Saturday, October 8, 2016

السيّد خالد بن برغش وعرش زنجبار

د.سليمان المحذوري
جريدة الوطن، ملحق أشرعة، 9 أكتوبر 2016

يُعدّ السيّد خالد بن برغش1 سابع سلاطين زنجبار رغم أنّ اعتلائه للعرش لم يدم سوى يومين 25-27 أغسطس من عام 1896م بعد وفاة ابن عمه السلطان حمد بن ثويني. وعلى الرغم من مؤازرة بعض العائلات العربية إلى جانب جزء من السكان المحليين لحقه الشرعي في المطالبة بحكم آبائه2؛ إلا أنّ الإدارة البريطانية لم تكن راغبةً في توليه عرش زنجبار ومتعلقاتها؛ سيما وأنّ بريطانيا أصبحت لها اليد العُليا في الموافقة على من ترتئيه مُناسباً لحكم زنجبار منذ أن أُعلنت زنجبار محميّة بريطانية عام 1890م في عهد السلطان علي بن سعيد، وبالتالي تحكّم بريطانيا في مفاصل السلطنة العربية 3. وبالطبع فإنّ مُناسبة السلطان للحكم بحسب الرؤية الإنجليزية تعتمد على مدى استعداده لتنفيذ سياستها في المنطقة وعليه فإنّ بريطانيا فضّلت السيّد حمود بن محمد خلفاً للسلطان الراحل باعتباره أكثر ملاءمة للمصالح البريطانية؛ وهذا ما حدث فعلاً إذ تمّ تنصيبه سلطاناً على زنجبار بمجرد خروج السيّد خالد من القصر؛ فلا غرابة البتّة أن يشعر السلطان المُعيّن بفضل الإنجليز في ايصاله إلى سدة الحكم وبالتالي الانقياد التام للإدارة الإنجليزية.
تجدر الإشارة إلى أنّ السيّد خالد بن برغش كان من ضمن الأسماء المرشّحة للحكم منذ عهد السلطان علي بن سعيد؛ وفي هذا الإطار تُشير المصادر إلى أنّ السيد خالد حاول الوثوب على السلطة فور علمه بوفاة السيد علي ودخل القصر لكن بريطانيا تمكّنت من احتواء الأمر وخرج السيد خالد من القصر بناءً على نصيحة الزعماء العرب وفي هذا الصدد يقول المغيري ” وقد توسّموا من السيّد خالد عدم الانقياد لأوامرهم ومطالبهم، وأنّه لم يطلب الملك منهم ، بل اعتمد في طلبه على العرب” كإشارة واضحة إلى أسباب استبعاد الإنجليز للسيّد خالد عن حكم زنجبار؛ إذ كانت الإدارة البريطانية ترى أنّه لو وصل إلى الحكم سيكون من الصعوبة بمكان السيطرة عليه بسبب طبيعته العدائية لها؛ لذلك تمّ اختيار حمد بن ثويني المولود في عُمان سلطاناً على زنجبار، وهذا الاختيار في حد ذاته كفيل بأن يجعل السلطان الجديد أداة طيّعة في أيدي البريطانيين، وبعد وفاة السلطان حمد اختير السيد حمود بن محمد للسبب ذاته وتمّت تنحية الأمير خالد.
ومن الجدير بالذكر كذلك أنّ السلطان برغش بن سعيد الذي حكم خلال الفترة 1870-1888م كانت له محاولات مع بريطانيا لضمان حكم نجله السيّد خالد بعد وفاته؛ بيد أنّ بريطانيا كان لها رأي مغاير. يذكر الدكتور بنيان في مقالته المنشورة في Anaquel de Estudios?rabes أنّ السيّد برغش سلّم وصيته للقنصل البريطاني جون كيرك عام 1881م متضمنة رغبته في أن تضمن له بريطانيا تولية السيد خالد الحكم من بعده لكن الفكرة لم تلق قبولاً لدى الإنجليز، وقد تحججت بريطانيا أنّ صغر سن السيّد خالد كان أحد أسباب رفض هذه الفكرة رغم انّها لاحقاً وافقت على تعيين السيّد علي بن حمود خلفاً لوالده سلطاناً على زنجبار وهو لم يتجاوز 18 عاماً ووُضع تحت الوصاية البريطانية.
وعودةً على موضوع اعتلاء السيّد خالد لكرسي الحكم في زنجبار إثر وفاة السلطان حمد بن ثويني يقول المغيري “بادر السيد خالد بن برغش ودخل بيت الحكم ، وجلس على كرسي المملكة ، وعاضده على ذلك زعماؤها العرب وأعيانها المسلمون” . وتُشير بعض المصادر إلى أنّ السيّد خالد كان مقرباً من ابن عمه السيّد حمد الذي كان يكلفه بحضور بعض المناسبات نيابة عنه وعندما كان على فراش الموت أوعز إلى الأمير خالد بألا يتأخر عن اعتلاء عرش زنجبار، كما طلب من رئيس العسكر مساعدته في تحقيق هذا المطلب. وقد يبدو هذا الأمر منطقياً بسبب التدخل السافر من المستعمر ـ بكسر الميم ـ في شؤون سلطنة زنجبار حيث لم يبق للسلطان سوى الاسم فقط. ومن ثمّ أعلن السيد خالد نفسه سلطانًا على زنجبار مستعيناً بمساندة العرب الذين رغبوا في التخلص من الهيمنة البريطانية بعدما شعروا بوطأة التدخلات البريطانية في بلادهم، وأمر المدفعية أن تطلق 21 طلقة من على سفينة السلطان الراحل، وأعيد رفع راية القصر التي نُكّست لموت السلطان السابق، وبعث بمذكرات إلى القناصل الأجانب يعلمهم فيها بتوليه سدة الحكم في زنجبار4.
وفي المقابل أعتبرت السلطات البريطانية عدم حصول السيّد خالد على موافقتها لتولي عرش زنجبار تحدياً صريحاً لنفوذ بريطانيا وسطوتها، وبالتالي أرسلت له انذاراً للتنحي والخروج من القصر؛ إلا أنّه أصرّ على موقفه حتى انتهت المهلة المحددة عند الساعة التاسعة بتوقيت زنجبار يوم 27 أغسطس. ونتيجة لذلك تجمّعت ثلاثة طرادات بريطانية، بالإضافة إلى ذورقين حربيين على متنها نحو 150 جندياُ إلى جانب عدد 900 في منطقة الميناء، فيما تجمّع حول السيد خالد عدد يتراوح 2800-3000 أغلبهم من السكان المحليين غير المسلحين مع عدد قليل من قطع المدفعية والرشاشات. وبعد انتهاء المدة المحدّدة اتخذت بريطانيا قرارها بقصف القصر الذي يتحصن فيه هو واتباعه لمدة تتراوح ما بين 38و 45- بحسب مختلف المصادر5- معلنة حرباً غير متكافئة تُعرف في المصادر بالحرب الإنجليزية –الزنجبارية وبأنّها أقصر حرب في التاريخ وإن كنت أرى بأنّها لم تكن حرباً بقدر ما هي عدوان صريح على زنجبار وسلطانها وشعبها6. وقد أسفر هذا العدوان الغاشم عن مقتل حوالي 500 شخص من المدافعين عن القصر فيما أصيب جندي بريطاني واحد فقط7، وتدمير أجزاء كبيرة من القصر وبالتالي لجأ السيد خالد مع بعض اتباعه إلى القنصلية الألمانية طالباً حق اللجوء السياسي ثم نقل لاحقاً إلى دار السلام Dar es Salaam عاصمة شرق افريقيا الألمانية آنذاك، وهناك عاش كسلطان لمدة 20 عاماً يرفرف على منزله علم سلطنة زنجبار. كما تمّ سجن زعماء العرب الذين ساندوا السيد خالد ونفي بعضهم خارج زنجبار، و فرض غرامات على بعضهم، وكذلك مصادرة وبيع ممتلكاتهم وتعويض رعاياهم التجار الهنود ممن تأثروا في هذا الصراع. وبعد تغيّر الأوضاع السياسية مجدداً في اقليم شرق إفريقيا واقتسامه بين القوى الامبريالية أصبحت تنجانيكا من نصيب بريطانيا؛ وعليه نشطت بريطانيا في البحث عن السيّد خالد إلى أن اعتقلته في عام 1917م ثم نُفي إلى جزيرة سانت هيلانة Saint Helenaوبعد أربع سنوات جرى ترحيله وأفراد أسرته إلى جزر سيشل Sychelles ، وفي عام 1922م سُمح له بالإقامة في ممباسا (كينيا) بعد أن تعهد بعدم المطالبة بالحكم ، وعاش مدة خمس سنوات أخرى في المنفى حيث توفي عن عمر ناهز 53 عاماً وهنا يقول Durup في ختام مقالته The Exile Sayyid Khalid مُعقباً على ذلك” وهكذا تنتهي حياة السلطان الذي رغب في الحفاظ على الاستقلال الحقيقي عن الهيمنة البريطانية بعد أن قضى حوالي 30 سنة في المنفى” . وكنتيجة طبيعية فقد أدّت هذه الحادثة إلى ترسيخ مفهوم أنّ الإنجليز هم المسيطرون فعلياً على مفاصل البلاد يقول الريامي “هكذا قويت شوكة الإنجليز في زنجبار وتجرأوا على وضع الشعار البريطاني ليس على كرسي العرش فحسب كما كان عليه الحال في سلطنة السيد حمد بن ثويني وإنما على مختلف الأوراق الصادرة عن الحكومة كما عينوا نظّارا إنجليز على رأس الوزارات المختلفة بدلاً من العرب الذين تمت تنحيتهم جانباً” .
وبذلك طُويت صفحة من تاريخ زنجبار الحديث بطلها السيّد خالد بن برغش الأمير الثائر الذي لاحظ أن سلاطين زنجبار فقدوا أدوات الحكم الفعلي ولم يبق لهم سوى الحكم الصوري فقط ، وبالتالي حاول الوقوف ضد بريطانيا وسياستها في المنطقة ، وتحدى بشجاعة وبسالة قوة الإنجليز رغم عدم تكافؤ القوتين محاولة منه في فرض ارادة شعب زنجبار في اختيار سلطانهم ، وقد سانده أعيان العرب في مطلبه هذا لأنهم لم يروا أنفسهم كشركاء في الحكم مع البريطانيين أو أصحاب سلطة لا سيما بعد وضع بلادهم تحت الحماية والهيمنة الإنجليزية.

المراجع:
* الريامي، ناصر بن عبدالله. زنجبار شخصيات وأحداث، ط3، بيت الغشام، مسقط، 2016.
* المغيري، سعيد بن علي. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار. تحقيق محمد علي الصليبي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط:2001.
* Durup,J.”The Exile Sayyid Khalid bin Barghash Al-Busaidi in the Seychelles”http://www.seychellesweekly.com/September%205,%202010/top6a_The%20Exile%20Sayyid%20Khalid%20bin.html
* Johnson, B. “The Shortest War in History”, http://www.historic-uk.com/HistoryUK/HistoryofBritain/The-Shortest-War-in-History/.
* Turki,B.”Sayyid Khalid Bin Barghash, Britain and the throne of Zanzibar”,https://revistas.ucm.es/index.php/ANQE/article/viewFile/ANQE1010110035A/3521

الهوامش :
1 ولد السيد خالد بن برغش في زنجبارعام1874م وتوفي في ممباسا عام 1927م ، والدته السيدة موزة بنت حمد بن سالم بن سلطان بن الامام احمد بن سعيد له من الأبناء برغش، فاطمة، سعيد، ماجد علي، غالب ، قيس.
2 مسألة الحكم في زنجبار تفجرت منذ وفاة السيد سعيد عام 1856م واصبحت هناك مطالبات متكررة فيمن يخلف السلطان الراحل من ابنائه واحفاده يُروى عن السلطان برغش بن سعيد أنه سُأل عن الحكم في زنجبارذات مرة فقال انها “للأطول سيفاً” وهنا يعلق الدكتور بنيان أن بريطانيا أصبحت هي الأطول سيفاً بل والأكثر حدة في المنطقة بنهاية القرن 19م.
3الاتفاقية البريطانية – الألمانية Heligoland-Zanzibar treaty عام 1890م لتقسيم مناطق النفوذ بين القوتين الامبرياليتين وبموجب هذه الاتفاقية اصبح من حق المانيا السيطرة على تنجانيقا وعلى إثرها وضعت زنجبار تحت الحماية البريطانية .
4 في مقال ل Durup بعنوان ” The Exile Sayyid Khalid ” ذكر بأن السيد خالد تواصل مع الأميركيين (الممثل الاميركي في زنجبار) لتوصيل رسالة الى ملكة بريطانيا فحواها “الملكة فكتوريا، توفي حمد بن ثويني ولقد اعتليت عرش اجدادي آملا أن تستمر العلاقة الودية بيننا كما كانت من قبل ، السلطان خالد بن برغش” ؛ إلا ان الرسالة لم تُرسل .
5 يقول الريامي إنه من العبث تسمية هذه الواقعة بالحرب ، فرغم أن كتب التاريخ درجت على ذلك فهو في تقديرنا تدوين مغلوط للتاريخ لا يخلو من الغرض والإنحياز.
6 يقول المغيري “لو أخذ الإنجليز بالصبر والتأني في هذه الحادثة وخصوصا في مثل زنجبار الجزيرة الصغيرة ، إنهم لو حاصروها بالعساكر لما احتاجوا إلى ضربها بالمدافع وهدم الآثار وحرقها بالنار”
7 يذكر المغيري أن المعركة دامت 25 دقيقة ويقول المغيري كذلك “وقد أعلنت الدولة الإنجليزية أن هذه الحرب باسم السيد حمود بن محمد” فكيف تكون الحرب باسمه وهو لم يُعلن بعد سلطاناً على زنجبار؟؟!!

Monday, October 3, 2016

العلاقات التاريخية بين سلطنة عمان وزنجبار إبان عهد السلطان سعيد بن سلطان 1832-1856

 هنادي سليمان
رسالة ماجستير ، جامعة الخرطوم ، 2013

الثورة في زنجبار ضدّ العمانيين، والعرب، كيف ولماذا؟




أثير – تاريخ عمان
إعداد- نصر البوسعيدي
تقع جميع الثورات في العالم نتيجة الظلم، والفقر الذي يتعرض له شعب من الشعوب في مقابل عدم اكتراث حكومته ومن في السلطة المرفهين لحاجياته، وحلّ المشاكل التي تتراكم حتى تصل إلى مرحلة الانفجار، وبالتالي ثورة يذهب ضحاياها الكثير في ظل الفوضى التي تحدث نتيجة كل ذلك.
وفي المقابل هناك أنواع من الثورات تقوم بيد مجموعة من الساخطين على الحكومة لتوجهات سياسية، ولمصالح تتعلق بالسلطة، ولا علاقة لها بالعدالة، أو إحقاق الحق، بل ثورات إيديولوجية موجهة نحو استخدام بعض المعلومات المستمدّة من الواقع، وتجاهل تفسيرها المنطقي عمدا لفرض فكرة سائدة لتحقيق أهدافها.
ففي أغلب الأحوال يقوم هذا النوع من الثورات بعد الحصول على تأييد من دولة أخرى مساندة لنوعية التغير الذي يتماشى مع المصالح، فالسلطة، والمصالح هي أساس هذه الشراكة ، وليس من أجل مصلحة الشعوب ورفاهيتها وإحقاق العدالة لها، وعادة تصبح نتيجة تلك الثورات بعد أن تنجح في قلب الوضع إلى أداة مسيرة من قبل الدولة الداعمة لها.
لقد انطبق هذا النوع من الثورات في زنجبار، وكانت الإيديولوجية التي انطلقت منها تحمل في أساس فكرتها أن العرب كانوا يستغلون الأفارقة في بلدانهم، وأن العرب ثروتهم الوحيدة هي الأرض التي تكمن أهميتها في مزارع القرنفل ثروة زنجبار التي أدخلها العمانيون إليها في عهد السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي، مع العلم أن الهنود والأفارقة كذلك يملكون جزءا كبيرا من هذه الأرض، ولذلك فقد اكتسبت ثورة زنجبار طابعا عنصريّا مقيتا ضد العمانيين والعرب بشكل عام.
كان المزارعون في زنجبار يعيشون فوق أراض مملوكة لغيرهم، فالملّاك كان عليهم تنمية العمل برأس المال، وبالتالي التعاقد مع العمال الأفارقة بالأجر اليومي، أو الأسبوعي، أو الشهري حسب المتفق عليه، ولذلك من كان يرغب في زراعة محصول يوفّر له غذاءه، فإنه يستطيع أن يفعل ذلك، ويجني الطرفان الفائدة المشتركة نتيجة الاتفاق.
ولكن الثوار تجاوزوا كلّ هذه الحقائق، وخدعوا البقية بمبررات من أجل تغطية أسبابهم ومطامعهم لنيل السلطة في زنجبار.
وكان الحلم الذي روّج له الثوار للشعب بأنّه وبمجرد الإطاحة والتخلّص من العرب في هذه الثورة ومصادرة أراضيهم، وتوزيعها أو تفتيتها إلى ملكيات صغيرة عليهم سيصبح كل فرد مشاركا في الثورة ثريّا، وهذا النوع من الترويج هو من زاد تزكية عنصريتها، وإجرامها بالقتل، والتنكيل بكل عماني،أو عربي يتواجد في الأرض الزنجبارية بثورتهم الدموية عام 1964م.
وفعلا بعد الثورة، وقتل الآلاف من العمانيين، والعرب تمت تجزأة الأرض في زنجبار إلى ملكيات صغيرة مساحة كل منها فدان واحد، وتم توزيعها فيما بينهم، وهي مليئة بأشجار القرنفل، وجوز الهند، وهي أشجار تغلّ حاصلاتها موسميّا، وتحتاج من الفرد أن ينفق أموالا طائلة للمحافظة عليها، وزرع أشجار أخرى بدل تلك التي تموت.
ونتيجة لذلك، فقد تركها، وأهملها الملاك الأفارقة الجدد المشاركون في الثورة وهربوا من تكاليفها، ليعودوا للعمل مشتتين عمالا بالأجر، وبالإضافة إلى كل هذه المشاكل التي عانى منها شعب زنجبار بعد الثورة أرغمت الحكومة كل المزارعين أن لا يبيعوا محصول القرنفل إلا إليها، وبأسعار تحددها هي، وكان السعر الذي تشتري به الحكومة الرطل من القرنفل هو 150 شلنا، وتبيعه للولايات المتحدة الأمريكية بـ 1700 شلنا هذا بالإضافة إلى الكثير من التكاليف التي يجب أن يلتزم بها المزارع من أجل الحصول على محصول اقتصادي يسد به متطلبات حياته، ولذلك، فأغلب، أو جلّ المزارعين بعد الثورة لم يكسب من زراعته مثلا ما كان يحصل عليه، وهو عامل بأجر متفق عليه، فقد كان العمانيون أصحاب الأرض يستأجرون العامل لخدمة الأرض بأجر يعادل 150 شلنا كلّ ثلاثة أيام، وكلّ عمله هو صعود أشجار القرنفل لجنيها في الصباح، ثم يأتي في المساء ليفصل القرنفل من زهره، ويستلم أجره، وأما باقي الأعمال، فيتكفل بها صاحب الأرض الذي كان يمارس عمله كذلك في مجتمع كان الحب والتعايش فيه حاضرا بين الجميع بود، وسلام.
ولذلك، فقد أحسّ الملاك الجدد للأرض بخيبة أمل واستغلال قاسٍ من حكومة الانقلاب الدموي، وتبخرت جميع أحلامهم بالثراء، والعيش الكريم، وأصبحت البلاد فقيرة من الموارد البشرية أولا نتيجة هجرة المثقفين والمتعلمين منها سواء من العمانيين أو العرب بشكل عام، والأفارقة على السواء ولجأ ما لا يقل عن 100 ألف منهم إلى دار السلام، وهاجر أكثر من 20 ألف عماني وعربي إلى موطنهم الأم.
والغريب في أمر هذه الثورة بأن بعض من خطّط لها، وشارك في تنفيذها أبناء بعض ملاك الأرض العرب بقيادة عبد الرحمن محمد المعروف باسم بابو.
وكان بابو سكرتيرا عاما للحزب الوطني الزنجباري، ثم تواصل مع الصين حينما أوفده حزبه للحصول على تأييد بكين، ومن ثم عاد إلى زنجبار مدعوما من الصين لنشر الفكر الشيوعي عن طريقة مجلته التي أسسها واسمها “زانيوز”، ثم انفصل عن الحزب الوطني، وشكّل مع مجموعة من الشباب حزب الأمة، ولتحقيق مصالحه أدمج حزبه مع حزب الأفروشيرازي للقيام بالثورة، والانقلاب.
ولكي نفهم لماذا وقعت الثورة يجب أن نعي بأن الاستعمار الأوربي الذي بدأ يزحف على أفريقا لم يكن باستطاعته تقسيم الأرض إلا عن طريق اختلاق كل الوسائل والأسباب لإنهاء الوجود العربي، وخلق العداوة، والفتنة بين الأفريقيين، والعرب بعدما كانوا لحمة واحدة لسنوات طويلة.
ولقد ظهرت بوادر الدعايات الأوربية المعادية للعرب في أفريقيا بكل وضوح حينما رفض السلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار التعاون مع الألمان ضد شعب تنجانيقا الذين ثاروا ضد المستعمر الجديد، فهرب عدد كبير من الألمان إلى زنجبار للاحتجاج مع السلطان برغش الذي ردّ عليهم بأنه لا يستطيع مساعدتهم لأن الشعب هناك شعب حر، وليسوا عبيدا، ويتبعون سلطانه بمحض إرادتهم، ولا يمكن أن يسلمهم إليهم، وليتحمل الألمان تبعيات سوء معاملتهم للأهالي الثائرين.
لقد حاول الألمان إقناع السلطان برغش باستخدام القوة لقمع الأهالي، ولكن السلطان رفض ذلك وبشدة، وعقب ذلك هاجمت السفن الحربية الألمانية زنجبار عام 1884م، ومن ثم فرض الألمان والإنجليز بقوتهم حصارا على الأهالي لمدة عام من ديسمبر 1888م إلى 1889م انتهى عن طريق القوة، والمؤامرات، والتهديد إلى توقيع اتفاق انجلو ألماني في برلين عام 1890م لتصبح زنجبار وأفريقيا كلها تحت الاستعمار الأوربي، ووقوع السيد برغش ومن بعده من السلاطين ضحية للتنافس الاستعماري الأوربي على افريقيا.
وقد ذكر المؤرخ البريطاني هولنج روث في هذا الصدد أن إنجلترا سمحت لألمانيا بأخذ خير الأجزاء من ممتلكات السلطان برغش، وأنها أخذت لنفسها الباقي.
والباقي هنا، طبعا ، زنجبار التي وقعت تحت الحماية البريطانية كمستعمرة لا حول لها ولا قوة تحت غطاء حماية البلاد من الأطماع الأوربية الأخرى، وحماية سلطة السلطان من الاستغلال، وفرض القانون والنظام، وتنمية البلاد وتطويرها.
أما في الواقع، فإن الإنجليز، وخلال فترة حمايتهم لزنجبار نهبوا خيراتها، وزرعوا فيها الفرقة، والبغض، والنزاعات بين أفراد شعب عاش، وتزاوج فيما بينه في ظل وحدة وطنية لا ينظرون فيها إلى الأصول التاريخية.
لقد نجحت الدول الاستعمارية وبالأخص بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا في تقسيم شرقي أفريقيا إلى وحدات سياسية وتقسيم الشعوب إلى مجموعات صغيرة كل واحدة منها تبحث عن مصالحها الذاتية وليست الوطنية.
وخلال الحرب العالمية الثانية تم تقسيم الأهالي بشكل مزر، إذ تم السماح للأهالي من الأصل الآسيوي فقط بشراء الأرز، والسكر، والمنسوجات البيضاء، بينما تم السماح للأفارقة بشراء دقيق الذرة، والأقمشة السوداء لنسائهم، وكان هذا الأسلوب مريعا يجسد تطبيق مبدأ “فرّق تسد” لأن هذا النظام، أي نظام الرقابة على التغذية بهذا التقسيم مهّد لإشاعة الكراهية، والعنصرية بين الأهالي.
لذلك، لكي نتتبع بذور الانقلاب في زنجبار، علينا التعمق في فترة الاستعمار وتقسيمه لأفريقيا مع استغلال ثرواته، وخلق العديد من الأسباب لتفريق الشعوب عن بعضها، وخلق الفتن، والكراهية بينها خاصة بين العرب، والأفارقة.
والجدير بالذكر، أن الأعضاء المعينين في المجلس التشريعي في زنجبار قبل عام 1964م يمثل مختلف المجموعات العنصرية، وهم 3 عرب، و2 من الأفارقة، و2 من الهنود، وأوربي واحد، ولم يكن لهم أي نفوذ في المجلس، لأن كل السلطات التشريعية كانت بيد المقيم البريطاني، وحفنة من المسؤولين البريطانيين، ورغم أن العمانيين والعرب أقلية، فقد أعطتهم بريطانيا بسياستها الخبيثة معظم الامتيازات التي كانت في الأساس مظهرية لإثارة الكراهية، والعنصرية في زنجبار.
ولكن العمانيين أدركوا في النهاية حقيقة هذا الخطر المثير للعنصرية، فقد عملوا على تجنبه بشكل حازم حينما قدّموا للحكومة البريطانية عام 1954م قائمة طويلة بمطالبهم لتحقيق نهضة سياسية اقتصادية لشعب زنجبار جميعه تتضمن الاقتراع العام للبالغين، وانتخابات على أساس صوت واحد لكل رجل، وأغلبية غير رسمية من الأعضاء المنتخبين في المجلس التشريعي، ونظام وزاري، وملكية دستورية.
وكما كان متوقعا، فإن الحكومة البريطانية رفضت جميع هذه المطالب، ونتيجة لذلك سحبت المجموعة العربية أعضاءها من المجالس، وقاطعت كل اللجان الحكومية وامتنعت طوال 18 شهرا من التعامل مع الحكومة البريطانية، وناشدت كل المجموعات الأخرى بتأييدها لإقرار السلام، والمساواة، والبعد عن العنصرية التي تعمد بريطانيا الإصرار عليها، ولقد لقي هذا الموقف تأييدا اجتماعيّا في زنجبار، لأنه كان الطريق المضمون للوحدة وكسر شوكة المستعمر.
ولذلك، فقد عملت بريطانيا على إثباط كل هذه المحاولات قبل استقلال زنجبار، ودبرت حملات سرية لتهديد الجماعات العنصرية الأخرى إن استجابت لنداء العمانيين والعرب الذين تزاوجوا مع الافريقيين، وعاشوا معهم، وتحدثوا لغتهم في نسيج اجتماعي مترابط يشهد عليه التاريخ.
في هذه الأثناء، وحينما بلغت المقاطعة العربية شهرها الثامن في ديسمبر عام 1955م قامت مجموعة صغيرة من الفلاحيين بتشكيل الحزب الوطني الزنجباري الذي ناضل لتوحيد الشعب الزنجباري تحت شعار القومية للتخلص من فتن العنصرية التي تزكيها بريطانيا بكل خساسة، وانضمّ إلى هذه الحركة الكثير، وبالأخص الوطنيون المؤيدون لموقف العرب بشكل عام، وقد أثمر كل ذلك إلى زيادة الضغط على الحكومة البريطانية التي أرغمت على تخصيص 6 مقاعد منتخبة من بين الـ25 مقعدا في المجلس التشريعي ثم الإعداد للانتخابات، ولكن البريطانيين وعملاءهم من الصحفيين استخدموا الكثير من الحملات ضد الحزب الوطني وكل ذلك لم يزد الحزب الوطني إلا قوة وإصرار وشعبية من قبل الكثير.
وهنا لم تقف بريطانيا متفرجة على انتصارات، وشعبية الحزب الوطني الموحد لشعب زنجبار، لذلك عمدت إلى تشكيل حزب منافس آخر على أسس عنصرية مدعون منهم ألا وهو حزب الأفروشيرازي عام 1957م، وقد اعترف الإنجليزي بيني الذي أشرف على الانتخابات عام 1957م في تقريره أن مكتب الانتخابات التابع له، وموظفي الحكومة الإنجليزية كانوا وراء تشكيل الحزب الأفروشيرازي، لكي يعارض الحزب الوطني وليس الاستعمار البريطاني.
ورغم أن القوانين لا تسمح بأي حملة تقام على أسس عنصرية، لأنها تخالف قوانين الانتخاب إلا ان الحكومة البريطانية سمحت للحزب الأفروشيرازي أن يمارس عنصريته علانية ضد الحزب الوطني، والعرب بشكل خاص.
وحينما ذهب الجميع للإنتخابات الأولية في زنجبار خسر الحزب الوطني لهزيمة أمام الحزب الأفروشيرازي الذي حصل على 5 مقاعد وذهب المقعد السادس لجمعية الهنود المسلمين.
وبعد الإنتخابات النهائية فاز الحزب الوطني الزنجباري وحزب شعبي زنجبار وبيمبا بأغلبية المقاعد، وتم تشكيل الحكومة، وتحديد يوم 10 ديسمبر 1963م موعدا للاستقلال من الاستعمار البريطاني.
وبعد ذلك بشهر فقط، أي في 11 يناير الأسود من عام 1964م وقع الانقلاب الدموي في زنجبار بقيادة الحزب الأفروشيرازي ومجموعة كبيرة من المرتزقة ، والذي راح ضحيته أكثر من 20 ألف قتيل من العمانيين، والعرب على السواء بجريمة يخجل منها التاريخ أمام صمت المجتمع الدولي لكل المجازر التي حدثت في الإنقلاب بعهد السلطان جمشيد بن عبدالله بن خليفة البوسعيدي آخر السلاطين العمانيين في الجزيرة والذي ترك زنجبار متوجها إلى بريطانيا لتنتهي بذلك العلاقة الطويلة بين العرب والأفارقة والتي استمرت لأكثر من ثلاثة ألاف عام.
وبعد 14 عاما من الثورة أدركت سلطات زنجبار أن السياسة العنصرية ألحقت أضرار جسيمة بالبلاد، وحاولت جاهدة من حث العرب على العودة إلى زنجبار والمساعدة في أحياء اقتصاد البلاد.
*المرجع: عمان وشرقي أفريقيا، أحمد حمود المعمري، ترجمة محمد أمين عبدالله، الطبعة الثالثة 2016، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.

Saturday, October 1, 2016

Thursday, September 29, 2016

مراسلات زعماء الإصلاح

جريدة الرؤية : الثلاثاء 27/9/2016
زاهر بن حارث المحروقي



بَعْد استقرار السيِّد سعيد بن سلطان في زنجبار، أصبحتْ تلك الجزيرة المنسية درّة الإمبراطورية العمانية (آنذاك)، وعاصمة دبلوماسية مهمَّة في الشرق الإفريقي، وأقامت الدول الكبرى علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مع زنجبار، فغدتْ مركزاً تجارياً عالمياً بمقاييس تلك الفترة، ما لبثت أن أصبحت قبلة لزعماء الإصلاح في العالم الإسلامي، يتفاعلون مع سلاطينها في قضايا الأمة الإسلامية والأمور الثقافية وغيرها من القضايا المعاصرة.
وقد اهتمَّ الكثيرون من الباحثين بهذه الحقبة، منهم من اهتم بالجانب الاقتصادي، مثل د.سليمان بن عمير المحذوري الذي قدَّم دراسة مهمة عن التاريخ الاقتصادي لزنجبار في كتابه "زنجبار في عهد السيد سعيد بن سلطان"؛ أما الباحثان د.محمد بن ناصر المحروقي، وأ.سلطان بن عبد الله الشهيمي فقد اهتما  بمراسلات زعماء الإصلاح في الوطن الإسلامي إلى سلطانَيْ زنجبار، حمود بن محمد، وعلي بن حمود البوسعيديَّين، ما بين عامَيْ 1896 و1919م، التي صدرت ضمن منشورات جامعة نزوى، وبذل المؤلفان جهداً بحثياً كبيراً، تجلّى في منهج اختيار وترتيب الوثائق التي بلغ عددها 130 رسالة، وقدّما ملخصاً وافياً لمضامين مراسلات زعماء الإصلاح للسلطانَيْن، وهي لمجموعة من العلماء وكذلك رسائل لأئمة الحرمين الأشراف والمؤرِّخين والكتّاب والشعراء والأعوان، ومراسلات صحفية وصلتهم من وكالة رويترز والجريدة الزنجبارية وبعض الصحف والمجلات العربية. جاءت معظم الرسائل الواردة في هذا الكتاب من الأرشيف الوطني بزنجبار أثناء رحلة بحثية قام بها د.محمد المحروقي مع فريق البحث الإستراتيجي لـ"مصادر تاريخ علاقة عمان بشرق إفريقيا 1624-1663م".
يبرُز الكتاب الدور الثقافي للسلطانَيْن حمود بن محمد وابنه علي، في دعم الجهود الإصلاحية لعلماء وكُتَّاب وصحفيي العالم العربي في مطلع القرن العشرين؛ وذلك من خلال مجموعة كبيرة من الوثائق التي قام الباحثان بجمعها وفرزها وتحليل مضامينها. وتمَّ اختيار وثائق هذا الكتاب -حسب المقدمة- ضمن مجموعة مئات الرسائل المصورة التي تتناول موضوعات وأشكالاً شتى، كالمراسلات السياسية بين أقطاب العالم آنذاك وسلاطين زنجبار، منذ عهد السيد سعيد بن سلطان، ومراسلات أسرية بين أفراد في عُمان وأقاربهم، أو وكلائهم في زنجبار وشرق إفريقيا، وبعض الوثائق التي تخص أحكاماً قضائية وصكوكاً، لم ينفض الغبار عنها، من ممباسا والجزيرة الخضراء خصوصاً، كما أشار إلى ذلك د.محمد المحروقي في مقدمة الكتاب، وأوضح منهجية اختيار هذه الرسائل: "لقد قمنا بقراءة تلك الوثائق وفرزنا منها ما يتصل بالسلطانَيْن، ممّا كُتب إليهما أو في زمانهما، ممّا يتصل بمساهماتهما في رفد الثقافة العربية، وتعزيز جهود الإصلاحيين على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم، ولقد أفضى الفرز التحليلي لمضامين الوثائق إلى تحديد أربعة أقسام أساسية تندرج ضمنها تلك الوثائق المنتخبة، وهذه الأقسام هي العلماء، والشعراء، والأقران والأعوان، والصحافة؛ وكلُّ قسم يضم مجموعات أصغر، وقد وضعنا جداول لترتيب هذه الوثائق أخذاً في الاعتبار الأقدمية، ووضع الرسائل القادمة من مصدر واحد معاً، وفي هذه الجداول حرصنا على تعبئة الحقول باسم المُرْسِل والمُرْسَل إليه، ومحتوى الوثيقة وتاريخها وحقل الملحوظات".
لقد اجتهدَ الباحثان في فك طلاسم خطوط الرسائل الواردة إلى السلطانَيْن؛ حيث نشرا صورة من الرسالة الأصلية في الصفحة المقابلة فيما نشرت الرسالة بطباعة حديثة على يمين الصفحة تسهيلاً للقراء؛ بمعنى أنه تم نشر أصل تلك الرسائل بخطوط كُتّابها، ووصف ما تتضمنه تلك الرسائل من مادة علمية في متنها، لتسهيل قراءتها؛ حيث يتيح الفرصة للقارئ أن يقرأ الرسالة مطبوعة أو كما كتبها مرسلها. ويبدو من الصور المنشورة للرسائل أنّ كُتّاب السلاطين كانوا يعيدون كتابة الرسائل الواردة بالخط المغربي، بالخط المشرقي تسهيلاً للقراءة، وتكشف معظم الرسائل جمال الخط العربي، وجمال التعبير، ولولا الجهد المبذول في إعادة كتابة هذه الرسائل بالطباعة الحديثة فإنّ الجيل الجديد يصعب عليه قراءة تلك الخطوط.
يضمُّ القسم الأول مراسلات العلماء والأئمة والأشراف والكتّاب؛ منها: رسائل من الشيخين محمد بن يوسف أطفيش والإمام محمد رشيد رضا، وتتركز مراسلات الشيخ أطفيش حول متابعة طبع كتبه في زنجبار والقاهرة، فيما يكتب الشيخ محمد رشيد رضا رسالة إلى السلطان حمود بن محمد يُعرِّفه فيها برسالة صحيفة "المنار" التي أسسها، طالباً الدعم المادي؛ والرسالةُ دليلٌ على إسهام سلاطين زنجبار في دعم الصحافة العربية، "في وقت تخلّى عن هذا الدور الكثيرون من ولاة الأمر لعدم رغبة الدولة العثمانية في تنشيط حرية الرأي بين العرب للحفاظ على استمرارها"، كما أشار الشيخ رضا في رسالته. ثم هناك رسالة ثانية من صاحب "المنار" يعرِّف فيها السلطان حمود بمشروع جديد له، وهو تأسيس "جمعية العلم والإرشاد" بالآستانة ويطلب فيها دعم السلطان أيضاً، وقد تكون رسالة الشيخ محمد رشيد رضا -حسب رأيي- من أهمِّ الوثائق الواردة في هذا الكتاب؛ فهو يشرح للسلطان أهداف إنشاء هذه الجمعية ويقول: "يعلم مولانا السلطان ما عليه المسلمون من جميع الفرق من الضعف في العلوم والفنون والصناعات والآداب الاجتماعية والشؤون المدنية، ويعلم أنّ علة العلل لذلك هو سوء فهم الدين الإسلامي وكثرة البدع والتقاليد فيه، وجهل علمائه بتطبيق أصوله وأحكامه على مصالح البشر في هذا العصر، وتعصبهم لمذاهبهم التي فرَّقت الأمة الإسلامية وجعلتها شيعاً يعادي بعضها بعضاً. وقد دققتُ النظر في ذلك، فلم أر له علاجاً إلا تأليف جمعية إسلامية دينية علمية خيرية تجمع الإعانات وتربِّي طائفة من العلماء والمرشدين تبثهم على نفقتها في البلاد الإسلامية لإنارة عقول المسلمين، وأن تكون هذه الجمعية مؤلفة من جميع المذاهب الإسلامية كالسُّنيّة والشيعة والإباضية، وأن يكون ما أجمع عليه المسلمون هو معقد الارتباط فيها بين المسلمين، ويعذر بعضهم بعضاً في مسائل الخلاف ولا يتعادون في ذلك، وأن لا تشتغل الجمعية بالسياسة لا ظاهراً ولا باطناً".
وفي الكتاب رسائل ترد من صحفيين من مختلف أنحاء العالم، وكذلك مراسلات من الأديب جرجي زيدان صاحب مجلة الهلال ومؤلف الروايات التاريخية الإسلامية، وكذلك مكاتبات من عبد المسيح الأنطاكي صاحب مجلة العمران، يرسلها إلى كاتب السلطان الشيخ محمد بن سالم الرواحي يطلب فيها صورة السلطان علي وأبيه حمود، لطبعها في كتاب خاص عن ذكرى وفاة السلطان حمود.
أما رسائل الشعراء، فتأتي إلى السلاطين من عُمان والجزائر والشام، ومجملها  قصائد المديح، ومن بين الشعراء: محمد بن شيخان السالمي، وشاعر يدعى سالمين، ومن الشاعرات أنيسة عطا الله وروجينا عوّاد والكسندرا مليادي دي فيرينوه، وبعض القصائد تتصل بالشعر الغنائي الذي كانت تغنيه الفرق الموسيقية، بعضُها باللغة العربية الفصحى، وبعضها باللهجة الحضرمية.
ويُعتبر كتاب "مراسلات زعماء الإصلاح إلى سلطانَيْ زنجبار حمود بن محمد وعلي بن حمود" من الكتب المهمة لأنه يوثِّق التواصلَ الثقافي العماني العربي في فترة هامة، كان العالم يشهد فيه نهضة كبرى في المجالات كافة؛ وكثيرٌ من التاريخ العماني مجهول، لأنه بين ثنايا الوثائق المنتشرة في الهند والبرتغال وأوروبا وأمريكا وأفريقيا تحتاج إلى من ينقِّب عنها وفيها، لأنّ الجهل بالتاريخ يؤدي غالباً إلى التشكيك، ويجب أن يكون الاهتمام بالتاريخ باباً لبناء الحاضر والمستقبل وليس من باب التغني بالماضي فقط.

Thursday, September 22, 2016