يحكي كتاب بين امبراطورتين السيرة الذاتية للشيخ السير (لقب أطلق عليه من قبل ملكة بريطانيا) مبارك الهناوي (1896 1959)، والذي يحمل عنوان "بين إمبراطوريّتين". ويركز الكتاب على أحد أبرز الشخصيات العربية المسلمة من أصول عمانية في سواحل شرق إفريقيا خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهو رجل مثقف تم تقليده بوسامين من سلطان زنجبار وملكة بريطانيا.
سرد تاريخي
ولقد شهد الشيخ السير مبارك الهناوي من منزله في مومباسا كينيا حاليا- العقود الأخيرة من عصر الإمبرالية والاستعمارية، كما شهد أيضاً صعود القومية الأفريقية. وقال خليفة الهنائي، ابن الشيخ السير مبارك الهناوي: "يعد هذا الكتاب سرداً لحياة وفترة عاشاها والدي الحبيب الشيخ السير مبارك بن علي الهناوي، الذي عمل كوالٍ لساحل كينيا بين 1941 1959 وقبلها والياً لمومباسا بين 1937-1941. جاءت عائلتي إلى شرق أفريقيا من عمان خلال حياة جد جدي، علي بن منصور بن محمد الهناوي.
كان استقرارنا الأول في مومباسا ثم في زنجبار، وكانت عائلتي ترتبط بصلة وثيقة بسلطنة زنجبار". وأضاف خليفة: "يأخذنا هذا الكتاب في رحلة عبر حقبة رومانسية ومضطربة عندما كان الرجال مثل والدي يعملون بإخلاص مع إمبراطوريات تلك الأيام لبناء مستقبل مشرق لهذا الركن من إفريقيا.
كان وقت ومكان وصراع أهمل في كتب التاريخ. ومن هنا فإن أملي كبير أن الكلمات والصور في هذا الكتاب ستنعش ذكريات الناس والأجيال الشابة عن المساهمات التي بذلها والدي وغيره لبناء شرق إفريقيا وساحلها النابض بالحياة
صدور كتاب “العمانيون وقلعة ممباسا” .. باللغتين العربية والإنجليزي
يحتوي على منظومات بطولية على غرار الملاحم
صدر حديثا عن مؤسسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والإعلان كتاب “العمانيون وقلعة ممباسا” لمؤلفه الشيخ مبارك بن علي الهناوي. ويرصد الكتاب حياة محمد بن عبدالله بن مبارك بخاشويني، مع مجموعة من أشعار وأغاني زمانه، التي تعكس ملامح الحراك الاجتماعي وترصد الأحداث وتروي سير أبطالها. الكتاب يحتوي على مقدمة بقلم خليفة بن مبارك بن علي الهنائي، نجل المؤلف، وإهداء بقلم البروفيسور إبراهيم بن نور شريف البكري، إلى جانب تمهيد المؤلف مبارك بن علي الهناوي الذي كتبه في ممباسا عام 1949م. كما يتضمن الكتاب فصلا عن شرقي إفريقية من الأزمة الأولى، إلى جانب مسرد لشخصيات الأحداث، وسرد مختصر لتاريخ حياة محمد بن عبدالله. ويحتوي الكتاب أيضا على فصل يتناول موضوع العقيدة والشيخ مبروك المزروعي، بالإضافة إلى فصل بعنوان “الوالي الجديد وشعب ممباسا”، وفصل حول انهيار العقيدة وسقوطه، ويختتم الكتاب بمنظومة (العقيدة)، وهي قصيدة سواحيلية بعنوان (أوتنزي). يقول خليفة بن مبارك الهنائي، نجل المؤلف في مقدمته: “يحكي هذا الكتاب تفاصيل حياة قائد قلعة ممباسا خلال الفترة الحاسمة بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر. كان والدي ــ رحمه الله ـــ عالما متبحرا في اللغة السواحيلية ومغرما بجمع المخطوطات النادرة، كما كان ولِعا أيضا بجمع الشعر السواحيلي الذي كان غالبا يكتب باللغة العربية”. أما البروفيسور إبراهيم بن نور شريف فيقول في إهدائه:”وعلى غرار القصائد السواحيلية التي تسرد التاريخ في هيئة أبيات شعرية، فإن الأبيات الواردة في هذا الكتاب ليست فقط جزءا لا يتجزأ من الأحداث، ولكنها في الواقع محور الحدث نفسة”. المؤلف من جهته يقول في تمهيده للكتاب:”وتعتبر منظومة (أوتنزي) المذكورة في نهاية هذا الكتيب تعبيرا صادقا عن الحدث كله، وبالرغم من أنها لا تعتبر من روائع الأدب فإنها تستحق هذه المكانة الخاصة في تاريخ الأدب السواحيلي حيث إنها تظهر ما للعقيدة من أثر على يد أحد المؤلفين المعاصرين. وقد تم تجميع معظم هذه الأبيات من أحد مؤلفي الأغاني في (تاكونجو) ويدعى (ماتوانا) و(اسومبا). كما تم استكمال باقي الأبيات من الشيخ جمعة بن علي باغوزي، وهو أحد الرجال المشهورين في ممباسا بدقته في جمع أكبر عدد من المؤلفات الأدبية. وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ جمعة قد زامل محمد بن عبدالله في حصن ممباسا، وكانت له هو الآخر تجربته مع المشاكل التي نشأت هناك في ذلك الحين”. يشار إلى أن الكتاب يحتوي في آخره على صور للحصن الذي تدور فيه أحداث الكتاب، إلى جانب منزل المؤلف ومشاهد مختلفة من ممباسا ومينائها وبعض السفن العمانية التي ترسو فيه، بالإضافة إلى بعض الشخصيات مثل محمد بن علي (العقيدة) ومحمد بن عبدالله الحاج بقشمر.
أثناء إعدادي لأطروحتي لدرجة الدكتوراه تحت عنوان «سلطنة زنجبار تحت الحماية البريطانية 1890 – 1964» كنت أحلم بمقابلة القائد العربي الذي شهد سقوط الحكم العربي لزنجبار في كانون الثاني (يناير) 1964 بمؤامرة دولية. وعندما كنت في مسقط عام 2012 في المؤتمر الدولي «عُمان وشرق إفريقيا» وتحدثت عن علي محسن البرواني، وهو من أشهر الشخصيات من أصل عُماني في شرق إفريقيا قابلني المهندس محمد علي محسن البرواني بعد أن اتصل بي قبل سفري إلى القاهرة بدقائق في مطار مسقط وأهداني نسخة من مذكرات والده بعنوان «الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني» الذي اعتبره كنزا ثقافياً وسياسياً لشخصية من أشهر الشخصيات العربية في القرن العشرين. لكن قبل الكلام عن هذا الكتاب الذي يعد مصدراً مهماً لتاريخ الوجود العربي العُماني في شرق أفريقيا، نسأل من هو علي بن محسن البرواني؟
علي محسن البرواني (1919- 2006) هو قائد سياسي ومفكر وعالم وشاعر عُماني ولد في سلطنة زنجبار في شرق أفريقيا (التابعة لدولة تنزانيا حالياً) وعاش هموم الأمة الإسلامية والمسلمين بعامة، وزنجبار بخاصة. فلقد قاد الحركة الوطنية في زنجبار ووقف بالمرصاد ضد سياسات بريطانيا فيها. وكان من أبرز قادة الحزب الوطني الزنجباري الذي ناهض وكافح من أجل أن تنال زنجبار استقلالها في كانون الأول (ديسمبر) 1963 وتولى حقيبة وزارة التعليم، ثم الداخلية ثم الخارجية قبل سقوط زنجبار 1964. ثم وقف ضد الانقلاب الدموي في زنجبار الذي راح ضحيته ما يقرب من ثلث سكان زنجبار ما بين قتيل وغريق ولاجئ ما جعله يسجن أكثر من عشر سنين في سجن نير يرى حاكم تنزانيا. وله إنتاج علمي عظيم في خدمة الإسلام والمسلمين في مقدمته ترجمته باللغة السواحيلية كتاب «المنتخب في ترجمة معاني القرآن الكريم». وكتابه «أسوة حسنة» كتب فيه سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) شعراً باللغة السواحيلية وكتاب «علم نفسك العربية في ثلاثة أسابيع» للمتحدثين باللغة السواحيلية الذي يعد كتاباً مهماً ساعد العديد من سكان شرق أفريقيا من (تنزانيا وكينيا وأوغندا) على تعلم اللغة العربية بما تميز به من بساطة. وكتاب «دع الكتاب المقدس يتكلم» وكذلك كتابه الصراعات والوئام في زنجبار وهو مذكراته الشخصية. ويعتبر كتاب «الصراعات والوئام في زنجبار» من أهم المصادر التي تناولت تاريخ العُمانيين في شرق أفريقيا وهو مصدر مهم لكتابة تاريخ شرق أفريقيا قسمه البرواني إلى ثلاثة عشر فصلاً. في الفصل الأول يتناول لمحة عن سيرته الذاتية، مولده، تعليمه، زواجه، العلاقات الحميمة التي كانت تجمعه مع الزنجباريين مع اختلاف طوائفهم. أما الفصل الثاني فبعنوان «الدين في مواجهة العلمانية» ويتحدث فيه عن كيف يوظف الغرب إمكاناته للوقوف ضد الإسلام وفي الفصل الثالث، بعنوان «إطلالة خاطفة في التاريخ»، يتناول بدايات الوجود العماني في شرق أفريقيا. وفي الفصل الرابع يتكلم عن السواحيلية: الشعب واللغة. وفي الفصل الخامس عن موضوع مهم وهو القومية الزنجبارية والعرقية. وفي الفصل السادس يتكلم عن مصادرة الممتلكات، لا سيما مصادرة منزله وممتلكاته عقب انقلاب كانون الثاني (يناير) 1964. وفي الفصل السابع يتحدث عن إزالة بعض الأوهام. ويرد فيه على الدعايات المغرضة ضد العمانيين مثل اتهامهم بأنهم تجار رقيق ومالكو مزارع القرنفل وغيرها من الاتهامات الباطلة ودور بريطانيا في نشأة الحزب الأفروشيرازي وكذلك في كل الدعايا المغرضة ضد العرب. وفي الفصل الثامن بعنوان «التعليم»، يوضح التعليم الإسلامي والتنصير وذكرياته وهو في مراحل التعليم المختلفة. وفي الفصل التاسع بعنوان «الحرب والزراعة» يوضح جهوده في توفير الغذاء للزنجباريين أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي الفصل العاشر يشرح جهوده في الوحدة الوطنية بعنوان «بحثاً عن الوحدة الوطنية» وكيف وقف وحزبه الحزب الوطني الزنجباري ضد السياسات البريطانية لخلق الطائفية. وفي الفصل الحادي عشر بعنوان «الآصرة المصرية» يوضح العلاقات القوية التي كانت تجمع زنجبار ومصر في عهد عبد الناصر ويتحدث عن زيارته لمصر عام 1958 وحصوله على أربعين منحة دراسية للزنجباريين من مصر ووعد ببناء جامعة إسلامية في زنجبار ولكن انقلاب يناير حال دون ذلك.
وفي الفصل الثاني عشر بعنوان «الزواج» يعود إلى حياته الخاصة ويتحدث عن ذكريات زواجه وهو يخدم في كتابة التاريخ الاجتماعي فيتناول عادات وتقاليد الزواج في زنجبار. وفي الفصل الرابع عشر بعنوان (الحلم الذي ضاع) يتكلم عن خططه لتطوير زنجبار ويوضح فيه وصول مهندس مصري للبدء في مشروع الجامعة الإسلامية في شرق أفريقيا لخدمة مسلمي شرق أفريقيا وبناء مستشفى كامل التجهيزات في هذه المؤسسة العلمية على أرض كوامتيبورا، تبرع بها بالفعل المرحوم محمد ناصر اللمكي وأبناء الشيخ مسعود بن علي الريامي ولكن ذهبت الأحلام أدراج الرياح بعد انقلاب يناير 1964. ووضح في هذا الفصل كشاهد عيان أحداث يناير ومن دبرها (بريطانيا – إسرائيل – نيريري) بالتعاون مع الحزب الأفروشيرازي للقضاء على الحكم العربي في زنجبار. وفي الفصل الخامس عشر بعنوان «العمل السياسي» يتحدث عن ذكرياته وبداية اتجاهه للعمل السياسي والصحف التي كتب فيها مقالات سياسية لنقد الاحتلال البريطاني. وفي الفصل السادس عشر الذي هو بعنوان «زنجبار والرق»، يردَّ على الدعاية المغرضة الخاصة باتهام العمانيين بأنهم تجار رقيق، ويوضح المزاعم الكاذبة لمنظمات حقوق الإنسان. وفي الفصل السابع عشر بعنوان «الأصولية» يناقش موقف الغرب من الإسلام واتهامه بالأصولية الذي هو في الأصل مفهوم خاص بالمسيحيين والتي يتهم بها الغرب المسلمين. وفي الفصلين الثامن عشر والتاسع عشر يوضح جهوده في الحكومة كوزير للتعليم والداخلية والخارجية قبل سقوط زنجبار 1964. وفي الفصل العشرين تناول «انضمام زنجبار إلى منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1963»، وفي الفصل الحادي والعشرين يتحدث عن ذكريات السجون حيث سجن أكثر من عشر سنوات. وفي الفصل الثاني والعشرين يوضح العتق من المعتقل ويتكلم عن جولة محزنة في زنجبار وبمبا. ويعود مرة أخرى الى الحديث عن ذكريات السجون في الفصل الأخير الثالث والعشرين بعنوان «كنت سجين نيريري» ويحكي فيه عن هروبه من تنزانيا إلى مصر بعد رفض حكومة نيريرى إعطاءه جواز سفر ثم انتقل إلى العيش في كينيا ثم الإمارات العربية المتحدة وأخيراً سلطنة عمان ثم انتقل إلى جوار ربه في 20 آذار (مارس) 2006. وختاماً تعتبر هذه المذكرات بمثابة وثائق مهمة تعكس الوجود العماني في شرق أفريقيا في شكل صادق حيادي
ضمن المنشورات الصادرة عن جامعة نزوى، صدرت الطبعة الأولى 2014م من كتاب “مراسلات زعماء الإصلاح إلى سلطاني زنجبار حمود بن محمد وعلي بن حمود البوسعيديين 1896م – 1919م”، جمع وتحقيق د. محمد بن ناصر المحروقي وسلطان بن عبدالله الشهيمي، بذل فيه المؤلفان جهدا بحثيا كبيرا، تجلى ذلك في منهج ترتيب الوثائق، وقدما ملخصا وافيا لمضامين مراسلات زعماء الإصلاح والبالغ عددها 130 رسالة، وهي لمجموعة من العلماء من بينها رسائل للشيخ الجزائري امحمد بن يوسف اطفيش، والمصري الشيخ السيد محمد رشيد رضا، وكذلك رسائل لأئمة الحرمين الأشراف، والمؤرخين والكتاب والشعراء والأعوان الأقران، ومراسلات صحفية وصلتهم من وكالة رويترز والجريدة الزنجبارية وبعض الصحف والمجلات العربية. وفي المقدمة التي كتبها د. محمد المحروقي علل فيها الأهداف التي يسعى الكتاب إلى تحقيقها؛ من بينها إبراز الدور الثقافي للسلطانين حمود بن محمد (1896- 1902م)، وابنه علي بن حمود (1902 – 1919م)، في دعم الجهود الاصلاحية لعلماء وكتاب وصحفيي العالم العربي في مطلع القرن العشرين وذلك من خلال مجموعة كبيرة من الوثائق التي قام بجمعها وفرزها و تحليل مضامينها. وتحدث عن المنهج الذي تم اتباعه لترتيب الوثائق، يقول الباحث: تضم المجموعة مئات الرسائل المصورة، تتناول موضوعات وأشكالا شتى، مراسلات سياسية بين أقطاب العالم آنذاك، وسلاطين زنجبار منذ عهد السيد سعيد بن سلطان، ومراسلات أسرية بين أفراد في عمان وأقاربهم، أو وكلائهم في زنجبار وشرق افريقيا، وبعض الوثائق التي تخص أحكاما قضائية وصكوكا، لم ينفض الغبار عنها منذ ما يزيد على الثلاثين سنة، من ممباسا والجزيرة الخضراء خصوصا. كما يقول الدكتور محمد المحروقي في مقدمته: لا يمكنننا أن نغفل الإشارة إلى مجموعتنا الثرية من الصور التي أخذناها من أراشيف ومراكز بحثية مختلفة، على نطاق واسع في شرق أفريقيا من جزر القمر، مرورا بالجزيرة الخضراء وزنجبار ودار السلام والأرشيف الوطني في نيروبي وعنبتي وجامعة ماكريري في أوغندا والقاهرة، هذه الصور بعضها قديم وبعضها مما صورته بنفسي لبيوت أثرية أو صناعات تقليدية، وكل ذلك يشكل مجموعة ضخمة يصنع منها مكتبة يسترفدها الباحثون. وكتب أيضا: لقد قمنا بقراءة تلك الوثائق وفرزنا منها ما يتصل بالسلطانين، مما كتب إليهما أو في زمانهما، مما يتصل بمساهماتهما في رفد الثقافة العربية، وتعزيز جهود الاصلاحيين على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم. ولقد أفضى الفرز التحليلي لمضامين الوثائق إلى تحديد أربعة أقسام أساسية تندرج ضمنها تلك الوثائق المنتخبة، التي بلغت 130 وثيقة، وهذه الأقسام هي العلماء والشعراء والأقران والأعوان والصحافة، وكل قسم يضم مجموعات أصغر، وقد وضعنا جداول لترتيب هذه الوثائق، أخذا في الاعتبار الأقدمية، ووضع الرسائل القادمة من مصدر واحد معا، وفي هذه الجداول حرصنا على تعبئة الحقول باسم المرسل والمرسل إليه، ومحتوى الوثيقة وتاريخها وحقل الملحوظات. وأضاف الباحث د. محمد المحروقي أن أغلب هذه الوثائق حصل عليها من الأرشيف الوطني بزنجبار، في رحلة بحثية أثناء عضويته بفريق البحث الاستراتيجي “مصادر تاريخ علاقة عمان بشرق أفريقيا 1624 – 1663م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور ابراهيم الزين صغيرون بجامعة السلطان قابوس. أما رسائل الشعراء فتأتي إلى السلاطين من عمان والجزائر والشام، ومجمله قصائد مديح في المعاني التقليدية والاسترفاد، وهي في مجملها قصائد سليمة البناء، من بين الشعراء محمد بن شيخان السالمي، وشاعر يدعى سالمين، ومن الشاعرات أنيسة عطا الله وروجينا عواد والكسندرا مليادي دي فيرينوه، وبعض القصائد تتصل بالشعر الغنائي الذي كانت تغنيه الفرق الموسيقية، بعضها باللغة العربية الفصحى، وبعضها باللهجة الحضرمية. وهناك رسائل أخرى ترد من صحفيين من مختلف أنحاء العالم، وكذلك مراسلات من صاحب مجلة الهلال وهو الأديب المعروف جرجي زيدان، وكذلك مكاتبات من عبدالمسيح الأنطاكي صاحب مجلة العمران، يرسلها إلى كاتب السلطان الشيخ محمد بن سالم الرواحي، يطلب فيها صورة السلطان علي وأبيه حمود، لطبعها في كتاب خاص عن ذكرى وفاة السلطان حمود. ويؤكد د. محمد المحروقي في تقديمه للكتاب أن هذه الرسائل لها أهمية تاريخية، تتضح بما تقدمه من معلومات، كما تؤكد قوة شبكة العلاقات التي نسجها سلاطين زنجبار في مختلف بقاع العالم. وورد في سياق التقديم أن الطابع الغالب على الرسائل هي واردة إلى السلطانين، ولم نجد رسالة صادرة منهما البتة، أما كلمة الإصلاح الواردة في العنوان فهي كلمة راجت في الخطاب النهضوي العربي المعاصر، وهي مرادفة لكلمة النهضة والتجديد. جدير بالذكر أن المرتبين والمحققين قد قاما بوضع ملحقين بالكتاب، الأول يتناول تراجم الشخصيات، والثاني في التعريف بالصحف التي يرد ذكرها في الوثائق والمرسلات، تم ترتيب الملحقين ترتيبا أبجديا، والرائع في هذا الكتاب أنه تم نشر أصل تلك الرسائل بخطوط كتابها، وصف ما تتضمنه تلك الرسائل من مادة علمية في متنها، وذلك لسهولة قراءتها، حيث يتيح الفرصة للقارئ أن يقرأ الرسالة مطبوعة أو قراءتها كما كتبها مرسلها. وتكشف الرسائل عن تنوع جميل في الخط بين المشرق والمغرب، وبعض التواقيع، وسنوات الكتابة، والاستهلالات الرائعة لكل رسائل، وما تتضمنها من نصوص نثرية وشعرية، جديرة بالدراسة والتحليل. وتكشف بعض الرسائل جمال الخط العربي في الكتابة، وجمال التعبير في المقدمة ومن ثم الولوج إلى قلب الموضوع، بأسلوب أخاذ، يدل على تمكن الكاتب من اللغة، يقع الكتاب في 407 صفحات من الحجم المتوسط. -
أحدث وجود العرب العمانيين في شرق أفريقيا من التأثيرات ما غيّر مجرى التاريخ لهذه المنطقة تغييراً جذرياً، وكان الفضل في ذلك يعود إلى الجلندانيين والنبهانيين. لكن تاريخ الهجرات العمانية إلى شرق أفريقيا وأثرهم الحضاري هناك، يلفه الكثير من الغموض، حيث لا توجد مصادر تاريخية يعتد بها في هذا المجال، وأغلب المعلومات المتوافرة جاءت من خلال الروايات الشفهية للمعمرين في شرق أفريقيا، والتي نقلها إلينا مؤرخون ومستكشفون غربيون في العصر الحديث. تلك هي الثغرة التي يحاول سدها كتاب «الهجرات العمانية إلى شرق أفريقيا... بين القرنين الأول والسابع الهجريين»، لمؤلفه سعيد بن سالم النعماني، والذي يسعى إلى إزالة ركام التجاهل عن الوجود المبكر للعمانيين في شرق أفريقيا، ودورهم التاريخي وتأثيرهم الحضاري. وفي هذا الخصوص فهو يؤكد أن هجرة الجلندانيين كانت أول هجرة عمانية معروفة ومنظمة إلى شرق أفريقيا، وسببها أن خلافاً نشب بين الجلندانيين الذين كانوا يملكون عمان وبين الخلافة الأموية، مما اضطر الملك العماني سليمان بن عباد الجلنداني الأزدي للهجرة بذراريه وبعض رجال دولته إلى شرق أفريقيا، حيث استقر في أرخبيل "لامو" بشمال كينيا، سنة 80 للهجرة.
ويتكون الكتاب من بابين؛ أولهما يتناول التاريخ السياسي للهجرات العمانية، وفيه يتحدث عن النشاط الملاحي للعمانيين، والذين ما كان لهجراتهم إلى شرق أفريقيا أن تتم على النحو الذي تمت به لولا ريادتهم في ركوب البحر وامتلاكهم أسطولاً بحرياً. كما يتطرق إلى الصلات التاريخية بين عمان وشرق أفريقيا، منطلقاً من قرار الملك الجلنداني بالهجرة إلى تلك المنطقة بعد ما أحكم أعداؤه الأمويون السيطرة على بلاده، مما يؤكد توافر معرفة سابقة لدى العمانيين بمنطقة الساحل الشرقي لأفريقيا، مصدرها وجود صلات تاريخية بين بلادهم وتلك المنطقة.
ويغوص الكتاب في دراسته هجرة الجلندانيين إلى شرق أفريقيا، فيتناول أوضاعهم قبل الهجرة، وأسباب هجرتهم، وزمنها، ومكان استقرارهم، والحكم الذي أقاموه هناك. ومن ذلك يتضح أن الجلندانيين كانوا ثاني مجموعة عربية تهاجر إلى شرق أفريقيا بعد هجرة الأمويين، وأن وجودهم اكتسب أهمية كبيرة بسبب التوسع الاقتصادي والتجاري وما أصبح لهم من نفوذ سياسي، حيث أنشأوا مملكةً سيطرت على أجزاء كبيرة من ساحل شرق أفريقيا واستمرت نحو خمسة قرون.
واستطاع النعماني أن يبدد الأوهام السياسية في «المسألة الإفروشيرازية»، حيث اعتاد المؤرخون نسبة تأسيس دولة الزنج الإسلامية الأولى إلى الشيرازيين، لكن وفقاً للمؤلف فإن الشيرازيين الذين وفدوا إلى المنطقة في القرن الرابع الهجري، سبقتهم إليها هجرات عربية منها الجلندانيون، كما ثبت الآن أن الشعب والثقافة السواحليين نتجا عن ذلك الوضع الذي كان العرب والأفارقة صنّاعه.
أما حكم النبهانيين في شرق أفريقيا فقد تأسس بعد سقوط الدولة الجلندانية هناك بأربع وثلاثين سنة، أي في سنة 599 هجرية، حيث قام سليمان النبهاني، أحد أفراد الأسرة النبهانية الأزدية الحاكمة في عمان، بتأسيس حكم النباهنة في جزيزة «باتي»، واستمر حكمهم أربعة قرون. لكن كما اتسم عهدهم عموماً بالقلاقل والحروب، فإن المصادر التاريخية حوله شحيحة وتتصف الاضطراب في الرواية والمعلومة.
أما الباب الثاني من الكتاب فيتمحور حول الدور الحضاري لعرب عمان في شرق أفريقيا، لاسيما أنشطتهم وصلاتهم التجارية، ويتطرق إلى ما أنشأوه من طرق ومراكز تجارية، مثل مقديشو وباتي ولامو وجيدي وملندي وممباسة وزنجبار وكلوة ومدغشقر وموزمبيق. كما يتناول المبادلات التجارية بين شرق أفريقيا والبلدان الأخرى، مثل فارس والهند والصين... ويفصل في الواردات والصادرات، مثل الذهب والعاج والحديد والعنبر النمور والقرود والأخشاب والتوابل.
وأخيراً يتناول الكتاب التأثيرات الحضارية للعرب العمانيين في شرق أفريقيا، خاصة دورهم في الدعوة الإسلامية، وفي نظم الحكم، وفي اللغة والثقافة، وفي مجالي العمران والحِرف.
وهكذا ففي سبيل تتبعه هجرتين عربيتين خرجتا من عمان إلى شرق أفريقيا في القرون الإسلامية الأولى، استطاع النعماني باقتدار أن يجمع وثائق ومواد كثيرة ويعيد قراءتها من جديد، مؤكداً على إحدى حلقات التواصل بين العالم العربي وأفريقيا، وعلى وجود إرث حضاري مشترك أنجزه عرب وأفارقة في شرق القارة!