحهم، كما هي عادتهم في كلِّ زمان ومكان“. قلتُ: ”لكنهم انتصروا عليك بسرعة في تلك الحرب الشهيرة، وأصبحوا يتغنون بها كأقصر حرب في التاريخ، هل كنتَ تتوقع مثل هذه النتيجة؟“. رد بانفعال: ”من الخطأ تسمية الحادثة بالحرب، كانت عدوانًا سافرًا على دولة مستقلة وحاكم له تأييد شعبي كبير. ولكن ما أود قوله الآن هو أنّ أسلافي ومن جاء بعدي من السلاطين، ظنوا أنّ البريطانيين حلفاء لهم، فمهّدوا لهم الطريق ليبسطوا نفوذهم. عندما حان وقت المواجهة، كان الميزان مختلًا لصالحهم، وهذه نتيجة منطقية للأمور“.

أحسستُ أنّ النقاش بيننا أخذ يسخن، فطلبتُ من سيف أن يسجله صوتيًّا حتى لا أفوّت كلمة قد تكون مهمّة، وأن يلتقط لنا صورًا تذكارية، لكن السيد اعتذر قائلا: ”لا داعي لذلك. فمصيري درسٌ بليغ وقاس لكلّ الأحرار الذي يرفضون السيطرة الأجنبية على أوطانهم، لكن ضميري مرتاح، وهذا هو المهم“. سألتُه: ”هل ترى أنّ العُمانيين كانوا سُذّجًا في تعاملهم السياسي مع القوى الأجنبية؟“. أجاب: ”ليس كلهم، ولكن بعضهم لم يدرك للأسف أنّ الوعود السياسية لا تُحفظ إلا بمقدار القوة التي تقف وراءها. كنا نحكم زنجبار، ولكن بدون استعداد حقيقي للحفاظ على السيادة، فضعُف موقفنا. والتدافع الاستعماري الغربي للسيطرة على أفريقيا ليس جديدًا. ففي عهد والدي السلطان برغش، استولى الألمان على مناطق البر الأفريقي التابعة لنا، بالتواطؤ مع الحكومة البريطانية (المفترض أنها صديقة لنا)، وعندما احتج الوالد بشدة على هذا الاستيلاء غير القانوني، أرسل الألمان خمس سفن حربية إلى زنجبار، وأمهلوه أربعًا وعشرين ساعة، إما أن يرضخ للأمر الواقع أو يقصفوه إلى أن يستسلم، ولم يكن أمامه خيار سوى الموافقة“. هنا دخل سيف إلى الحوار، وسأل السيدَ خالد: ”لو كان بإمكانك إعادة كتابة التاريخ، ماذا كنتَ ستفعل بشكل مختلف؟“، أجاب: ”كنتُ سأعمل على بناء تحالفات أعمق مع القوى الأخرى، ربما مع بعض الدول الإسلامية الكبرى، أو حتى تشكيل قوة عسكرية توازي البريطانيين. ولكن التاريخ لا يُعاد، وإنما يُتعلَّم منه. وأنا تعلمتُ الكثير، ودفعتُ الثمن من حالي ومالي. وما يؤلمني أنّ عائلتي دفعت الثمن معي دون جريرة اقترفتها“. شعرتُ برغبة شديدة في مواساته، لكنني وجدتُ نفسي أطرح بعفوية هذا السؤال: ”هل ترى أنّ زنجبار فقدَت هويتَها بسبب تلك الأحداث؟“، وبالعفوية نفسها أجاب: ”زنجبار ظلت زنجبار، بأهلها وتراثها، ولكن النفوذ العُماني تراجع فيها، بدليل أنكم تدخلونها الآن زائرين بغرض السياحة لا أكثر. والسؤال الذي لَطالما فكرتُ فيه: هل من المنطق أن يذهب كلّ شيء كأنه لم يكن؟! ربما كان ذلك حتميًا ولا مفر من قدر الله، وهذا ما نؤمن به، ونحن في العالم الآخر نرى ما لا ترون ونعلم ما لا تعلمون، ولكن ربما كان يمكن تفادي الانقلاب، لو كانت القرارات مختلفة“.

في هذه اللحظة، علا صوت أذان العشاء، فابتسم السلطان خالد وردّد الأذان مع المؤذن، ثم قال بصوت هادئ: ”على الأقل، لم تقدر القوى العظمى على محو صوت الإيمان من هذه الأرض، وهذا كان أحد المخططات“. سألته: ”سيدي كيف تنظر إلى ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم؟“ نظر إليّ نظرة عجيبة، هي خليط بين الحزن والكبرياء، ثم قال: ”لم يكن يومًا مشؤومًا فقط، بل كان لحظة فارقة في تاريخ زنجبار. حينما توليتُ الحكم، كنتُ أعلم أنّ بريطانيا لن تتسامح مع استقلالية قرارنا، لكنني لم أتصور أنّ الحرب ستكون بهذه السرعة والوحشية. كنتُ أظن أنّ لدينا فرصة للمقاومة. أعددنا بعض القوات، وأغلقنا الطرق المؤدية للقصر، لكن حين بدأت القذائف تتساقط، أدركنا أنّ البريطانيين لم يكونوا يريدون مجرد مفاوضات، بل كانوا يريدون حسم الأمر بشكل قاطع. القصف دمّر بيت الحكم وأجزاء كبيرة من بيت الساحل وبيت العجائب، وكانت الخسائر فادحة، ولم يكن أمامي خيار سوى البحث عن ملاذ آمن، حفاظًا على ما تبقى من أرواح الأبرياء الذين وقفوا معي ضد الهيمنة البريطانية“.

- ”وهكذا انتهى بك المطاف في القنصلية الألمانية؟“

- ”نعم، كان الخيار الوحيد المتاح في ذلك الوقت. لم يكن من الحكمة البقاء، وإلا لأريق مزيد من الدماء، وكان مصيري الاعتقال أو ما هو أسوأ. الألمان وفروا لي ملاذًا مؤقتًا، ولكن بعد ذلك بدأ نفيي من مكان إلى آخر، وكانت الرحلة طويلة ومؤلمة“.

- ”كيف ترى اليوم قرارك بعد هذه السنوات؟ هل كان بالإمكان التصرف بطريقة مختلفة؟“

- ”لو عاد الزمن، ربما كنتُ سأحاول التفاوض بشكل مختلف، أو إعداد دفاع أكثر قوة، لكن الظروف كانت شديدة التعقيد، والمصالح الدولية كانت أقوى من إرادة رجل واحد. ومع ذلك، أؤمن بأنّ الشعوب دائمًا تجد طريقها لاستعادة كرامتها، مهما طال الزمن“.

- ”هل تشعر بالحسرة على زنجبار؟ بعد أن ذهبَت عن العُمانيين؟!“

- ”زنجبار ستبقى دائمًا في قلبي. إنها أرض تحمل تاريخًا عظيمًا. وأفخر أنني كنتُ جزءًا من هذا التاريخ، وقد جعل منها جدي السيد سعيد بن سلطان عاصمةً هامةً، تتهافت إليها الدول الكبرى، كما إنّ إنجازات والدي السلطان برغش لا يمكن إنكارها. وكان لي شرف الدفاع عن سيادتها، ولو ليوم واحد فقط“.

- ”هل تسمح لي عندما أعود إلى عُمان أن أكتب عن لقائي بك هنا؟“

- ”وما المانع؟! لقد صرتُ جزءًا من التاريخ، ومن حقّ أيٍّ كان أن يكتب عني وعن أجدادي. ولكني أتمنى عليك أن تشير إلى حادثة تاريخية مهمة حدثت قبل ولادتي بعام، ولها ما بعدها، وستظهر يومًا ما عندما تُنشر الوثائق“.

- ”أي حادثة تقصد؟“

- ”في عام 1873، أبلغ الإنجليز أبي، عبر مبعوث بريطاني أثناء اجتماع مع كبار المسؤولين أنّ الأفارقة سينقلبون عليكم، إذا شعروا بأنّ البريطانيين هم حلفاؤهم وليس العُمانيين. كانت النبرة لا تخلو من تهديد لأبي السلطان برغش، وكانت الخطة واضحة، ولكنها للأسف لم تؤخذ على محمل الجد. وبعد مرور واحد وتسعين عامًا، أي في يناير 1964، نُفِّذ الانقلاب فعلًا كما تعلمون. عندما تطالعون الوثائق ستدركون أنّ ما أقوله ليس رأيًا، بل حقائق مدعومة بالأدلة. لقد طبخت الطبخة بنار هادئة“.

- ”سأنشر -إن شاء الله تعالى- ما تقوله حرفيّا، ونحن نتشوق لهذه الوثائق، حتى يكون الناس على بيّنة من الأمر“.

- ”رائع. هذا أمر يريحني مثلما أراحني مجرد البوح لك ولزميلك بما يعتمل في نفسي. وأود أن أشير إلى أنّ السلاطين كانوا على علم بما يجري، لكنهم للأسف يفتقرون إلى البصيرة والرؤية البعيدة. لم يتوقعوا أن ينقلب عليهم البريطانيون، كما حدث في عام 1964. لم يدركوا أنّ ما فعله البريطانيون في زنجبار قد يتكرر في أيّ مكان وفي أيّ زمان“.

- ”نعم. بدليل أنه تكرر كثيرًا في زماننا، وهناك قول شهير لرئيس عربي وُلِد بعد وفاتك بسنة واحدة، قال عندما تخلت عنه أمريكا: ”المتغطي بالأمريكان عريان“.

- ”من المؤلم أن يعرف الإنسان الحقيقة بعد فوات الأوان، أُضيف لمقولة هذا الرئيس أن المتغطي بالبريطانيين أيضًا عريان، وكذلك كلّ من يعتمد على الخارج على حساب شعبه“.

وجهنا -سيف وأنا- تحية إجلال وإكبار للسلطان خالد بن برغش، وقلنا له بلسان واحد: ”سيظل اسمك دومًا محفورًا في ذاكرة زنجبار وأهلها، ليس بوصفك مجرد سلطانٍ تولى العرش، بل كقائدٍ رفض الإملاءات الأجنبية وأصر على حماية سيادة وطنه“. ويبدو أنه ابتهج بهذا التقدير، فقد وضع يده على كتفي وقال وهو يبتسم بوقار: ”أشكرك يا أبا محمد“.

اندهشتُ من كونه يعرف اسمي، فسألتُه: هل تعرفني؟

”سلامتك زاهر. لو ما كنتُ أعرفك ما سافرتُ معك!“

هنا عاد لي وعيي، وانتبهتُ أنّ الذي وضع يده على كتفي وكلمني هو سيف وليس السيد خالد. سألتُه باستغراب: ”ألم تكن قبل قليل تحاور معي السيد خالد بن برغش؟“

”كم كان سيسعدني ذلك، لكنه مات منذ سنين طويلة، كما تعرف. كلّ ما في الأمر أنني شاهدتُك تنسلّ إلى المقبرة كالمسرنم، فتبعتُك. هيا، علينا العودة إلى الفندق الآن“.

عدنا إلى الفندق وكان فكري مشغولًا بخالد بن برغش، لأنه ظهر وكأنه في آخر حياته استسلم عندما كتب رسائل الاستعطاف للإنجليز (كما سبق وأن أشرتُ إلى ذلك)، هل تلك الرسائل تهز صورة البطل الذي قاوم الإنجليز؟ قد يخفت بعض الإعجاب، ولكن لا ينفي صلابة الرجل في شبابه، ثم إنّ الحادثة كلها تشير إلى نقطة هامة، هي أنّ الإنجليز وجّهوا رسالة من خلال تعاملهم مع خالد لمن خلفه، هي أنهم لن يتسامحوا مع من يقف ضدهم أبدًا.