Saturday, January 7, 2017

الروابط السياسية والاجتماعية بين زنجبار وجزر القمر

الروابط السياسية والاجتماعية بين زنجبار وجزر القمر .. مدائح السلطان خليفة بن حارب أنموذجا


لم تكن الوثائق والمخطوطات المتعلقة بالعلاقات والروابط الساسية بين السلطة في زنجبار ـ أيام السلطان خليفة بن حارب ـ وجزر القمر من السهولة بمكان للحصول عليها، لكننا ـ بحمد الله ـ توصلنا لمخطوط شعري، حاول رصد البعد العلائقي السياسي بين البلدين؛ خاصة كونها نظمت بلسان شاعر قمري، إنه الشاعر “برهان بن محمد مكلا القمري، الذي كان مُحتضنا من قبل حكومة عمان في زنجبار إبان حكم السلطان خليفة بن حارب، وكان الشاعر مكلا القمري يعمل أستاذا للعربية في المدارس الرسمية في زنجبار فترة حكم السيد خليفة. هذا الفترة التي مكث فيها المكلا في زنجبار، سجل نصوصا شعرية جسدت البعد السياسي. ومن ذلك قول المكلا مجسدا العلاقة العمانية بين زنجبار والغرب:
سافر إلى الغرب مثل الشمس إن غربت عادت إلى الشرق تبدي النور للأمم

لقد برزت قوة الروابط السياسية بين البلدين، من خلال المفردات العميقة التي جسدها الشاعرالقمري في السلطان خليفة، وتلك دلالة قاطعة للولاء لهذا البلد، فابن جزر القمر يرى في السيد خليفة البعد الإيجابي من جراء وصفه بالشمس عند غروبها من مكان وشروقها لمكان آخر، وهي صورة جسدت بعدا جميلا، فرحيل السلطان عن مملكته، جعلها متأثرة بالظلمة وما جاورها، حتى عاد بإشراقه لبلده ومحيطه.
يأيها الملك السامي أرومته حياك ربي حليف المجد والكرم

لقد نادى الشاعر القمري، سلطان زنجبار، بأنه الملك المبجل ذو السمو والأرومة، لما كان له من الود لشعبه، وللآخرين الذين احتضنهم، وحفظ لهم المعروف والخلق، من الدول المجاورة كجزر القمر، حيث وجدنا مجموعة كبيرة منهم يعملون كمعلمين، ومزارعين، وغير ذلك من الأعمال؛ مما جسد البعد التعاوني بين تلك البلدان التي تجمعها رابطة المكان والدم والدين واللغة، وبذلك تحققت لغة الوئام بينهم، فكان ذلك معروفا يسجل له.
ونطل من زاوية أخرى على قصيدة سجلها المكلا القمري في السلطان خليفة، عندما عاد من بريطانيا، وكان وطنه في أشد الحاجة إليه:
ذا بدر مقدمه الأسنى أضاء لنا جو القلوب فأجلى غيمة الكرب

فالسلطان بعودته كان بدرا مضيئا لمجتمعه، مجليا الكرب، مظهرا روح الابتسامة للجميع. وتتواصل صور وشهادات الشاعر القمري المعجب بشخصية السلطان خليفة؛ كونه كان محبا لوطنه، والوطن يشرق بوجوده:
وذا الوطن الزاهي يبرد علا قد ارتدى فاجتلى ثوبه القشب

وتتجلى هنا دقة العبارة عند الشاعر المكلا القمري، وكان دقيقا في وصف الصفات السياسية التي ارتبطت بشخصية السلطان خليفة، حيث كان ودودا لشعبه، وبذلك استطاع أن يحكم فترة طويلة في أمن واستقرار، متآلفا مع مجتمعه، والبلدان المحيطة به، والأدل على ذلك، هذا الشاعر نفسه، فقد كان الشاعر قمريا، إلا أنه استمر يعمل في المدارس الحكومية بزنجبار، وكذلك كونه مقربا من بلاط السلطان خليفة، وقد تبلور ذلك في المدائح التي قالها في السلطان خليفة بن حارب، وإعجابه بسياسة الحكومة.
ومن الأدلة الأخرى على الترابط بين زنجبار وجزر القمر، ما قام به الشاعر المكلا من تصورات، تمثلت في كلماته الإنشادية التي كتبها لطلاب المدارس الحكومية بزنجبار، والتي كان ينشدها طلاب المدارس، عندما يستقبلون السلطان خليفة بن حارب في المحافل العمومية، والدينية وغيرها:
يارب بلغنا المرام بحمد خير الأنـــــــــــام
فأدم لنا حسن القيام بالخير مع راعي الذمام
وافتح لنا باب النجاح والعلم يبدو بالصـــــلاح
فالعلم مرقاة الفلاح يعلى إلى أسمى المقـــــام
ليعش خليقنا الأجل من أن قضى حقا عـــــدل
ومتى تقدم للعمل وفّى كسالفه الإمــــــام
وليرق ناظرنا إلى أعلى المراتب والعلا
ونرى أساتذتنا على أهنى المعيشة والسلام
يارب قدم ذا الوطن بمعارف تولي المنن
فالزنجبار مدى الزمن تعلو بأبناء كـــــــرام

اللغة الحيوية تدفقت ينابيعها من الشاعر القمري، بعباراتها الإنشادية، ولغتها التواصلية، وحواملها الدلالية الاكتنازية؛ لما رآه من السلطان خليفة من تفان في خدمة الشعب والمجتمع، وما كان يضحي به السلطان من مال ووقت في خدمة العلم والتعليم. تلك السمات النقية الطيبة التي تميز بها السلطان خليفة، جعلت من الشاعر مكلا القمري يسجل مفردات حافلة بالتحية والتقدير لهذا لسلطان، الذي كان يتجول بين طلابه وأبنائه، ومن يرعاهم.
إن دور الصورة الوظيفي يبرز من خلال البعد الدلالي الذي تحققه، ومن التلاحم البنائي المتنامي مع لغة النص، الذي يُظهر الصورة بشكل فني كـ ” اللوحة في الرسم الفني، فكما أننا لا نستطيع إطلاق مصطلح اللوحة على أحد عناصرها المكونة لها، فإننا كذلك لا يمكن أن نطلق مصطلح الصورة على أحد عناصرها المكونة للعمل الشعري”؛ إذ كل عنصر يُسهم في بناء هذه الصورة، ويضيء زاوية من جوانبها. فالاتصال بين الأجزاء والوحدات المكونة للنص يولّد الصورة ” ولما كان العمل الشعري يصدر عن تجربة خاصة متميزة، فإن كل قصيدة ـ بالتالي ـ تحتفظ لنفسها بشخصية مستقلة ومتفرّدة تفرّد التجربة التي تعبّر عنها “، فكل قصيدة لها خصوصيات بنائية / تكوينية تميزها عن غيرها، وبذلك تكون كُلُّ قصيدة بناء مستقلا عن الأبنية الأخرى.
إن هذا النص الشعري يمثل في ذاته وبصورة خاصة لغة منظمة، هذه اللغة موزعة إلى وحدات لفظية، بحكم أن هذا يُعد أبسط المحاولات وأكثرها تلقائية في توزيع النص إلى وحدات دالَّة. هذه الوحدات المستخدمة تندمج ضمن شبكة لغوية واسعة، إمَّا أن تبقى مرجعيتها سطحية، وإمَّا أن تتولد منها لغة جديدة، حسب السياق الذي يفرضه النص ؛ فتولُّد لغة جديدة جاء نتيجة انزياح عن اللغة العادية. فـ” الشعر يُعبِّر عن مفاهيم وأشياء تعبيرا غير مباشر “، كما أنهَّ يعبر تعبيرا مباشرا فيفقد شعريته.
وأنا أقرأ ديوان المكلا القمري، لفتت نظري قصيدته المسمطة، التي هنأ بها السلطان خليفة بمناسبة عيد الجلوس، هذه التهنئة تعد من الروابط السياسية والاجتماعية القوية، بين أهل جزر القمر ـ الذي يمثلهم الشاعر الكبير المكلا القمري ـ وبين السلطان خليفة، الذي يمثل الدولة العمانية في حكومة زنجبار.
يقول مكلا القمري:
حبذا عيد الجلوس طابت بعودته النفوس ولنا به أحلى كؤوس
دارات بصهباء الهنا
عاد عودا أحمدا جعل السرور مجددا فرأى العلى والسؤددا
ثبتا لمن حاز الثنا
الثناء للملك الأبر منذ اكتسى شيما غرر فجلا بها حسن الخبر
للسامعين مبينا
أنت خليفة من علا قدرا فعاش مجلالا أعلا المعارف للمــلا
في زنجبار فأحسنا
يارب وفر خيره دوما ووسع بره وكذاك طول عمره
مع نجله ياربنا

تلك المفردات بلغتها التكوينية، واكتنازاتها الدلالية، حملت معاني سامية من شاعر أحب زنجبار، ومن كان يحكمها، وتلك سلوكيات لا ينطق بها إلا من ذاق المعروف والإحسان، وشعر بالفضل من قبل حكام تلك الديار؛ لذلك وجدنا لغة الاندماج العلائقي بين الشاعر القمري، والموصوفين بذلك الوصف الجميل.
جاءت هذه الإنشادات في يوم له مكانته السياسية المرموقة، عند حكامه ومواطنيه، فعبرت بلغة الانتشاء والإعجاب، والحب العميق، وهو ما يمكننا التعبير عنه بأن الروابط تزداد متانة وقوة، بين جزر القمر وزنجبار، من جراء هذه التواصلات.
نعم هي كلمات شعرية تدفقت من شاعر قمري، أعطت الانطباع الجميل للعلاقات الحميمية بين هاتين الدولتين، وإلا لما عبر الشاعر في أكثر من موضع عن الإعجاب بالسلطان، والمجتمع والسياسية التي تنهجها زنجبار مع المقمين والجوار.

البعد الاجتماعي العلائقي بين زنجبار وجزر القمر
النص الأدبي بمفرداته يصور الأبعاد الحياتية للمجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، إلا أن وقفتنا هنا ستكون عند بعد الروابط والعلاقات الاجتماعية، فالنص الشعري دائما يعكس نبضات الشاعر وشعوره، ومن هنا جاءت مفردات الشاعر المكلا القمري؛ لترسم البعد الاجتماعي المتمثل في صياغة العلاقة بين زنجبار إبان حكم السلطان خليفة بن حارب وجزر القمر المجاورة لها، هذه العلاقات تمثلت في مواضع كثيرة، منها العلاقات التي صنعها السلطان خليفة مع جزر القمر؛ مما جعل أبناء جزر القمر يندمجون مع أبناء عمان بزنجبار، في العمل بالمؤسسات، والتصاهر، والتعايش، وغير ذلك.
وقد برز ذلك في معجم النص الشعري بوصفه جزءا هاماً في بنائها، كما يعكس المستويات المختلفة لواقع القصيدة، دينية، وثقافية، واجتماعية، وتاريخية، بشكل عام ؛ فهو يمثل الرصيد الخام الذي يتألف منه الكلام ؛ فالشاعر ينتقي من مفردات اللغة ما يتلاءم مع تجاربه، مما يجعل ذلك الاختيار حرا لمفرداته، حسب ما يقتضيه الموقف الشعري.
فالنص الشعري يمثل في ذاته وبصورة خاصة لغة منظمة، هذه اللغة موزعة إلى وحدات لفظية، بحكم أن هذا يُعد أبسط المحاولات وأكثرها تلقائية في توزيع النص إلى وحدات دالَّة.
هذه الوحدات المستخدمة تندمج ضمن شبكة لغوية واسعة، إمَّا أن تبقى مرجعيتها سطحية، وإمَّا أن تتولد منها لغة جديدة، حسب السياق الذي يفرضه النص؛ فتولُّد لغة جديدة جاء نتيجة انزياح عن اللغة العادية. فـ” الشعر يُعبِّر عن مفاهيم وأشياء تعبيرا غير مباشر” كما أنهَّ يعبر تعبيرا مباشرا فيفقد شعريته.
هذه الإيحاءات رصدتها مفردات الشاعر القمري في مدونته الشعرية التي صدر بها ديوانه في تهنئة السلطان خلفية والإعجاب بحكمه، كما وجدت عددا من القصائد للشاعر المكلا القمري دخلت بقوة في البعد الاجتماعي، وهي مفردات رثى بها العلماء الكبار العمانيين في زنجبار أمثال الشاعر الكبير أبي مسلم البهلاني التي قال فيها:
أرى اليوم قولي لا يفي مراثيا وأنى يفي والرزء أعيا لسانيا
إلى أن قال:
وها هو داع نلته اليوم معلنا بفاجعة كبرى وأبدى مقاليا
آلا وهي فاجعة ابن سالم ناصر أبي مسلم من كان للخير ساعيا
ومنها ما جاء من تهانٍ لعلماء آخرين عاصروه أمثال الأديب الشيخ محمد بن علي بن خميس البرواني والشيخ عبدالرحمن بن محمد الكندي والشيخ راشد بن سليم الغيثي وغيرهم.
هذه الإيحاءات تشير إلى عمق الترابط وأواصر المحبة بين العمانيين في زنجبار وبين جزر القمر متمثلة في السلاطين والعلماء والأدباء، وإلا لما صدح صوت القمري في أبناء عمان في زنجبار واصفا إياهم بالنبل وروح المودة وأواصر المحبة.
وبعد هذا التمهيد سنقف وقفة أدبية مع قصائد الشاعر ملا القمري في مدح وتهنئة السلطان خليفة والتي عبرت بروحها عن الاندماج الروحي للشاعر القمري مع أهله في زنجبار:
قال القصيدة الأولى في توديع سلطان زنجبار السيد خليفة بن حارب لما سافر الى بلاد الانجليز عام 1929م:
جاء في مطلعها:
لا في السكون تمادى كل ذي همم إذ ليس يدعى جمادا واجد النسم
سافر إلى الغرب مثل الشمس إن غربت عادت إلى الشرق تبدي النور للأمم
الطرف يعجز عن إدراك جوهرها عجزي عن القول فيما حزت من شيم
ياأيها الملك السامي أرومتــــــــــه حياك ربي حليف المجد والكــــــــــرم
تحكي طلاقة وجه منك قائلــــــــة أنت الجدير بنيل العز والشمـــــــــــــم
فليس تعرف غير البر محتسبـــــا لله فيمن وهى للفقر والسقـــــــــــــــــم
واقبل مديحك مني موجزا وبـــــه أحلى معاني جلا بالفكر والقلــــــــــــــم
فاسلك سبيلك شهما والأمير لدى يماناك يرعاكما ذو الحول والنعم
عالج النص بعدا اجتماعيا وسياسيا وصف فيه السلطان خليفة بالمجد والسؤدد، وأنه إليه الإمارة والقيادة، كما أشارت المفردات اهتمام السلطان خليفة بذوي العوز والفقر، ولربما يشير من بعيد اهتمامه بالذين هاجروا إلى زنجبار من القمريين وغيرهم ففسح لهم الحياة الهنيئة الطيبة ويسر لهم سبل الحياة الكريمة، وأتاح لهم العمل في الجهزة الحكومية، كل ذلك يعد قويا في تقوية الروابط بين البلدين جزر القمر وزنجبار.
وإذا ما قرأنا النص التالي، والذي عبر به الشاعر الملا القمري عن الترحيب، بالسلطان خليفة بعد عودته من رحلته الميمونة والتي كانت زيارة لبريطانيا البلد الحامي لزنجبار إبان تلك الحقبة، لقد جاءت القصيدة ولسان حالها ينطق بالابتهاج لعودة السلطان المبجل:
لسان حال بلادي فاه بالخطب مهنئا من بدا من ضئضئ العرب
وصار يبدي له الترحيب مبتهجا لما رأى عوده عونا لذي نصب
إن الحقول الدلالية ” التي يتكون منها المجال الإدراكي عند الإنسان، لا تحتاج حين نتواصل في شأنها عبر اللغة الطبيعية، إلى العقل، والفهم الثاقب، والقبول والاصطفاء، والاستئناس بالقرائن ؛ لأنها حقول متماهية مع هذه اللغة، ومنظمة بحسب معطياتها الصوتية، والصرفية ـ الاشتقاقية والتركيبية إلى الحدِّ الذي يجعل كل حقل دلالي نتيجة مباشرة لنظام اللغة أو بنيتها، وهو ما يسفر عن تداول هذه الحقول تداولاً مشتركا يظل هو نفسه في كلِّ وضعٍ تواصلي ضمن حياتنا اليومية “.
فالسياق الدلالي يوحي بأن المتكلم وهو الشاعر القمري كأنه واحد من مواطني زنجبار ولم يكن يشعر بغربة في هذا البلد، والدليل على ذلك قوله:لسان حال بلادي ” فلم يقل زنجبار؛ بل قال بلادي وهذا غاية في التمازج الروحي والنفسي والجسمي مع مجتمع زنجبار وسلاطينها، وهنا تبرز السياسة الداخلية والخارجية لسلطان زنجبار الذي لم يفرق بين المواطنين والمقيمين، وهو ما انعكس على التعبيرات التي ساقها الشعراء والأدباء وغيرهم.
ثم يتواصل النص بمكتنزاته الفكرية حاملا لغة الانصهار، وواصفا الممدوح المهنأ بأنه شمعة أضاءت الوطن بعد ظلمة انطفأ فيها المصباح فعادت الإضاءة بعد غياب، وتلك صور إيحائية عبر بها الشاعر عن السلطان خليفة الذي كان أشبه بالمصباح المنير وبمجرد هجرته أيام تحولت تلك الدار إلى مظلمة حتى عاد إليها فاكتست بهاء وضياء”.
ذا بدر مقدمه الأسنى أضاء لنا جو القلوب فأجلى غيمة الكرب
قد ظل منتظرا هذا الإياب إلى أن جاء في وقته فاهتز من طرب
لم تكن الصورة صورة حسية فحسب؛ بل جاءت صورة الشاعر القمري صورة تحمل في طياتها صورا بعيدة وذات دلالات عميقة، كونها وصفت السلطان خليفة، بأنه رجل ارتقت البلاد في عهده، وكان لها قصب السبق في التطورات الفكرية والتكنولوجية وغيرها مما سبقت بلدنا أخرى:
ياأيها الملك المأنوس طلعته بك البلاد ارتقت في العلم والأدب
بك البلاد انتحت نحو العلا ولنا من يمن مسعاك عصر قد من ذهب
ولو عشنا مع مفردات الشاعر القمري مفردة مفردة لتبين لنا البعد السياقي والدلالي المكتنز في طياتها، وما تضمنته من أبعاد أخرى، ومنها قوله: “ولنا من يمن مسعاك عصر قدّ من ذهب ” وهذه العبارة كافية في دلالتها على ما يقدمه هذا السلطان من خدمات لغير المواطنين، وتلك دلالة مباشرة من الشاعر القمري للإشارة إلى قوة الترابط السياسي والاجتماعي بين البلدين.
إننا لا ننظر إلى الكلمة منعزلة عن سياقها، وإلاَّ فقدت قيمتها، فالتوافق مع غيرها من المفردات أساس لدلالتها ” إذ كلُّ كلمة تضفي على التي تليها لونا منها وسوف تكتسب أو تفقد هذا التأثير تبعا لموقعها في السطر”. وقد أكَّد ذلك عبد القاهر الجرجاني قبل المحدثين بقرون، إذ عانق بين اللفظ والمعنى.
إن الروابط والنغمات المستمدة من أنواع المفهومات والتصورات ضمن السياق النصي، تشكل اللغة المعجمية حسب الثقافة المنتمية لها، فالثقافة الدينية تجلَّت واضحة جلية في هذه المقطوعة الشعرية.
وسجل الشاعر الملا القمري عبارات أخرى تشير إلى مبدأ الترابط والتعايش، والدليل هذه المفردات التي أخرجتها المشاعر الجياشة للقمري نحو السلطان خليفة، ففي يوم استلام السلطان خليفة بن حارب وساما برطانيا، ما كان من الملا القمري إلا أن انبرى مسجلا بمفرداته المعبرة هذه الأنشودة الرائعة بدلالاتها العميقة روح الإعجاب والفرح له بذلك، كما أن الشاعر في أغلب قصائده تتصدر مفردات التطور والترقي التي يقدمها السلطان لأبناء وطنه ومن عاش معهم، وهنا تجسدت مفرادات عبرت بلغة عميقة ما كان يقدمه السلطان خليفة للمدارس من دعم جعلها منبرا علميا راقيا، لأن الأمم والشعوب ترقى إذا اهتمت بفكر مجتمها، ومعارفهم، وهذا ما سجلته مفردات الشاعر:
رأى في رعاياه التأخر فانبرى يثمن أعمال التقدم بالغـــــــال
ينشط أبناء المدارس كلمـــــــا رأى ابنا تقدم كافأ الابن بالمال
فيعمل هذا الجود والوجه طلقة ويسعف ذا عجز وذا الضر في الحال.

المصادر والمراجع:
- أبي سنة، إبراهيم، مستويات البناء الشعري،دراسة في بلاغة النقد – شكري الطواسني – الهيئة المصرية للكتاب – ت 1998 – ب – ط.
- بلمليح، إدريس،المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب من خلال المفضليات وحماسة أبي تمام، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الرباط – ط – 1 ت – 1995.
- الجرجاني، الإمام عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تعليق، السيد محمد رشيد رضا – دار المعرفة – بيروت لبنان – ت – 1981 – ب – ط.
- الطريسي، أحمد ” النص الشعري بين الرؤية البيانية والرؤيا اإشارية ” مطبعة الطريس للنشر والتوزيع، الرباط – المغرب – ت2000.
- لوتمان، يوري، تحليل النص الشعري، ترجم – محمد أحمد فتوح – إصدارات النادي الأدبي الثقافي – جدة – ط 1 – ت – 1999م.
- معتصم، محمد، دلائليات الشعر ” – ترجمة ودراسة، منشورات كلية الآداب – الرباط – ط1 – ت 1997
- المغيري، سعيد بن علي، جهنية الأخبار في تاريخ زنجبار، بن علي، وزارة التراث القومي والثقافة.
- مكلا القمري، برهان محمد، البرهانيات – مجموعة قصائد ومقطعات وأناشيد، مخطوط بمكتبة الباحث

* ورقة بحث مقدمة للمؤتمر الدولي الخامس لهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العمانية الذي اقامته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في جزر القمر خلال الفترة من 6 وحتى 8 ديسمبر 2016م

Friday, January 6, 2017

The great literary works of the Sheikh Abdulla Saleh AL Farsy

The great literary works of the Sheikh Abdulla Saleh AL Farsy
1912-1982
By: Ali Said Al Mandhry
7th Decmber 2016
ive.google.com/file/d/0B2Ecuc06Le8DTEl6WkhrYURLNk0/view?usp=sharing

Tuesday, January 3, 2017

سماحة المفتي في حديث خاص لــــ عمان :عمان لها علاقات تاريخية قديمة بشعوب العالم لاسيما افريقيا والهند والصين وفارس

سماحة المفتي في حديث خاص لــــ عمان
العمانيون حملوا مشاعل الاسلام والسلام الى ارجاء العالم
العمانيون عرفوا بمهاراتهم البحرية منذ قديم الزمان
عمان لها علاقات تاريخية قديمة بشعوب العالم لاسيما افريقيا والهند والصين وفارس
أول مسجد بأفريقيا بناه آل الجلندى في القرن الأول الهجري
الشعوب الافريقية تسكن الى العمانيين وتطمئن اليهم
زنجبار نقطة الانطلاق لنشر الاسلام في الشرق الافريقي
  الجزيرة الخضراء سفر لم تقرأ أحرفه حتى الآن
حاوره بدار السلام: سعيد بن خلفان النعماني

مدارس الجاليات العمانية بزنجبار

مدارس الجاليات العمانية بزنجبار
زارها : سعيد بن خلفان النعماني

المباني التاريخية بزنجبار

المباني التاريخية بزنجبار
سعيد بن خلفان النعماني

Friday, December 30, 2016

الدكتورة بشارة المعولية ... عمر طويل في خدمة العلم والتعليم

حاورها
سعيد بن خلفان النعماني
هنالك من النساء العمانيات الأصل اللاتي أثـَّـرن بشكل كبير في المجتمع الأفريقي ، من خلال التفاني من أجل العلم لإدراكهن أن أفريقيا ليست بحاجة ماسة لأن تمحى أميتها فحسب؛ ولكن يجب أن ترقى وتسمو بأفرادها وشعبها إلى مصاف الدول الكبرى ، ولذا كان العلم والتعليم من أولويات التأثير والوجود العماني في شرق أفريقيا ، ومن هنا ينظر إلى العمانيين أنهم ليسوا تجارا يبحثون عن المال ولكنهم ينشرون حضارة عريقة بنيت أسسها على تقدير وحب المجتمعات التي استضافتهم ردحا من الزمن ولذا كان رد الجميل واضحا في كل مكان ، فالمدارس والكتاتيب التي شهدت انطلاق العلماء والأدباء هي نفسها باقية حتى الآن تقوم بدورها التاريخي وتؤدي التزامها الإنساني نحو تلك الشعوب .
الدكتورة بشارة بنت ثنيان المعولية ، تعد من الجيل السادس من أجدادها الذين أتوا من عمان إلى شرق إفريقيا ، ولدت في بلدة مكانجوني بالجزيرة الخضراء ( بمبا ) ، بل إن جدها وجد جدها ولدا في المنطقة نفسها. التقيت بها في منزلها الجميل بزنجبار ، تعيش فيه وأولادها بعد أن خدمت العلم جل عمرها ، فتقاعدت عن الوظيفة ولكنها لم تتقاعد عن دورها ومهمتها العلمية في نشر العلم والثقافة ، فهي تعتبر بحق مرجعا علميا وتاريخيا لتنزانيا . حدثتني عن نفسها فقالت : اسمي بشارة بنت ثنيان بن مبارك بن بدو بن سالم المعولية، توفي أبي في عمان وأمي ما تزال على قيد الحياة ، وهي تعيش في عمان وكذلك بعض أخوتي الذين يعيشون في عمان.
وقالت الدكتورة بشارة المعولية : وبالنسبة لجدي من أمي فقد كان محاميا في المحاكم الجزائية ، وفي الواقع فإني أنحدر من أسرة اتخذت العلم والثقافة نبراسا لها .
ومازلت أتذكر مرساة السفينة التي ركبها جدنا الأكبر وهو في طريقه إلى الجزيرة ، فهي باقية حتى اليوم في بلدة مكانجوني بالجزيرة الخضراء (بمبا). فنحن من أسرة مبارك بن بدوي ، هذه الأسرة التي تصاهرت مع المزاريع الموجودين في الجزيرة ونحن امتداد لتلك الأسرة فهي أسرة قديمة قدم التاريخ العماني بشرق أفريقيا. ولدت العام 1948 ، وكان أبي حينها مدرسا ثم إداريا وسافر إلى بريطانيا العام 1955 ليتخصص في الإدارة العامة وربانا منذ البداية تربية على التعليم ، أما جدي فقد كان أيضا مدرسا ثم تحول إلى الإدارة العامة . الكفاح من أجل العلم
ثم واصلت التعليم العالي لمدة سنتين ونجحت بامتياز ثم قررت أن ألتحق بالجامعة وفي ذلك الوقت لم يكن من السهل أبداً الدراسة بالجامعة لأن الحكومة – في ذلك الوقت - منعت الناس من مواصلة الدراسة بعد الصف الثاني عشر ، ولكني تجاوزت هذه المحنة وتقدمت بطلب الدراسة في جامعة دار السلام فتمت الموافقة ، وتكفل بعض أهل الخير هناك بتكاليف دراستي حتى حصلت على شهادة البكالوريوس في علم الاقتصاد والجغرافيا ، وبقيت في تنجانيقا ( تنزانيا البر ) ، كمدرسة حتى عام 1972 ثم جئت إلى زنجبار بهدف تجديد جواز سفري ، وبمجرد وصولي زنجبار مُنعت من الخروج ، وأجبرت على العمل في زنجبار ولكن أنا وزوجي وأهلي كافحوا لمدة سنتين ونصف من أجل تخليص من هذه الحالة وإخراجي من زنجبار، ذلك لأني تزوجت في سنه 1975 وما زلت طالبة في الجامعة ، ورجعت من البر العام 1974 وبقيت هناك حتى العام 1993.
وعن بدايتها العلمية قالت : تعلمت في الجزيرة الخضراء ( بمبا) إلى الصف الثالث ثم جئت زنجبار لأن والدي نُقل للعمل بزنجبار ، ولكني واصلت الدراسة من الصف الرابع حتى الصف السابع بالقسم الداخلي بالمدرسة بسبب وجود عائلتي بزنجبار ، ثم نُقلت لمواصلة الدراسة الثانوية ، والتحقت بمدرسة السيدة معتوقة سنة 1962م وأنهيت الصف الثاني عشر العام 1965. الحياة العلمية وحدثتني عن شتى الوظائف التي عملت فيها فقالت : عملت مدرسة في المدارس الثانوية ثم مسئولة في وزارة التعليم ، ومسئولة في قسم التخطيط في وزارة التعليم نفسها ثم تحولت إلى باحثة –بإيعاز من الوزارة –فألفت كتباً أنا وزملائي تتركز حول التربية والتعليم في تنزانيا ، ومن ضمنها كتابا بعنوان أثر توظيف من بلغوا الصف الثامن كمعلمين على المستوى التعليم بتنزانيا ، وكتابا آخر حول محو الأمية وكيف أفاد المجتمع التنزاني .
بحمد الله نجحت ومنحت شهادة الدكتوراه عام 1990م، وعندما كنت في مقاعد الدراسة باستراليا تلقيت رسالة من (منظمة جمعية) في أغاخان تطالبني بالعمل معهم في مشروع يسمى (التعليم ما قبل الدراسة ) ومن الأماكن التي يشملها هذا المشروع كينيا وأوغندا وتنزانيا ، وبعد مفاوضات وافقت على العمل معهم في عام1993م ، حيث عينت في هذه المؤسسة التعليمية كمشرفة عامة ثم ترقيت إلى مديرة عامة وبعدها إلى منصب (القائم بأعمال المنسق العام) لهذه المؤسسة في هذا المشروع في المستوى الشرقي الأفريقي كله.
وقالت : لقد حصلت على منحة دراسية من الكومنولث فسافرت إلى كندا مدة سنتين ، وهناك تخصصت في علم جديد يتركز حول كيفية تعليم الأولاد الصغار التعليم الأساسي، فحصلت على شهادة الماجستير وأخذت بجانب هذا التخصص تخصصا آخر وهو كيفية تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية ، وعند عودتي بقيت في الدراسة كمشرفة في مجال تدريس الصغار فجمعت تقارير عدة من عدة وزارات فألفت كتابا يعنى بهذا المجال مشتملا على أموراً كثيرة تتعلق بسياسة وفلسفة التعليم في تنزانيا ، وتدريب المعلمين إضافة إلى مواضيع أخرى متعددة . وبجانب عملي في الوزارة كنت اعمل مع منظمة اليونيسيف وأيضا كنت أعمل في مكتبة رئيس الوزراء وتوكل إلي المهام التي تدخل في اختصاصي العلمي ، وحصلت على منحة دراسية أخرى للدراسة باستراليا العام 1987م للحصول على شهادة الدكتوراه في جزئية أخرى من تخصيص السابق المتعلق بالتطور الاجتماعي والعاطفي للأطفال الصغار.. والآن تقاعدت لأستريح قليلا وفي هذه الفترة فترة الاستراحة أعمل متطوعة –في جمعية الاستقامة –لتدريب المعلمين في كيفية تدريس الصغار وكيفية إعداد واستخدام الوسائل التعليمية أثناء التدريس ، وأقدم لهم المشورة بين الحين والأخر في مجال تعليم الأولاد. حياتها الاجتماعية
وكذلك كان حال والدهم الذي كان له الدور الكبير في تكوينهم العلمي لاسيما عند سفري للدراسة بكندا ، فهو الذي كان يتولى شؤون الأسرة وتعليم الأولاد ، وكذلك عندما سافرت إلى استراليا ، بقي هو مع الأسرة ، وأعتقد لو لم أكن بهذا المستوى من العلم لما وصلوا أولادي إلى ما وصلوا إليه.
وحدثتني عن حياتها الاجتماعية فقالت : إنني متزوجة منذ سنة 1970م ولي ثلاثة أولاد ذكور وعدد من الأحفاد ، وأكبر أولادي عمره 33 سنة وأصغرهم عمره 27سنة ، وتوفي زوجي العام 2002م وأولادي كلهم تخصصوا في الهندسة الكهربائية فابني الأكبر –كان مديرا للمبيعات للشركة لشركةBp ثم رقي إلى مسئول بجنوب إفريقيا والآن رقي إلى مدير الشبكات شرق ووسط إفريقيا. الدور الكبير: وسألتها عن دورها كأم وأثره في تنشئة أبنائهم هذه التنشئة العلمية مما جعلهم يسيرون على خطاها فقالت : أعتقد أنني لعبت دورا كبيرا في تعليم أولادي –لأن والدهم كان مشغولا جدا بالأعمال وكان لا يرجع إلا في وقت المساء، مما جعلني أتحمل عبء تعليمهم وتثقيفهم ، والحمد لله تعالى - لقد ساعدتهم كثيرا وذلك منذ أن كانوا في مدارس الروضة –كنت أجلس معهم وأعطيهم دروسا إضافية -وكنا أكثر جدية عندما بلغوا المرحلة الإعدادية وكنا نجلس معاً كأننا في مدرسة وأعلمهم وأتابع دروسهم في دفاترهم يوميا وحينما يحتاجون إلى مدرس إضافي كنت أوفر لهم، مما جعلني أنفق الكثير من الأموال من أجل شراء الكتب حتى تساعدهم في نمو معارفهم وزيادة اكتساب العلم في اللغة الإنجليزية والسوا حلية. وحول سؤال عن الدراسات والبحوث التي شاركت في إعدادها لاسيما ما يتعلق بالحضارة العمانية في شرق أفريقيا فقالت : في الحقيقة لم أشارك في دراسات من هذا النوع لأنني لم أتخصص في التاريخ ، ولكن بالتأكيد هنالك من كتبوا في هذا المجال . دور اجتماعي بارز:
وحدثتني عن دورها الاجتماعي الشخصي فقالت : نعم ، إن دوري لم يقتصر على عملي والوظائف التي شغلتها فأنا والحمد لله متفانية – قدر استطاعتي من أجل المجتمع ، فكثيرا ما أتوجه إلى القرى النائية التي لا تصلها السيارات وفي الساعة السادسة فجرا ، حتى الواحدة مساء من أجل مساعدة التجمعات الفقيرة في إنشاء مدارسهم الخاصة ، لا سيما الكتاتيب ، وعندما ننزل إلى هذه القرى .. يجب علينا أن نعيش واقعهم وأن نكون مثلهم ، ولذلك كانت لي الكثير من المساهمات في تنمية وتطوير المجتمعات الفقيرة في توعيتهم لإدراك معنى التعلم وأهميته بشكل خاص في مجال تعليم الصغار ، وبالطبع غرس السلوك الديني الحميد في حياة الفرد ، وضرورة تعلم الدين الإسلامي ، وهذا العمل مارسته لمدة عشر سنوات ، وهو عمل شاق جدا ، وأحيانا يلزمنا دفع ما في جيوبنا لمساعدة بعض الأسر في توفير الحاجات
الضرورية .

ما تفاصيل حرب المقاطعة والقرنفل بين العمانيين والهنود في زنجبار؟

أثير – تاريخ عمان
إعداد: نصر البوسعيدي
حينما تورّط العالم في الصراع الدموي في الحرب العالمية الأولى، كانت زنجبار من الأماكن التي تأثرت كثيرا بالأوضاع المتردية التي صاحبت الحرب، وما تلاها من خراب، وانهيار اقتصادي ذهب ضحيته الكثير.
فزنجبار كانت تحت السيطرة البريطانية حالها من حال كل المستعمرات التي استطاع الأوربيون تقاسمها فيما بينهم، لذلك من الطبيعي أن تتأثر زنجبار واقتصادها بالحرب وآثارها التي تنعكس على الشعب الزنجباري، ومنهم العمانيون خاصة لا سيما، وهم من يملكون أغلب مزارع القرنفل التي تعتبر مصدر الثروة الحقيقية في اقتصاد زنجبار حالها حال ثروة البترول اليوم وأثره في اقتصاديات دول المنطقة على سبيل المثال.
في عام 1919 م وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت الأوضاع الاقتصادية المتردية عالميا تلقي بضلالها على زنجبار، وأهلها وخاصة بعدما أغلقت الكثير من الشركات الألمانية التي كانت تعمل بشكل عام في شرق أفريقيا، ودخل الاقتصاد الزنجباري في دوامة الأزمة العالمية، والكساد الخطير الذي اجتاح العالم بداية من عام 1929م نتيجة هبوط أسعار شركة ” كلوفز “، و”كوبرا”.
ومن هنا نشبت أزمة مديونية المزارعين في زنجبار وبالأخص العمانيين الذين عانوا كثيرا في مزارع القرنفل نتيجة الفائض المعروض في الأسواق العالمية والذي نتج عنه تدهور الأسعار بشكل خطير.
ولذلك، فقد حاولت الحكومة البريطانية إنقاذ الموقف بسبب اعتماد ميزانيتها على محصول القرنفل بإنشاء مخازن لحفظ قرنفل المزارعين بالمجان، مع شق الطرق في مناطق المزارعين وربطها بالمدينة لتسهل على الجميع عملية البيع والتصدير، بالإضافة إلى توفيرها لبعض الإعانات المالية لملاك المزارع تراوحت بين (10 – 15) روبية عن كل 200 شجرة قرنفل في المزرعة الواحدة لمساعدتهم في حصاد المحصول الذي كان يحتاج إلى أيد عاملة كبيرة وكانت تأتي من البر الأفريقي غالبا للعمل في مزارع القرنفل، وخاصة في موسم الحصاد.
وفي عام 1920م قامت الحكومة في زنجبار بقطع الإعانات المالية عن المزارعين الملاك الأمر الذي أدى إلى تورط الكثير من العمانيين ملاك المزارع بالتعامل مع الهنود، والاقتراض منهم، وكان الهنود بجشعهم لا يقرضونهم الأموال إلا بفوائد عالية مجحفة تراوحت ما بين (20 – 30 %) بشرط أن يتم تسديد كامل الدين في ثلاث سنوات، وإن عجز صاحب الأرض من ذلك يتضاعف الدين، وبالتالي يستولي الهندي الدائن على المزرعة.
ووفقا لذلك ولصعوبة الموقف والكساد الاقتصادي تورط أغلب العمانيين بعدم المقدرة على السداد في المدة المحددة مما تسبب بأن تؤول ملكية الكثير من مزارعهم للدائنين الهنود، وقد بلغ عدد أشجار القرنفل التي انتقلت ملكيتها للهنود ، على سبيل المثال، في عام 1922م إلى أكثر من 125000 شجرة!
ومما لا شكّ فيه أن الأمر كان سلبيا للغاية، بالنسبة للعرب العمانيين، فكان من الصعب عليهم تقبل أن يفقدوا مزارعهم وشجر القرنفل مصدر دخلهم، وكان أغلبها إرثا تعاقب عليها جيلا بعد جيل.
ولقد أصبحت هذه المشكلة كذلك من ضمن اهتمامات وزارة المستعمرات البريطانية لخطورتها على الوضع في زنجبار ومديونية العرب بشكل عام للهنود، وهو الأمر الذي استدعى عقد اجتماعات متكررة مع أعضاء الجمعية العربية لتوضيح أهمية معرفة تلك الديون، وحصرها وتسجيلها في الجهات المختصة بالحكومة للوصول إلى حل يقلل من خطر المشكلة إلا أن ذلك لم يقابله الكثير من التجاوب بسبب إخفاء الكثير من العمانيين مشكلة ديونهم.
ولذلك، وبعد تفاقم المشكلة أصبحت الغالبية الساحقة من ملاك الأراضي الزراعية في زنجبار من الفقراء بسبب مصادرة المرابين الهنود لأراضيهمن وأخذ الناس بكل حزن، وألم يشاهدون منازلهم تباع في المزادات العلنية، وبقية ممتلكاتهم تصادر عنهم مما نتج عنه مشكلة حقيقية وحالة من الكراهية والغضب واختلال للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في زنجبار.
ومن هنا فقد اتخذت الحكومة البريطانية بعض الإجراءات للحد من خطورة هذا الأحداث على الاقتصاد الزنجباري باعتبار أن دخل المحمية كان يعتمد بشكل كلي على تجارة القرنفل، وأول هذه الخطوات كانت في عام 1923م حينما تبنّت الحكومة برنامج إمداد مزارعي القرنفل بالنقد السريع لتسديد الديون المستحقة عليهم وحث ملاك المزارع وبالأخص العمانيين على زيادة زراعة أشجار القرنفل من أجل زيادة الإنتاج والأشجار الغير مرهونة.
وبسبب قلة الأيدي العاملة، لم تستطع إدارة الزراعة في زنجبار الإشراف بشكل مثالي على هذا البرنامج لمدة عشرة سنوات ،ولذلك كانت النتيجة سلبية، ولم تأت بثمارها، وتفاقمت أزمة الديون بشكل أكبر في بدايات عقد الثلاثينيات وتفاقمت أكثر بسبب عدم استقرار أسعار القرنفل في الأسواق العالمية بالرغم من تحسن أسعار ما بين عام 1913م إلى عام 1929م إلا أن مرحلة الكساد العالمي التي تلت عام 1929م تسببت في تهاوي أسعار القرنفل بشكل غير مسبوق في الأسواق العالمية.
وفي عام 1933م قررت الحكومة تشكيل لجنة من قبل وزارة الزراعة لحل مشكلة الديون وتهاوي أسعار القرنفل واقتصاد زنجبار، وخلصت اللجنة إلى أهمية إنشاء جمعية منتجي القرنفل تضم جميع من يملك مزارع القرنفل بهدف السيطرة على كميات الإنتاج، وتكاليفها بتوفير مخازن بالمجان لحفظ منتج القرنفل، وحل مشكلة الديون للمرابين الهنود، وتقديم قروض للمزارعين من أجل تحصيل المنتج بفوائد مالية منخفضة.
وبالفعل تأسست الجمعية في عام 1928م بالقرب من ميناء زنجبار، وحققت في البداية إقبالا كبيرا من قبل الأعضاء الذين بلغ عددهم 9000 عضوا بسبب تعهد الحكومة بتقديم الإعانات المالية لهم، ولكنها ما لبثت أن فقدت الكثير من الأعضاء نتيجة عدم مقدرة الجمعية من الالتزام بوعودها في تقديم الإعانات المالية للمنتسبين لها، وأصبحت غير فعاله لعدم تمكنها من الحفاظ على أسعار القرنفل في السوق رغم طلبها من الحكومة بتأسيس بنك محلي لدعم عمليات البيع والشراء، ولذلك فقد بادرت الحكومة لإنشاء مخازن إضافية لتخزين محصول القرنفل وعدم بيعه بكميات كبيرة إلا بحاجة السوق للحفاظ على الأسعار التي تهاوت كثيرا، حاله من حال الأزمة التي تعاني منها اليوم الدول المنتجة للنفط نتيجة زيادة المعروض في السوق وتهاوي الأسعار لأدنى من المتوقع.
وفي عام 1934م بدأت الأحداث تسوء بشكل أكبر، فقد تهاوت فيه أسعار القرنفل بشكل كبير وشكل كارثة حقيقية على الاقتصاد الزنجباري، والأهالي، وخسر ما يوازي 70% من قيمته بالمقارنة مع موسم عامي 1927م و1928م مع عجز الإدارة البريطانية من حل المشكلة رغم جهودها، وتشكيلها لعدة لجان للوصول لحل يقلل من هذه الكارثة، ووقعت الحكومة في معضلة حل أزمة المديونيات لمنع تدهور انتقال الأراضي من ملاكها نتيجة عدم مقدرة المزارعين من سداد الدين للمرابين الهنود والمحافظة بنفس الوقت على المصالح الآسيوية في المنطقة، ولكنها في الأخير ارتأت الحكومة البريطانية من إصدار قرار يقتضي بمنع تحويل الأراضي والمزارع التابعة للعرب إلى الهنود وتجميد جميع الديون مؤقتا حتى الخروج من الأزمة.
ومن ناحية أخرى تمكنت جمعية منتجي القرنفل في عام 1937م من السيطرة على تجارة القرنفل برفقة هذه الإجراءات التي تم اتخاذها، وأوجدت في المجتمع الزنجباري حراكا اتسم بالصراع بين الهنود والعمانيين ملاك المزارع.
لقد استثارت هذه الإجراءات الجالية الهندية في زنجبار، ودفع بالجمعية الهندية إلى عقد اجتماع طارئ في 19 / 4 / 1937م للاحتجاج على هذه الإجراءات بخصوص منع الحكومة انتقال الأراضي إليهم نتيجة عجز الملاك من دفع الديون بالفوائد الخيالية التي ذكرناها مسبقا، وكذلك احتجاجا على قرار جمعية منتجي القرنفل بالتحكم في عملية تصدير، وبيع القرنفل مؤقتا، وقدم الهنود وثيقة تظلم للمجلس التشريعي معتبرين أن منع انتقال ملكية الأراضي الزراعية المرهونة لديهم يعد عنصرية ضدهم.
أما العمانيون والأفارقة، فقد عقدوا اجتماعا يؤيدون فيه قرارات القانون الجديد وفي 25/ 7 / 1937م، تم تنفيذ هذه القرارات، ودخلت حيز العمل بها.
وفي الوقت والعام نفسه، قرر الهنود مقاطعة عملية شراء وتصدير القرنفل في زنجبار وبشكل قاطع وأصبحت القضية لها أبعادا سياسية أكبر، وخاصة حينما قرر قادة مستوردي القرنفل الهنود في بومباي من إيقاف عملية استيراد القرنفل الزنجباري لا سيما أن الهند تستورد ما يقارب 40% من القرنفل الزنجباري، مما يعني خسارة اقتصاد زنجبار كثيرا نتيجة هذه المقاطعة التي عمل عليها الهنود بشكل منظم بالإضافة إلى تبني المؤتمر الوطني الهندي قضية جاليتهم بزنجبار، ودعمها بالمقاطعة من قبل جميع أهالي الهند للمشاركة في حملة مقاطعة القرنفل.
وكردة فعل على موقف الهنود، ومقاطعتهم، بدأ العمانيون والعرب بشكل عام التفكير جديا في الرد بالمثل، ومقاطعة جميع المنتجات الهندية، وهو الأمر الذي بدأ يقلق السلطات البريطانية في المحمية الزنجبارية، ولذلك اجتمع المقيم البريطاني (جون هول) بالعمانيين، والعرب في دار الإقامة البريطانية قائلا:
” إنني أمقت المقاطعة، وأمقت المقابلة بمثلها أنهما تلدان عداوة، وشرا وتؤديان بالمرء إلى مأزق لا يدري كيف تكون نهايتهن وعاقبته، ولقد أظهر العرب والحكومة في أثناء مشكلة المقاطعة صبرا جميلا، ونصيحتي لكم أن تستمروا على هذا الصبر، فإنه سيجلب الصبر والرضا”.
إلا أن صبر العمانيين بدأ ينفذ من جراء استمرار ضغط مقاطعة الهنود للقرنفل الزنجباري على رغم من محاولات الحكومة للوصول إلى تسوية لإنهاء المقاطعة.
وفي خضم هذه الأحداث قررت الجمعية العربية، بالترويج لحملة مقاطعة ضد جميع البضائع الهندية في الجزيرة، وفي الاجتماع الذي تم عقده في 17/3/1938م طالب عزيز بن عامر المسروري، وعلي بن ناصر الإسماعيلي بضرورة تبني الجمعية العربية لحملة مقاطعة حازمة ضد الهنود وبضائعهم.
وفي عام 1938م توتّرت أوضاع زنجبار بشكل أكبر نتيجة حرب المقاطعة بين العمانيين والهنود الأمر الذي أدى إلى قيام السلطات البريطانية بإرسال السيد (بوزمن) مندوبا من قبل حكومة الهند لحل الأزمة بين الحكومة، والهنود، ولكن أغلب محاولاته باءت بالفشل.
وفي منتصف عام 1938م بدأت بعض المؤشرات بانفراج الأزمة، لا سيما، حينما بدأ الهنود من خلال الجمعية الهندية في زنجبار يفقدون الدعم الشعبي في الهند لاستمرار المقاطعة، وبالأخص التجار، ومستوردي القرنفل الزنجباري، والذين تأثرت تجارتهم كثيرا من جراء المقاطعة وخاصة المسلمين الهنود الذين أكدوا بأن وحدة المسلمين يجب أن تتخطى الحدود وأن العرب والهنود يجب أن يحلوا مشاكلهم بالطرق السلمية.
وكان لهذا الإيمان من قبل مسلمين الهند الأثر الكبير في كسر المقاطعة، واستئناف العمل في تصدير القرنفل الزنجباري من قبل البعض، مما أدى إلى انقسام الهنود أنفسهم في زنجبار بين مؤيد ومعارض، وهذا الانقسام قد أدى إلى تمكن جمعية منتجي القرنفل التحكم في شراء وتصدير القرنفل مع اتاحة فرص التصدير لبعض التجار الهنود شريطة شراء كميات ثابتة من الجمعية.
وما لبث إلا وأن انفرجت الأزمة بين الطرفين جمعية منتجي القرنفل، والجمعية الهندية في عام 1938م بتوقيع اتفاق تعهد فيه الجميع للمزارعين بأنهم سيحصلون على أسعار مناسبة لمحصولهم من القرنفل في عمليات البيع والتصدير.
وأما فيما يتعلق بقضية الديون، فقد قررت الحكومة بعد المشاورات المباشرة مع حكومة لندن بتأسيس محاكم خاصة لفض المنازعات بهذا الشأن، وحصر الديون، وتثمين المزارع المرهونة، ومن ثم تقوم الحكومة بدفع المبالغ للمرابين الهنود، وفي الوقت ذاته يقوم المزارع بدفع المبلغ للحكومة بأقساط ميسرة، ليتخلص في الأخير العرب من الدين الربوي ولا يفقد بالتالي مزرعته، وأشجار القرنفل بفك الرهن عنها من قبل الحكومة، وهذه الإجراءات لا شك ساهمت بشكل فعال في استقرار الوضع الاقتصادي في زنجبار.
وقد تعلّم العمانيون، من هذه الأزمة كثيرا من أجل وحدتهم، وحماية تجارتهم التي أصبحت تحت قبضة اللوبي الآسيوي نتيجة عدم توحد الصفوف بالشكل الذي يستطيعون من خلاله التحرر من سيطرة المحتكرين للتجارة في تلك الأنحاء.
المرجع: زنجبار في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي ( 1911م – 1960م ) ، دراسة في التاريخ السياسي، أحمد بن خلفان بن علي الشبلي ، دار الفرقد للطباعة والنشر – سوريا – دمشق ، الطبعة الأولى 2015م .